عبدالسلام إبراهيم: المشهد الثقافى لا يزال يفتقر إلى المعلوماتية التى تحتاجها مهنة الترجمة

الوسيط الحضاري

يطرح مشهد حركة الترجمة سواء في مصر أو العالم العربي الكثير من التساؤلات والمشكلات في ظل أوضاع متردية للحركة الثقافية عامة، وتدهور عمليات النشر والتوزيع ومهنية المترجمين وتمكنهم في اللغتين سواء المترجم منها أو اللغة العربية، واتساع دائرة المصطلحات والانحياز إلى أعمال بعينها دون أخرى، وغير ذلك.

في هذا الحوار مع القاص والروائي عبدالسلام إبراهيم أحد المترجمين المتميزين الذين قدموا تراجم رائعة لأعمال إبداعية عالمية كبرى، نتعرف على جوانب مهمة من تجربته في الترجمة وأثر كونه مبدعا عليها، ونلقي الضوء على رؤاه وأفكاره فيما يتعلق بالترجمة؛ دورها وتساؤلاتها ومشكلاتها وتحدياتها.

من أعماله الابداعية روايات "قادش الحرب والسلام"، "الطواب الأكبر"، وقصص "كوميديا الموتى"، "مسافة قصيرة جدا للغرق"، ومن أعماله المترجمة: "مهمة اللعب مع النمر ومسرحيات أخرى" دوريس ليسنج، و"عشر مسرحيات مفقودة ليوجين أونيل"، وثلاث مسرحيات لكليفورد أوديتس، ورواية "فوس" لباتريك وايت، ومختارات قصصية لأدباء جائزة نوبل، ورواية "أشياء تتداعى" تشنوا أتشيبى، وكتاب "أضواء على المسرح البريطانى"، وغيرها.

البداية مع الترجمة كاختيار حيث أكد عبدالسلام إبراهيم أنها لم تكن بالنسبة له اختيارا بل كانت قدرا، بل نبتت ونمت مع الإبداع جنبا إلى جنب، وقال "عندما بدأت أكتب الإرهاصات الأولى في القصة القصيرة كنت أبدأ أولى محاولاتي لترجمة مقاطع من الشعر والقصة القصيرة، وربما كانت دراستي للأدب الإنجليزي هي الحافز الذي جعلني أقبل بصدر رحب اختيارها لي إن جاز التعبير. ثم وجدت نفسي أجد في الترجمة عالما رحبا للإطلاع على الآداب العالمية ورغبة شديدة تنتابني لنقل تلك الآداب إلى اللغة العربية، وعندما اجتزت المراحل الأولى في الترجمة صارت الترجمة لدي رسالة أحملها على عاتقي لإثراء المكتبة العربية بتلك الدرر التي فتنت بها".

واعتبر عبدالسلام إبراهيم أن المترجم سفير لأمته في عالم الترجمة، "هو الذي يقرأ وهو الذي يتفاعل مع النص الأجنبي، وهو الذي يقيم مدى أهميته للقارئ العربي ومدى إضافته للمكتبة العربية. كل تلك العوامل تهيئ للمترجم الإطار الذي يحدد من خلاله الشروط التي يجب أن يتخذها لاختيار عمل ما سواء كان أدبيا أو فكريا، بالإضافة إلى أن خبرته تؤهله لصياغة لائحة يضعها لنفسه من خلال اتصاله واحتكاكه بالمؤسسات المختصة بإصدار الأعمال المترجمة، ولا بد للمترجم الذكي أن يكون ضمن تلك المنظومة العامة في وطنه للمساهمة في إنتاج الأعمال الجديدة أو المعاد ترجمتها أو حتى الخطة العامة التي يجب أن تضعها أي مؤسسة تضطلع بالترجمة.

أما مسألة المعايير فهو يضع بعضا من تلك المعايير لتنضم إلى المعايير العامة التي يجب أن تضعها الدولة كإطار عام. بالنسبة لي أعددت لنفسي مشروعا عاما لترجمة المسرح العالمي وكذلك الشعر، وأنجزت منه الكثير، ثم تداخلت مشروعات أخرى لترجمة الرواية والقصة القصيرة كانت بمثابة إثراء لتجربتي في مجال الترجمة".

ورأى إلى أنه ليس كل المترجمين مدعويين لترجمة الأعمال الأدبية، وقال "المترجم الأديب فقط هو المنوط بتلك المسألة لأنها غاية في الخطورة، فالعمل الأدبي من أصعب ما يمكن ان يترجمه المترجم، وإذا حدث وترجم هذا العمل الأدبي مترجم ليس أديبا فسينتج عملا ركيكا يضر بالعمل الاصلي وقد ينسف مصداقية الترجمة التي نحرص عليها طوال مراحل الترجمة الصعبة. والمترجم يقوم بالإسهام في الشأن الثقافي طوعا أو تكليفا من بعض المؤسسات، وكان مشروعي في الترجمة قائما على الإسهام التطوعي بالإضافة إلى التكليف".

