الفرار من الإسلام السياسي... إلى التصوف

إسلام الروح لا إسلام المنفعة

للتصوف الإسلامي إمكانات ومقومّات استطاع من خلالها أن يضرب بجذوره في المشرق والمغرب الإسلامي، ويتعدى أثره من بلاد الإسلام لينتقل من الشرق إلى الغرب، ويشهد إقبالاً في عصرنا الحالي لم يكن يشهده من قبل، فمن خلال دراسة أجرتها جامعة ييل الأمريكية، يمكن القول: إن ثلثي مناطق العالم وصلها الإسلام عن طريق المتصوفة، نفس النتيجة تؤكدها الباحثة الأمريكية جيزيلا ويب، قائلة: كان الصوفية هم الناقلين الفعليين للإسلام إلى مناطق أبعد من الشرق الأوسط، خصوصًا إلى إفريقيا وشبه الجزيرة الهندية والعالم الماليزي-الأندونيسي، وفي سياق روح التقليد الصوفي نفسه، ما زال المتصوفة يواصلون هذا الدّور في أمريكا.

ومن اللافت للنظر أن فئات كثيرة في مجتمعاتنا العربية - كانت أبعد ما تكون عن التصوّف والمسائل الروحية في حياتها من حيث ظاهر سلوكها واهتماماتها - انجذبت اليوم إلى التصوف، واتقدت عقولها بما تقرأه أو تسمعه أو تشارك فيه من نشاطات صوفية، وصارت تشعر بشكل مختلف للحياة بعدما سمعت عبارة لذي النون أو بيتًا من الشعر لرابعة، أو وردًا لأحد الصوفية الشاذلية، أو حديثًا لأحد النقشبندية، أو مديحًا لمنشد صوفي، أو رقصة من رقصات المولوية!

أهميةُ التّصوفِ للمسلم المعاصر

مع انتفاضات الشعوب العربية اليوم، والتي بدأت منذ سنوات، تمكّن الكثيرون من أبناء التيّارات الإسلامية من الوصول بخطابهم الديني إلى فئات عريضة من الشعوب، ولم يكن هذا الوصول محض صدفة، بل كان امتدادًا طبيعيًّا للقنوات الفضائية التي صارت إعلامًا بديلاً عن الإعلام الرسمي المعبّر عن سياسة البلاد فيما يتعلّقُ بالتعامل مع قضايا الدين ومشكلاته، فمع عدم تبني الدّولة بشكل رسمي لخطاب ديني يلبّي حاجات النّاس، تمكّن أهل هذه التيارات من سدّ تلك الفجوة لنزولهم إلى واقع الناس وهمومهم وطرحهم حلولاً لها!

في ظلّ الأحداث المتلاحقة التي تتغيّر في كلّ لحظةٍ، حدث حراكٌ هائل وما كان مسكوتًا عنه بالأمس أصبح بارزًا ويتكرر الحديث عنه في الإعلام المقروء والمرئيّ. بعضُ المشكلات السياسية كانت هذه التيارات حديثة عهد بها على الرغم من تبشيرهم ليل نهار بالدّولة الإسلامية وضرورة الاحتكام إلى الشريعة، لكن يبدو أن قصورًا شاب أطروحاتهم ولم يحالفهم النّجاح في التّعامل مع الواقع بأدواته أو أدواتهم.

وبصرف النظر عن صدق الشائعات من كذبها، وما ثبت صدوره عن أهل الإسلام الحركي والسلفي من فتاوى وتصريحات، فإن كثيرًا من الشباب زهد في هذا الخطاب الديني الذي لم يترك صغيرة أو كبيرة إلاّ تدخّل فيها، وتنصّل بعض المنتمين إلى هذه التيارات منها، وبعضهم وصل به الأمر إلى إعلان عدم انتمائه إلى الدين ككل؛ لأن هؤلاء في نظره يمثّلون الدين نفسه لا صورة من صوره!

اهتمامٌ ملحوظٌ بالتّصوف

في ظلّ احتدام الصراع السياسي الديني الذي لم تُستثن منه الطُّرقُ الصوفية في مصر على سبيل المثال، ورغم مشاركة الطرق في إعلان خصومتها للتيار الحاكم بعد الثورة (الذي تمثّله قوى الإسلام الحركي) ورغم تصالحها مع النظام السابق للثورة الذي كان يحرك المشهد كله حسب مصالحه، فإن الشباب والكهول أبدوا اهتمامًا كبيرًا بالتصوف طريقة ومسلكًا وتجربة، ربّما للابتعاد عن الاهتمام باليومي والسائد، وربّما لأن الروحَ ضجرت من صور التّدين المتاحة ورأتها تبتعد عن أهداف الدين وغاياته، فأخذت تبحث في القديم عمّا يلبّي رغائبَها، وأبدت اهتمامًا ملحوظًا بتمظهرات هذا النمط الروحي في الآداب والفنون، فاهتمت بالسماع الصوفي والروايات التي تعتمد الموضوع الصوفي وشخصيات المتصوفين، كروايات سالم بن حميش، وعبد الإله بن عرفة، كما أبدت اهتمامًا بالكتابات الأعجمية التي تُرجمت إلى العربية كحكايات الصوفية لإدريس شاه، وقواعد العشق الأربعون لأليف شافاق التركية.

