موسم الشموع بسلا المغربية استمرارية تاريخ وتراث

شموع ضخمة يصل طولها إلى مترين أو أكثر

انطلقت عشية السبت بمدينة سلا المغربية فعاليات موسم الشموع لمولاي عبدالله بن حسون تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس وبإشراف الزاوية الحسونية، احتفاء بعيد المولد النبوي الشريف.

ودأبت حاضرة سلا على تنظيم موسم الشموع الذي ينظّم هذه السنة تحت شعار "تراثنا فخْرنا".

وكانت ساحة الشهداء بوسط المدينة على موعد مع الاستعراض الرسمي للشموع 12 بمشاركة تشكيلة مختلفة من الإيقاعات الموسيقية وألوان فولكلورية.

ويعتبر موسم الشموع انفراد مدينة سلا الذي استمر على مدى 500 عام مضت. تقليد سنوي يشهد على التنوع الثقافي الذي تزخر به المملكة المغربية الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ. ويدخل موسم الشموع بطقوسه واحتفاليته ضمن الموروث الأصيل للمدينة التي تقع على ضفة واد أبي رقراق الذي يفصل سلا عن العاصمة الرباط.

وموسم الشموع يعد أولا قبل كل شيء حفلا دينيا احتفاء بالولي عبدالله بن حسون المولود سنة 1515 بضواحي مدينة فاس والمتوفي سنة 1604 بسلا.

ويعد عبدالله بن حسون من أقطاب الطريقة الشاذلية وعرف بكونه رجل علم وتصوف، إذ جمع بين علوم الظاهر والباطن ويعتبر احد الأعلام المبرزين في عصره علما وفضلا وتصوفا وتربية وسلوكا.

وحدث أول استعراض للشموع سنة 986 هجري وذلك بمدينة سلا في عهد دولة السعديين بعدما أعجب به السلطان أحمد المنصور الذهبي خلال زياراته التي قام بها إلى إسنطبول عاصمة الأتراك، فأراد أن ينقله إلى المغرب وهذا ما يؤكد على عراقة الحوار بين الحضارات والثقافات التي تشربها المغرب منذ القديم ودأب عليها إلى اليوم.

وتعرف مدينة سلا أنشطة موازية للاحتفال بموسم الشموع منها الثقافي والديني والفني، الشيء الذي يغري السياح من الداخل والخارج لاكتشاف تلك المشاهد التي تخترق شوارع مدينة سلا، في كرنفال يتكون من رجال يرتدون أزياء تقليدية، يرافقهم فرق موسيقية وقرع الطبول، حاملين على أجسادهم شموعا ضخمة عبارة عن هياكل خشبية كبيرة مزينة بالشمع الملون التي تتشكل بأزهار من شموع صغيرة.

وتلك الشموع غير العادية ليست كتلك المخصصة للإنارة، ألوانها المتنوعة تتراوح بين الأبيض والأحمر والأخضر والأصفر، إلى جانب زخرفتها الجميلة التي تنهل من الأشكال والزخارف الإسلامية. شموع ضخمة تميزها يكمن كذلك في وزنها الذي يتراوح ما بين 15 و50 كلغ والتي يصل طولها إلى مترين أو أكثر.

ويعد موسم الشموع مهرجانا متميزا في نوعه يجمع بين الحس الفني والجمالي، والإسلام المنفتح والحضاري الذي يمنح السكينة والطمأنينة. فسكان سلا يتمتعون بحس فني وجمالي كبير انعكس في صناعتهم لشموع المهرجان وإبداعهم لقوالب فنية جميلة ومتنوعة في الألوان.

هذا التفرد في الإبداع نراه مجسدا في مساجد المدينة التاريخية وبيوتها ومعالمها العمرانية البارزة بالنقوش الرائعة والفسيفساء الملونة والزخرفة المرمرية التي تتميز بها سلا.

وينطلق الموكب الرسمي يتقدمه شرفاء الزاوية بمعية أذكار دينية وأهازيج وإيقاعات يقدمها مجموعات مشاركة من مختلف مناطق المملكة منها فرق عيساوة، وكناوة، وعبيدات الرمى، وجبالة، والركادة وأحواش، حيث يقفون أمام المنصة الرسمية للاحتفال ويؤدون رقصات الشموع في لوحات يعجب بها الحاضرون.

ويطمح المشاركون في هذا الاحتفال السنوي الى المحافظة على هذه الثقافة والتراث الإنساني اللامادي وإدماج السلا ضمن لائحة المدن والمواقع القديمة المصنفة عالميا، تكريما للمدينة التي ظلت محافظة على هذا الموعد السنوي مع طقوسها الثقافية والدينية والشعبية الخاصة وعلى زخمها التاريخي الرائع.