إسلاميو الشرق الأوسط... غياب النظام

أمريكا مازالت تراهن على صداقة الإسلامين بذريعة الاعتدال

يتحدث بعض الخبراء عن خريطة جديدة في العالم العربي ستنهض على أنقاض «سايكس بيكو» يخطها «جهاديون». تتعاطى واشنطن مع ملفاتها الخارجية في «الحقبة الأوبامية» بحذر شديد. لا تُقدِم على أي خطوات واضحة في الشرق الأوسط، البقعة الجغرافية الأشد توتراً برغم قيادتها للتحالف الدولي ضد «داعش».

يحلل كيسنجر في كتابه تحولات الأيديولوجية الإسلاموية. يعتبر أن أفكار مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا الداعية لأنموذج إسلامي عالمي (بديل)تحولت إلى موجة تطرف في فكر الإسلاميين الذين جاؤوا بعده خصوصاً سيد قطب.

عالم يغيب فيه النظام

يمثل الشرق الأوسط أكبر تحد لنظام عالمي. لقد نظر المسلمون إلى العالم باعتباره دار إسلام؛ وهي الأراضي التي يسيطرون عليها ويحكمها الخليفة، ودار حرب وهي الأراضي الخارجة عن سيطرتهم. وكان لهم استراتيجية لجعل العالم كله دار إسلام، وهي الجهاد. وهذه الرؤية الثنائية للعالم ما زالت تحكم نظرة إيران والجماعات الدينية المسلحة في لبنان واليمن والعراق والباكستان والجماعات الإرهابية الإسلامية. وهناك صراع وجدل بين المسلمين: بين من يريد الدخول في النظام العالمي القائم على الدولة، وبين من يريد إقامة سلطة الإسلام في العالم.

لقد كانت الدولة العثمانية ترى أن لها رسالة عالمية، وأن خلفاءها هم حماة الأرض. وكانت لا تؤمن بشرعية الدول الأوروبية أو مساواتها، وكانت تعتبر أن ملوك أوروبا أقل من مستوى السلطان، وأنه بمستوى وزير. ولكن تراجعت الإمبراطورية بسبب رفضها للتحديث وبدأت القوى الأوروبية تنهش منها. ومع بداية الحرب العالمية الأولى قررت التحالف مع ألمانيا وأعلنت الجهاد ضد روسيا وبريطانيا وفرنسا. وبعد نهاية الحرب تم سحب الأراضي العثمانية إلى النظام الوستفالي. ولكن لم تستطع أن تنضج فكرة الدولة الوطنية في تلك المناطق بسبب القومية العربية والإسلام السياسي، حيث أصر الأول على وحدة بين العرب والثاني بين المسلمين. ثم توزعت الدول العربية بين القطبين الأمريكي والروسي، ومع نهاية العام 1970 صار الشرق الأوسط شبيها أكثر فأكثر بأزمة البلقان في القرن التاسع عشر؛ أي دول ثانوية تحاول استغلال خصومات دول مهيمنة لصالح أهدافها المحلية.

في 1947 أعلن حسن البنا أن الغرب خسر سيطرته على نظام العالم، وأنه حانت فرصة لخلق نظام عالمي قائم على الإسلام. وفي 1964م أعلن سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق» الحرب على النظام العالمي القائم. وقد طالب قطب بوجود طليعة من المؤمنين الأنقياء للقيام بهذا الأمر. ولم يفهم كثير من الخبراء الغربيين هذه اللغة واعتبروها مجرد مجازات أو لأغراض التفاوض. ولكن بالنسبة للإسلاميين فإن هذه الرؤى تمثل حقائق تتجاوز قواعد وأعراف وستفاليا أو أي نظام عالمي آخر. وصار هذا مشروع الجهاديين والمتطرفين في الشرق الأوسط: القاعدة، حماس، حزب الله، طالبان، ملالي إيران، حزب التحرير، بوكو حرام، والدولة الإسلامية مؤخراً. إن النقاء، وليس الاستقرار، هو المبدأ الذي يوجّه هذه الرؤية للنظام العالمي.

للحظة عابرة كان هناك أمل بأن الربيع العربي سيزيل قوى الاستبداد والجهاد في المنطقة. وقد عبّرت الولايات المتحدة عن سعادتها بما يجري إيماناً منها بقيم الحرية والديمقراطية. ولكن الربيع العربي عوضاً عن التغلب على التناقضات الداخلية في العالمين العربي والإسلامي، فإنه قد أبرزها وتحوّلت السعادة إلى شلل. وكان الشعار «الشعب يريد إسقاط النظام» يترك تحديد الشعب والبديل عن النظام بلا إجابة. ومن النتائج أن تم انتخاب محمد مرسي ليبدأ مسعى الإخوان المسلمين في السيطرة وتهميش الخصوم حتى انقلب عليهم الجيش وبدأ مرحلة سياسية جديدة. لقد كان إسهام أمريكا الأساسي في الربيع العربي هو إدانة أو الاعتراض أو مساعدة إزالة حكومات مستبدة بما فيها الحكومة في مصر، حليفها السابق. وبالنسبة للحكومات الصديقة والمحافظة، فإن الرسالة التي وصلتهم هي أن أمريكا ستتخلى عنهم.

بدت الثورة السورية كثورة مصر. لكن في حين وحدت ثورة مصر مختلف الأطياف، فإن الثورة في سوريا أثارت أحقاداً قديمة وأنعشت الصراع السني - الشيعي. لقد اعتبر السوريون أن الحرب لأجل النصر وليست لأجل الديمقراطية. ثم دعمت السعودية ودول الخليج القوى السنية، في حين دعمت إيران الأسد بواسطة حزب الله. وعندما رفضت الولايات المتحدة التدخل لتغيير التوازن لصالح طرف، رأت دول المنطقة أن لها نوايا أخرى أو تخفي اتفاقاً مع إيران، ثم تجسد هذا الخلاف في رفض السعودية مقعداً في مجلس الأمن، معلنة: بما أنه فشل الوسيط التقليدي في العمل فإنها ستعمل بطرقها. لو كان هناك نظام إقليمي أو دولي قائم لربما تم منع أو على الأقل التقليل من الكارثة.

تفكيك الدول

سوريا والعراق قد يفقدان قدرتهما على الاستمرار كدولتين. إن تفكك الدولة إلى وحدات طائفية وقبلية والصراعات البينية بين الجميع يمكن اعتباره ما سمّاه هوبز «الحالة الطبيعية». وقد لا تملك الحكومة المركزية الإرادة أو القدرة على إعادة فرض السلطة على المناطق الحدودية أو على الكيانات اللادولية مثل حزب الله أو القاعدة أو الدولة الإسلامية أو طالبان. وهذا حصل أيضا في ليبيا وإلى حد خطير في الباكستان. في مثل هذه الظروف، فإن على الولايات المتحدة اتخاذ قرارات على ضوء ما يحقق أفضل خليط من الأمن والمبادئ مدركة أنها لن تحقق أياً منهما بشكل كامل.

والآن الصراع يبرز بين جبهة سنية مكونة من السعودية ودول الخليج، وإلى حد ما مصر وتركيا، وجبهة شيعية بقيادة إيران. والمتنازعون يطلبون دعم قوى خارجية وتحديداً من أمريكا أو روسيا، مما سيشكل العلاقة بين القوى الخارجية وبين قوى المنطقة. ويبدو أن الولايات المتحدة قررت أن تدع تلك الثورات تمضي إلى نهايتها وتفكر في من سيخلف.