ثلاث 'إسرائيلات' تفاقم مأساة اللاجئين السوريين والفلسطينيين

'من يغلق أبوابه سينفق كثيراً على الأبواب والحراس'

قال ياسين الحاج صالح الناشط في البيت الثقافي السوري في اسطنبول "لم تعد هنالك بلدان بعيدة جداً بحيث لا تكون جارة لغيرها، ومن يغلق أبوابه سينفق كثيراً من الموارد على الأبواب والحراس، وسيتعين عليه أن يبرر هذا الإنفاق، ويُنتج من الأفكار والعقائد ما يبرر الإنفاق على الأبواب والحراس، وستتدهور شروط حياة ساكني البيت وهم يسلمون أمنهم وحريتهم للحراس والمتحكمين بالموارد".

وجاء ذلك في ورقة حملت عنوان (فلسطنة السوريين وحال العالم المعاصر) ضمن لقاء نظمه البيت الثقافي السوري (هامش) في اسطنبول ، الثلاثاء، بعنوان "مهجرو هذا الزمان الفلسطينيون والسوريون".

ومن جانبه قال الناشط الفلسطيني مازن ربيع "أنا فلسطيني سوري.. وعندما يسألني أصدقائي عن جنسيتي أقول لهم أنا سوري.. موضوع الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين صعب، لأن هذا يفترض الحديث عن أكثر من 60 سنة من اللجوء، وليس فقط عن أربع سنين كما هي التجربة المؤسفة للجوء السوريين".

وفضَّل مازن الحديث عن مخيم اليرموك، كونه الأكبر بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، حيث وصل عدد سكانه من الفلسطينيين إلى 200 ألف، مؤكداً أن الحكومات السورية تعاملت مع الفلسطينيين كما تتعامل مع السوري في كل شيء، من امتلاك البيوت، والدراسة، إلى "حق الاعتقال" في السجون! لكن مع قدوم نظام حزب البعث، اختلفت معاملة الفلسطينيين، فنظام البعث كان يساوم المجتمع الدولي على الفلسطينيين كورقة في يده، على عكس ما كان يدعيه من حماية القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

تحت القصف

ومع بداية الثورة السورية، يقول مازن المنتمي لمؤسسة الدار الثقافية التعليمية في اسطنبول "تعرض المخيم للقصف، فاضطر سكانه إلى الهروب من بيوتهم.. والمضحك المبكي أن مخيم اليرموك أصبح ملجأ لمن هرب من السوريين من أماكن القصف في المدن الأخرى.. ولم يبق الآن فيه سوى 30 ألف فلسطيني".

وروى مازن قصة الشاب الفلسطيني حسان "في مثل هذه الأيام منذ عام، شاهدت فيلماً وثائقياً يصور حياة وطموحات مجموعة من الشباب الفلسطينيين. كانوا يسألوني من أنت، فأقول أنا سوري أولاً، وفلسطيني ثانياً. أما حسان، وهو مخرج أفلام وثائقية، فكان يقول أنا فلسطيني أولاً، وفلسطيني ثانياً. لكن حسان كان من أوائل المساندين للثورة السورية. وعندما اضطر للخروج من المخيم مع زوجته الحامل، اعتقل على حاجز وتعرض للإهانة والضرب هو وزوجته التي أجهضت. وفي اليوم الذي كان من المفترض أن نشاهد فيه الفيلم، استُشهد حسان تحت التعذيب". كان ذلك في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2013.

وتحدث مازن عن الفلسطينيين الذين حاولوا الخروج من سوريا. فلبنان والأردن يطلبان فيزا من الفلسطيني للدخول إليهما حتى في الظروف. أما تركيا فسمحت لهم بدخول تركيا إذا حصلوا على فيزا من الدول التي منعتهم من الدخول إليها (لبنان والأردن).

وذكَّر مازن بإعدام النصرة قبل أيام شابين فلسطينيين بتهمة الكفر، للتدليل على الظلم المزدوج الذي يعانيه المخيم من النظام ومن جبهة النصرة السلفية المتشددة التي تتحكم في المخيم من داخله الآن، مقدراً أعداد المعتقلين الفلسطينيين لدى النظام السوري الآن بـ12 ألفاً، منوهاً أن عدد المعتقلين الفلسطينيين في عام 1985 وما بعد كان حوالي عشرة آلاف. كما نقل أن 2800 شهيد فلسطيني سقطوا منذ بداية الثورة السورية، إضافة إلى 4800 معاق. أما عن عدد الفلسطينيين الذين دخلوا تركيا في طريقهم إلى المهاجر فيزيد على عشرة آلاف فلسطيني. وقسم من هؤلاء دخل تركيا بطريقة غير شرعية، ومنهم من اعتُقل وأُبعد إلى الحدود.