تم ترديد عبارات البسطامي وذي النّون المصري والحلاّج والجيلاني ورابعة العدوية وابن الفارض والرّومي وسنائي الغزنوي وغيرهم من أعلام التصوف، دون التفاتٍ لتنظير الدّارسين للتصوف ودون اهتمام بما يُقال من أهل الطّرق الصوفية عن أمثال هذه الشخصيات وعباراتهم التي تقال في مقام تستحق أن تُطوى ولا تُروى.

وقصد بعض الناس مقامات الأولياء من جديد، على الرغم مما أثير من غبار الكلام حول المقامات والأضرحة، إذ تمّ استدعاء فتاوى التحريم وكراهة الصلاة في المساجد التي تشتمل على أضرحة. وأعلنت بعض أجهزة الدولة عن إفشال أكثر من عملية تفجير للمقامات في مصر، ورغم كل هذا ازدادت الزيارات للمقامات، وقصدت جميع شرائح المجتمع هذه المساجد، وعقد بعض الشيوخ الصوفية الجدد مجالسهم فيها.

التصوف رحابٌ لا يعرف الحدود

ومن الواقع إلى فضاء التواصل الاجتماعي، فكما شكّلت المواقع التي تتواصل عبرها الجماهير عاملاً مهمًّا في اندلاع الثورات وتحريك الأحداث وخلق وعي جديد، كذلك شهدت هذه المواقع ثورة معلوماتية، فكثيرٌ من المعلومات والإشارات والإحالات على كتب الصوفية في اللغات كافة، وتأسست صفحات ومجموعات للتحاور في الشأن الصوفي، وبعض المغمورين من الصوفية السالكين كوّنوا مجموعات من المريدين من خلالها، وبعض الشباب تخصص في إذاعة أخبار الأولياء والعارفين، ولم يقتصر الحضور في هذه المساحات الأثيرية على الذكور، بل كانت النساء حاضرة وكنّ أكثر ولعًا واهتمامًا ومشاركة.

التصوّف الأعجمي

لم يقتصر الاهتمام بالتصوف العربي وأعلامه، بل وجدنا اهتمامًا كبيرًا بالتصوف الفارسي وعرفائه، وحضرت شخصيات صوفية كان الاهتمام بها قد اختفى بعد أن كانت حاضرة في الواقع المصري، كشخصية الرّومي الذي طُبعت مؤلفاته في مصر في وقت مبكّر، فأصدرت مطبعة بولاق كتابه الأشهر باللغة الفارسية (المثنوي)، وكانت نصوص هذا الكتاب تُقرأ وتُشرحُ ويكلّف الطلاّب في جامعة القاهرة بالعناية بها كما يروي الأستاذ محمد عبد السلام كفافي عن أستاذه عبد الوهّاب عزّام عميد الدراسات الشرقية في مصر في مقدمته لترجمة المثنوي الصادرة في ستينيات القرن المنصرم، وبدأت الصُّحفُ اليومية المطبوعة والإلكترونية تُعيدُ الحديث عن الرّومي كقيمة إسلامية عليا من قيم التسامح والانفتاح وقبول التعددية ونبذ العنف والتطرّف.

ومن الاهتمام بالتصوف الفارسي إلى التّصوف الهندي الجامع لشتّى صنوف التصوف بين طيّاته، وهنا برز الاهتمام بعنايت خان الموسيقى الصوفي الذي ارتحل من الهند إلى لندن وشاعت تعاليمه التي كتبها بالإنجليزية وانتشرت في أرجاء المعمورة، ومن الطريف أن كتابه الذائع بين الجمهور العربي اليوم تُرجم عن الرّوسية، والمقصود هنا كتابه (تعاليم المتصوفيين) الذي سعى فيه لإظهار هذه التعاليم مستفيدًا بتجربته الصوفية والموسيقية ومطالعته للفلسفة وانخراطه في أجواء التعددية الدينية في الغرب والهند على حد سواء. كذلك وجد كتابُه الذي ترجمه عيسى علي العاكوب وحمل عنوانَ (يدَ الشّعرِ) عناية من القرّاء العربِ، ربما لاختياره الموفّق لشخصيات من التصوف الفارسي، الذي يولع القراءُ بهم اليوم.

وعلى الرغم من شهرة محمد إقبال الفيلسوف الهندي في عالمنا العربي، فإن حضوره في فضاء معرفتنا لم يكن باعتباره على خُطى ابن الرومي الذي اتخذه مرشدًا وهاديًا في طريق كتابته للشعر والتصوف وفي معراجه الروحي، بل كان حاضرًا كمجدد ديني، وشاعر ألهب حماس الجماهير وجعلهم يؤسسون وطنًا خاصًّا بهم. وتمّ الجمعُ بين إقبال ومفكرين معاصرين منهم من رحل عن عالمنا ومنهم من لا يزال حيًّا يصدر الكتب والمقالات.

خالد محمد عبده
كاتب مصري