المستقبل وحزب الله: العزف الناشز!

يبلغنا أصحابُ الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله في لبنان أن الهدفَ هو التخفيف من الاحتقان المذهبي بين السنّة والشيعة. فإذا كان الأمرُ كذلك، فبوركت جهودهما التي لا شك آيلة إلى ردّ الفتنة من تلال عرسال راهناً إلى هضاب صفين في أمسنا الغابر.

ولا ريب أن مداولات الوفدين سيكون لها ما يتداعى على السنّة في باكستان كما على الشيعة في العراق، ناهيك على أن الحوثيين في اليمن ينتظرون بقلق ما ستنهي إليه مداولات المتحاورين بين "حزب" و"تيار"!

يجيبُ أهل الحوار أن همّهم محليٌّ متعلقٌ بشؤون بيتية تتصلُّ بلبنان ولا تنسحبُ على شؤون المنطقة.

ما هو محليٌّ لا يتعلقُ بسلاح حزب الله. فهذا شأنٌ يجولُ في متن البلد، لكن مفاعيله تُقررُ خارج الحدود.

وما هو محليٌّ لا يطال مشاركة حزب الله في القتال علناً إلى جانب النظام السوري، ذلك أن مشاركةَ ومقتل لبنانيين في الربوع السورية ليس شأناً لبنانيا، وبالتالي هو خارج كل نقاش.

وطبعاً وما هو محليٌّ لا يطالُ التشكيلات الميليشياوية المنضوية تحت اسم "سرايا المقاومة" فهي أصل من أصول المقاومة الأصلية المجيدة.

على ماذا ممكن أن يتكلم المتحاورون لتنفيس الاحتقان السنّي الشيعي في البلد؟ قيل إن مسألةَ انتخاب رئيس الجمهورية ستكون على مائدة الحوار، لكن جاء من أفاد أن أمرَ ذلك محتملٌ وقد يكون غير وارد، أولاً حتى لا يقال إن المسلمين يبتّون أمر الرئاسة الأولى دون استشارة المسيحيين، وهم المعنيون مباشرة، وثانياً، لأن أمراً كهذا ليس، ولم يكن يوماً، شأناً محلياً يُطبخُ في الداخل.وعليه فقد عزم المتحاورون أن يتحفوا اللبنانيين بحوار لا يعنينهم ولا يعني حاض رهم ومستقبل بلدهم.

لا يمكنُ للمراقب إلا أن يستنتج أن استفاقة الفريقين على خوض غمار الحوار إن هي إلا وحيٌ يوحى، ينطلقُ بضوءٍ أخضر من العاصمتين، طهران والرياض. لم يأت ما يؤكد ذلك من السعودية، لكن رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني ترجّل في قلب العاصمة اللبنانية مثتياً مباركاً المسعى الثنائي الميمون. بيد أن التقاطع الإيراني السعودي في شأن "عزل" الوفدين داخل أروقة الحوار، لا يتواكبُ مع أي تقاطع آخر في لبنان، أو في أي ميدان آخر من ميادين الاشتباك بين الدولتين.

المفارقة السوريالية أن حزبَ الله وتيار المستقبل مقبلان على الحوار مدافعان عنه وكأنه كان هناك من يمنعهما من القيام به منذ سنوات.في مرافعات الدفاع غمزٌ مشتركٌ من قناة الآخر المتأذي من هذا التقارب، كما لهجةٌ واحدة في طمأنة المسيحيين أن لا تواطؤ محتمل أو كامن على حسابهم.

داخل وفد كل فريق وزيرٌ ونائبٌ ومساعد زعيم. الوزراء يتحاورون عملياً داخل مجلس الوزراء، والنواب ليسوا بعيدين عن أجواء من يمثّلهم داخل الحكومة، وربما في وجود مساعديّ الزعيمين ما يعكسُ مباركة عليا لضجيج يكادُ لا يكترث له اللبنانيون.وإذا ما تقرر منع المصورين من التقاط صور تلك اللحظات الحوارية الحميمة، فإن في ذلك بُعداً عن الاستعراض على ما أراد رئيس مجلس النواب نبيه بري، عراب هذا الحدث الاستثنائي اللافت، لكن في ذلك تغييباً لمشهد يفترضُ أنه عنصر أساسي استعراضي في تنفيس المشهد المذهبي العليل.