"فلسطنة السوريين"

وقال ياسين صالح إن الأمم المتحدة تذكر أن عدد اللاجئين السوريين إلى بلدان مجاورة وأبعد سيصل إلى 4.1 مليون في نهاية 2014 (نحو مليون في الأردن، ومليون ونصف في لبنان، ومثلها وأكثر في تركيا، وعشرات الألوف في العراق)، منوهاً إلى اشتراك النظام مع مجموعات سلفية عسكرية في إذلال السوريين وتهجيرهم.

وأطلق ياسين على ذلك مصطلح "فلسطنة السوريين، وفلسطنة مضاعفة للفلسطينيين السوريين"، بفعل "ثلاث إسرائيلات" على الأقل؛ النظام الأسدي المستمر في حربه، ثم داعش والمجموعات السلفية الجهادية (جبهة النصرة وغيرها)، والآن الأميركيون.

ظروف قاسية

ورأى ياسين أن أوضاع اللاجئين السوريين تختلف حسب البلدان "العالم المعاصر مبني من وحدات تسمى الدول - الأمم، وهي لا ترحب بالغرباء إلا كزوار عابرين. أما أن يكونوا مهجرين مضطرين، أعدادهم كبيرة، ومواردهم محدودة، وإقامتهم مفتوحة، فهذا يثير أسوأ غرائز معاداة الغرباء في هذا الشكل من الاجتماع السياسي في الدول – الأمم".

وتحدث عن أوضاع اللاجئين السوريين في كل من لبنان والأردن ومصر، كل بلد بخصوصية سياساته، أو هواجسه الطائفية، أو الأمنية.

أما عن تعامل السلطات التركية مع اللاجئين السوريين، فوصفه بـ "الأبوي" بما يمنع عنهم الصفة السياسية، والقدرة على التنظيم المستقل لأنفسهم. إضافة إلى أن الحكومات الأوروبية تضغط على تركيا من أجل تنظيم وضع السوريين فيها بصورة تحول دون ذهابهم إلى أوروبا.

وفي أوروبا، تسهل سياسات اللجوء الأوروبية قبول لاجئين مسيحيين، ففرنسا أعلنت عن استعدادها الفوري لقبول لاجئين مسيحيين من العراق قبل شهور، وهو ما يبدو أن الحكومة الكندية تفكر فيه حيال السوريين.

تواطؤ أوروبا

ونقل ياسين أن 14 بلداً أوروبياً لم يستقبل أي لاجئ سوري على الإطلاق، وأن عدد السوريين اللاجئين في أوروبا حتى حزيران/ يونيو 2014 كان 20 ألفاً فقط، متهماً أوروبا بالمساهمة في ازدهار مافيا التهريب من تركيا ومن شمال أفريقيا، وهو ما أدى إلى غرق أكثر من ثلاثة آلاف سوري في مياه المتوسط.

ووصَّف ياسين هذه الحال بقوله "الدول الأكثر ديموقراطية هي الدول الأكثر ميلاً إلى عزل الغريب، ونصب حواجز غير مرئية دونه، ويُنتظر من اللاجئ في كل حال إتقان اللغة الأجنبية دون لكنة، والحصول على تأهيل يمكنه من دخل عال كي يكون مقبولاً تماماً. وهذا غير متاح لغير المنحدرين من شرائح عليا من الطبقة المتوسطة".

وبالعودة إلى مأساة اللاجئين السوريين، والمأساة المضاعفة للاجئين الفلسطينيين، وأسرلة النظام السوري، يؤكد ياسين "وجوه الأسرلة كثيرة، الظاهر منها هو احتكار سلاح الجو مثلاً، والحظوة بأربع (فيتوات) في مجلس الأمن من كل من روسيا والصين، لا تختلف في شيء عن الفيتوات الأميركية لصالح إسرائيل، ومنها الرفض الجذري للتفاوض، وإنكار وجود شركاء في أي عملية سياسية،.. ومنح منظمة أسماء الأسد جائزة من اليونسكو، وإجراء مقابلات في صحف العالم الحر مع القاتل الذي يحظى بدعم فاشيي الغرب وستالينييه، وآخرها في صحيفة (باري ماتش) الفرنسية".

وختم الحاج صالح ورقته بالتأكيد أن هذه المأساة تقع في عالم مترابط، وسوريا متشكلة وفقاً لنظامه الدولي، حيث "العالم كله يصبح مكاناً أسوأ للعيش حين يتشرد أربعة ملايين إنسان، تنوء بهم دول، وتنظم اضطهادهم دول، وترفع أسوارها في وجههم الدول الأغنى.. وفي هذا العالم نفسه، يُترك لقاتل طليق أن يقتلهم بالأسلحة، وبالجوع، وتحت التعذيب".