هل أكره زوجتي «الكتابية»؟!

المتعصبون يريدون اعلان كراهية مخترع البنسلين ودواء الملاريا

في هذه الأيام، ومع اقتراب احتفال المسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، واحتفال العالم بعيد رأس السنة الميلادية، ينشط دعاة ووعاظ، هنا وهناك، عبر المنابر الدينية والإعلامية والمواقع الإلكترونية، محذرين منفرين المسلمين من المشاركة في هذه الاحتفالات أو حتى مجرد تهنئة غير المسلمين.

بحجة أن هذا العمل نوع من الموالاة المنهي عنها شرعاً، بالنص القرآني «لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء» وينقلون فتاوى تحرم المشاركة والتهنئة، بل وتوجب بُغض غير المسلمين!

بعث لي صديق شريطاً مصوراً (فيديو) لرمز ديني معروف في مصر، يخطب في حشد من أنصاره، مفسراً آيات من سورة «الممتحنة» فقال لا فض فوه، متفاخراً متعالماً، لماذا قال الله تعالى في أول السورة: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدكم أولياء تُلقون إليهم بالمودّة»، ثم قال في الآية التاسعة «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبرّوهم وتُقْسطوا إليهم»، كيف يُحرّم علينا «مودتهم» ويبيح لنا «البِرّ» بهم؟!

وتصور هذا الداعية أنه سيحل لغزاً استعصى على الناس، فقال: نعم هناك فرق بين «المودّة» و«البرّ»، المودّة: عمل قلبي، والبرّ: عمل الجارحة وحدها -أحياناً- وظن أنه حل الإشكالية بقوله: عليك أن تبغض غير المسلم بقلبك، ولا حرج عليك في أن تُحسن معاملته!

هذا الشيخ بذا الفهم، هو وأمثاله، كُثر، ولو تواضعوا قليلاً، وقالوا هذا رأينا، ولا حرج على الرأي المخالف، لما كان في الأمر إشكال، ولكنهم يرون أن رأيهم هو الإسلام بعينه، وهذا مكمن الخطر، لأنه يزرع «ثقافة الكراهية» ويرسّخها في البنية التحتية للفكر العنيف، والتي في النهاية تنتج المتطرفين والإرهابيين.

هل ما قاله الشيخ يتفق والمنهج الاستدلالي الشرعي لتفسير القرآن؟! دعونا نرجع إلى السورة:

1- بالرجوع إلى أول سورة الممتحنة يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، تُلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يُخرجون الرسول وإياكم، أن تؤمنوا بالله ربكم...».

واضح من هذه الآيات، أنها لا علاقة لها بأهل الكتاب، تتحدث الآيات عن مشركي قريش الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وعادَوه وحاربوه، لمجرد أنهم «آمنوا بربهم»، فمن الطبيعي أن يأتي القرآن محذراً المسلمين، من مودة قوم -ظهرت عداوتهم- بدافع القرابة، أو العصبية القبلية، مما قد يُسرّب أخبار المسلمين للمعسكر المعادي، وهذا حاصل عند المسلمين وغير المسلمين، كيف تَود من يعاديك؟!

وأنت لو أكملت تلاوة بقية الآيات، لتأكدت أن القضية هنا قضية "تأمين معسكر المسلمين" من مكائد أعدائهم، فبقية الآية تقول: «تسرُّون إليهم بالمودة، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل» ثم يُعلل ما نهاهم عنه «إن يقفوكم يكونوا لكم أعداء، ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء..» القضية إذن واضحة: يا أيها المسلم: لا يكن دافع المودة، مبرراً لتسريب الأسرار إلى العدو، فإن الله تعالى مُطّلع على ذلك.

2- أما الآية التاسعة «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين»، فواضحة وضوح الشمس، لا حرج عليك أيها المسلم في أن تعامل غير المسلم، أسمى أنواع المعاملة، وهي «البرّ» ما دام مسالماً غير معادٍ لك.. يقول دعاة الكراهية: كن باراً بهم لكن اضمر كراهيتهم في قلبك! أي كن في شخصيتك، ظاهرك غير باطنك، وهذا أسوأ أنواع التوجيه التربوي، كيف أربي ابني على هذه الازدواجية السيئة؟ إن من لوازم البر المودة، لأنك السلوك يترجم عمل القلب وسابق له، ثم كيف يتقبل الله عملاً بنيّة فاسدة، وكيف يأمر به، وكيف يسميه براً؟!

3- كيف يمنعني القرآن الكريم أن أبذل الود لغير المسلم وهو القائل: «ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى»، عجباً أنكون أقل إنصافاً وإنسانية منهم، يُوادوننا فنكارههم؟! من قال هذا؟!

4- إذا كان على المسلم إضمار الكراهية والبغض لغير المسلم، فلماذا أباح القرآن لي الزواج من الكتابية التي تصبح أم أولادي فيما بعد؟!

هل عليّ أن أكره زوجتي -في قلبي- وأنا أعاشرها؟ أي منطق أو عقل هذا؟ وكيف يستقيم الكُره والبغض مع الوصف القرآني للعشرة الزوجية «وجعل بينكم مودة ورحمة»، ثم هل عليّ أن أعلّم أولادي كراهية أمهم لأنها كتابية؟! هذا منطق غريب لم يقل به أحد في العالمين!

5- كيف أُربي أولادي على بغض من اخترعوا واكتشفوا وساهموا في إسعاد البشرية وتسهيل حياة الناس ومعالجة أمراضهم، وكما قالت أم في رسالة إلى إحدى الصحف تشتكي من حشو ذهن ابنتها وهي لم تتجاوز الثامنة، ببغض غير المسلمين، في المنهج المقرر على الصف الثالث الابتدائي في إحدى الدول العربية: هل يريدونني أن أبغض العالم اليهودي الذي اكتشف الأنسولين الذي يعيش عليه الكثيرون وأولهم أمي؟!

هل أبغض الذي اكتشف دواء الملاريا وأنقذ ملايين البشر؟ هل أُعلّم ابنتي بغض «أديسون» مكتشف المصباح الذي أنار العالم؟ هل أكره العبقري الذي اخترع «المكيف» وأنقذنا من نار الحر والرطوبة؟! ما لكم كيف تحكمون؟!

عبد الحميد الأنصاري

عميد كلية الشريعة في جامعة فطر سابقاً