المائة يوم الأولى للحكومة التونسية المرحلة الأهم لتحديد البوصلة

قبل يومين على أداء رئيس الجمهورية المنتخب اليمين الدستورية لأمام نواب الشعب لا يزال التشويق على اشده بشأن تركيبة الحكومة القادمة والتي يبدو أن حالة المخاض العسير الذي سيرافق ولادتها سيستمر حتى اللحظات الاخيرة قبل تجاوز كل الخلافات والضغوطات وحتى محاولات استنساخ سياسة الغنيمة في صفوف حزب النداء الفائز بالانتخابات التشريعية والرئاسية.

على أن المخاض الطويل لم يمنع الخيال السياسي من تواتر القراءات والتوقعات بشأن الوجوه المرشحة للفوز بمنصب وزاري في الحكومة المرتقبة التي لم يتضح ما اذا ستحتفظ بنفس عدد الوزراء أم أنها ستتقلص بدافع الازمات الحانقة في البلاد وما تستوجبه من تقشف أو ما اذا كانت على العكس من ذلك ستتسع لتشمل حقائب جديدة.

على أن المهم حتى هذه المرحلة أن تصريحات الرئيس المنتخب بالتزامن مع استقالته من رئاسة نداء تونس التزم بأن رئيس الحكومة الجديد لن يكون من وجوه النظام وزراء بن علي وهو ما يقطع الطريق أمام العديد من الاسماء التي كانت مرشحة الى هذا المنصب والامر ذاته يتكرر مع تصريحاته بعدم دعوة نواب في البرلمان لتولي حقائب وزارية الامر الذي يبدو أنه أغضب عديد النواب من حركة نداء تونس ممن كانوا يطمحون لدخول الحكومة وسحب البساط بالتالي أمام وزاء سابقين في الترويكا ربما كانوا يتطلعون بدورهم الى العودة الى السلطة عبر مجلس النواب وبينهم نواب من حركة النهضة.

و في انتظار أن تتضح الصورة بشأن تركيبة الحكومة المرتقبة فان الواضح أن السيد مهدي جمعة الذي يبدو أن لديه طموحات غير معلنة بالبقاء في منصبه حسب بعض مقربيه ليس مطروحا بالنسبة لنداء تونس ولا بالنسبة للرباعي الراعي للحوار لتمديد بقائه على راس الحكومة.

اختبار المائة يوم

بعد يومين اذن سيكون التونسيون على موعد مع حدث تاريخي مع تسلم الرئيس الجديد مهامه رسميا والاستعداد لمواجهة مرحلة عصيبة قد تكون هي الأخطر منذ الثورة، والأرجح أن مسؤولية الرئيس الجديد ومعه مسؤولية الحكومة القادمة لن تكون نزهة رائقة ولا تشريفا ولكنها ستكون وبعد انقضاء اختبار الانتخابات أشبه بل أكبر من مهمة النبي يوسف خلال السنوات السبع العجاف التي مرت بها مصر الفرعونية وهي بالتأكيد مرحلة اختبار طويل وعسير في انتظار الحكام الجدد وقد يشعر فيها الكثير من المسؤولين الجدد بالندم على دخول غمار السلطة في مرحلة تبدو البلاد فيها ملغمة وعلى حافة انفجار وشيك بالنظر الى حجم التحديات والملفات المصيرية العالقة وهي ملفات تستوجب قبل فتحها رص الصفوف واستعادة الثقة الني تكاد تكون منعدمة بين الطبقة السياسية وبين مختلف الشرائح الاجتماعية التي تتطلع بكثير من الريبة والخوف لما ستحمله السنوات الخمس القادمة في طياتها من مفاجات قد لا تكون جلها بطعم العسل.

فليس سرا أن البلد عاش وبعد الثورة أزمات متتالية زادت الوضع الاقتصادي والاجتماعي تعقيدا بالنظر الى تفشي البطالة التي ستكون التحدي الأبرز الى جانب الإرهاب الذي ينتظر الحكام الجدد ذلك أن البطالة مسألة قد لا تجد لها حلول طالما استمر الوضع الاقتصادي الهش وطالما استمر غياب المستثمرين وتراجع االمبادرات في خلق فرص جديدة للتشغيل حاصة في المناطق المهمشة التي كانت وراء اندلاع أول شرارة الثورة والتي لم يجني أبناؤها مع مختلف الحكومات المتعاقبة غير الوعود.

ومن دون شك أن مشكلة البطالة ستظل السبب الأساسي وراء تفاقم ظاهرة التهريب وكل ما يزيد في اغراق المشهد الاقتصادي وانتشار المهربين وتجارة البشر والمخدرات والسلاح والتي تجد لها في الفوضى السائدة في المشهد الليبي ما يساعد على جعلها افة تهدد الامن والاقتصاد والبلاد...

عباءة بورقيبة

ساكن قرطاج الجديد وهو الذي استطاع خلال سنتين من انشاء حزب نداء تونس أن يكسب ثقة التونسيين ويتمكن من السلطة ينتظره رهان غير محسوم وأوله الالتزام بما كان وعد به بشأن رئيس الحكومة الجديد والذي يتعين أن يجمع بين الكفاءة والنزاهة والتجربة وقوة الشخصية والعزيمة ـ خصوصيات قد تتوفر لدى شخصيات تونسية كثيرة فتونس الولادة كانت ولا تزال تجد في رأس مالها من البشر ما قدم لها دوما الطاقة التي تحتاجها..المائة اليوم الأولى للحكام الجدد ستحسم أمر استعادة البوصلة المفقودة موقعها لتؤكد ما اذا كان للسفينة قائد بامكانه الخروج من عباءة الزعيم بورقيبة واحياء العقلية الجهادية المفقودة بين الناس بسبب الخطاب السياسي المحبط للنخبة الغارقة في صراعاتها وتهافتها على اقتسام ما بقي من الغنيمة وأول شروط الجهاد المفقود اليوم استعادة ثقافة العمل والابتكار وتحريك دواليب الاقتصاد المنهك.

لقد غاب عن قاموسنا اليومي ومنذ فترة أن العمل سر الحياة والرفاه والرقي وأن أمما من قبلنا سادها الدمار والخراب والإحباط ولكنها عادت بفضل ثورة العقول لتنتصر لنفسها وتستعيد مكانتها بين الأمم ولنا في تجربة ألمانيا وتجربة اليابان بعد الخرب العالمية الثانية أجمل الدروس ولنا في تجارب نمور آسيا بعد الازمات الاقتصادية لتسعينات القرن الماضي أفضل ما يمكن التطلع اليه لايقاف النزيف الذي ينخر جسد شباب مؤهل لا يجد أمامه غير الانتحار في المعارك في سوريا والعراق وليبيا أو الغرق في البحر لهثا وراء فرصة افضل للحياة أو الانتحار شنقا بدافع اليأس والفقر.