وحلل عبدالسلام إبراهيم ظاهرة ترجمة الكتب التي تتناول التطرف، وصولا لأسبابها ورأى "أن ترجمة الكتب التي تناقش أو ترصد أو تحلل ظاهرة جماعات وتنظيمات الاسلام السياسي المتطرف والتكفيري موازية ومواكبة للأحدث السياسية التي تحدث في العالم، وعندما يقرأ العالم أحد هذه الاصدارات ويتفاعل معها تجد أن دور النشر متأهبة لنقل تلك الاصدارات التي ناقشت موضوعات الاسلام السياسي، ولأنها موضوعات متأججة دائما وخصوصا في السنوات الأخيرة تجد أن القارئ العربي ينتظرها متلهفا للإجابة على أسئلة كامنة في وجدانه أو كان يطرحها، لكنه لم يجد من يجيب عنها بشكل منهجي من المؤلف الأصلي، وهكذا تجد تلك الأعمال رواجا لسببين لأنه لم يثق في محللين عرب ليسوا محايدين في طرحهم لتلك الرؤى، والسبب الآخر أن القارئ العربي يجد في العمل المترجم الجديد الذي قد لا يكون موجودا في الأعمال المؤلفة".

وأضاف "بعض الأعمال الأدبية المترجمة سواء كانت سردية أو نقدية نظرية أو تطبيقية تحقق الرواج حسب أهمية العمل نفسه أو أهمية الكاتب، فمثلا عندما ظهر بريخت بنظرية التغريب في المسرح العالمي وتضمنت في مسرحياته لاقت ترجماته ترحيبا واسع النطاق وحققت رواجا منقطع النظير في حينها، وقس على ذلك بعض الأعمال التي حصل كتابها على جائزة نوبل أو البوكر مثل ماركيز ودوريس ليسنج ومونرو ومويان، وأيضا الكتب التي نظَّرت للواقعية في كتابات ابسن وارثر ميلر، والكتب التي نظرت للواقعية السحرية في أميركا اللاتينية. كل تلك الأعمال لاقت رواجا عندما ترجمت إلى العربية، وبالنسبة لي لاقت رواجا بعض الأعمال التي ترجمتها مثل كتاب "عشر مسرحيات مفقودة" وكتاب "مختارات قصصية لأدباء جائزة نوبل" و"كتاب الركبون إلى البحر" وأخيرا رواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبى وغيرها من الأعمال".

وأكد عبدالسلام إبراهيم على ما ذكره من قبل من أن المترجم سفير يمكنه أن يمد جسورا بين الشرق والغرب وهو القادر على نقل صوة الآخر وتفعيل سبل التواصل والتلاقح الحضاري التي من شأنها أن تعلي منظومة الانسانية الخيرة.

وقال: "يمكن للمترجم أن يقوم بدور الوسيط الحضاري الذي يحطم جدران العزلة والسيطرة والامبريالية التي تتبناها بعض الأمم وتزيد من الفجوات بينها، مما يجعل مسألة التقريب بين الثقافات والحضارات أمرا مستحيلا. يستطيع المترجم الآن أن يقوم بدور جديد أن يختار ما هو مطروح الآن من أفكار جديدة منبثقة من التحديات التي تمر بها المنطقة العربية، وإيجاد صيغة مستحدثة لربط تلك الافكار على الصعيدين العالمي والاقليمي بمشروع ترجمة يمكن أن تتبناه الدولة".

وحول رؤيته للمشهد الثقافي العربي، أكد أنه لا يزال يفتقر إلى المعلوماتية التي تحتاجها مهنة الترجمة، ومن ثم تواجه الترجمة صعوبات هي التي تعطل مسيرتها، تلك المعلوماتية في مجال الترجمة يمكن أن توفرها الدولة لمؤسسات الترجمة وللمترجمين، ومازالت جهود المترجمين فردية في سبيل الوصول إلى ترتيب عالمي في هذا المجال، ويمكننى القول إن الترجمة لا تزال بصيص ضوء في المشهد الثقافى العربى.

نحتاج إلى مؤتمر عالمي يقام في مصر تدعى إليه الدول المهتمة بمشروعات الترجمة وإعداد قاعدة معلوماتية تضم كل تلك المؤسسات، وعمل مشروع مشترك بين تلك الدول لترجمة مليون كتاب مثلا لتوفيرها للقارئ المعاصر حتى نصل به إلى مرحلة القارئ الفاعل ليس في المشهد الثقافي العربي فحسب بل في المشهد الثقافي العالمي.