هو حوار بين السنّة والشيعة بامتياز.وفد حزب الله مؤلفٌ من ثلاث شخصيات شيعية، وهو أمر طبيعي في سياقات حزب الله وهويته وخطابه التمثيلي المتوجه، حسب خطابات أمينه العام، إلى "أبناء الحسين". لكن اللافت أن وفدَ تيار المستقبل يضمُ ثلاث شخصيات سنّية هذه المرة، وهو الحريص عادة عند اختيار ممثليه على اعطاء صورة تتجاوز سنّية التيار، من خلال تقديم اسماء هي جزءٌ من المؤسسة العضوية للتيار، تنتمي لأديان وطوائف ومذاهب أخرى. وربما في ذلك ما هو منسجمٌ مع ما هو معلنٌ دقيقُ التوصيف في ما قيل أنه إبعادٌ للفتنة وتلطيف علاماتها بين المذهبين.

ما زالت الرياض متحفّظة على تطبيع علاقاتها مع طهران، على الرغم من خطاب رسمي إيراني علني يدعي ذلك منذ وصول حسن الروحاني إلى منصب الرئاسة. أبلغت الخارجية السعودية رئيس الدبلوماسية الايراني محمد جواد ظريف عدم لقائه بالعاهل السعودي اثناء أي زيارة محتملة له إلى الرياض (وهو أمر تصرّ عليه طهران)، ويبدو أن زيارة حسين أمير عبد اللهيان، مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والأفريقية، للرياض لم تكسرْ هذا الجليد وهذا المحرّم حتى الآن.

بالمقابل تبدو طهران راغبة في تطبيع علاقاتها مع دول الخليج وفق شروط فوقية (مناوراتها العسكرية الأخيرة مثالاً) يفهم منها استسلام المنطقة لأمر إيران الواقع في تنامي نفوذها من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا، ويفهم منها خضوع المنطقة لتلك الصفقة المتوخاة بين الغرب وإيران، لا سيما بين واشنطن وطهران. وعلى هذا يُفهم التحفظ الخليجي والـ "ممانعة" السعودية بصفتهما رفضاً للقبول بالقدر الإيراني حتى لو سوّقه اتفاق مع الغرب برعاية واشنطن (وحملة إيران الحالية ضد السعودية خير دليل على اصطناعية الخطاب الإيراني السابق الودود).

في ذلك التناقض، يبدو العامل اللبناني ما زال ميداناً أساسياً، قديما ـ جديداً، في التعبير عن نفوذ النافذين الاقليميين والدوليين. على هامش المسعى الفرنسي الغير مقنع في شأن انتخابات رئيس للجمهورية في لبنان، تنشطُ الرياض وطهران، كلٌ حسب وسائله وسُبل تسويقها، للتأكيد عن مدى ارتباط المصير اللبناني (وبلدان أخرى) بمزاج العاصمتين. باستطاعة طهران أن تسوّق ذلك من ضمن السلّة الكبرى التي تفاوض العالم حولها، وباستطاعة الرياض أن تؤكد من جديد أن نفوذها أساسيٌ في ما يطبخ للمنطقة، من التفصيل اللبناني مروراً بمروحة عريضة تلقي ظلالاً ثقيلة على تلك السلّة الإيرانية المعروضة.

يمنّ "الحزب" و"التيار" على بعضهما البعض بهذا الحوار العتيد، كما يمنّان به على اللبنانيين بصفته "عيدية" آخر العام. في تعليق مسألة تخفيف التوتر بين السنّة والشيعة في لبنان على همّة المتحاورين مخاطرة خبيثة. ذلك أن فشلَ الحوار، وهو مرجحٌ بالنظر إلى الظروف المحيطة، يعني تأجيجاً للفتنة وصباً للزيت على نارها. ثم أنه في غياب الأهداف والتخطيط لمدّ الحوار و"سحله" على جلسات لا حدود زمنية لها، تهميشٌ لحدث سيدخل يوميات السياسيين دون أن يكترث له العامة، ودون أن يكون له أي أثر على راهن أيامهم أو غدهم القريب.

الحوار في لبنان تمرين لا يتّسق مع أنواء المنطقة لا سيما في الحرب الإقليمية الدولية حول داعش (وليس بالضرورة ضد داعش). تحددُ تلك الحرب بالسيف لا بالحوار طبيعة التشكلات الإقليمية وهوية توازن القوى المقبل، وتوازن لبنان مرتبط بشكل حميم بنتائج السجال. بيد أن موضة الحوار التي قد تنسحب داخل المسيحيين على ذلك بين سمير جعجع وميشال عون، على ما يتم تداوله، قد لا يتجاوز، على ما هو متوفّر من معطيات، كونه تقليعة طارئة ستطيح بها تقليعات أخرى تعوَّد اللبنانيون على انتاجها واستهلاكها دون كلل.