سبب صعوبة الوضع الأردني

لقد أصبحت وحشية تنظيم الدولة الإسلامية واضحة للعيان، فهؤلاء الإرهابيون لا يترددون في أسر الطيارين الذين يقصفونهم. الدول المتحضرة مثلا، إذا قصفها طيار بالقنابل فإنها تمنحه حق اللجوء السياسي ولا تحتجزه.

أصلا الحكومة الأردنية لا تريد إرسال طائراتها المقاتلة، لا إلى الرقة، ولا إلى الميليشيات الشيعية، ولا إلى حزب الله في سوريا، ولا إلى الجيش العلوي هناك. المملكة الهاشمية مسالمة وتريد العيش بسلام، ولا تهتم كثيرا بعبور الحدود وإطلاق الصواريخ. المشكلة هي أن أميركا وجون كيري تحديدا فرض على المملكة الهاشمية هذه المشاركة الصورية.

العاهل الأردني ركز في مباحثاته دائماً مع الأميركيين على المعاناة الإنسانية ومشكلة اللاجئين السوريين في الأردن، وقد طالب الملك بمساعدات لمئات الآلاف من النازحين الذين تركوا بلادهم إلى الأردن هربا من البراميل المتفجرة ونظام الأسد، لكن الجانب الأميركي كان يضغط دائماً باتجاه واحد، هو ضرورة اتساخ أيدي الجميع في هذه الحرب العبثية.

لا نعرف كيف سقطت الطائرة الأردنية. ربما فعلا عند الدواعش صواريخ حرارية متطورة، وربما الطيار معاذ الكساسبة قفز لزيارة أقاربه في الرقة. الوضع في المنطقة أصبح خارج المنطق والمعقول.

المهم عند العرب اليوم هو أن لا ينعكس هذا الحادث سلبا على سلامة الشعب الأردني. فالمملكة الهاشمية حكومة وشعبا بلد مستقر ومسالم ولا يسعى إلى العدوان والمشاكل، هذه كلها سيناريوهات أميركية غريبة في منطقتنا.

الوضع في الأردن مقلق للغاية، فمن ناحية عملية تسيطر الدولة الإسلامية على معظم الأنبار وتفرض إتاوات على خط التبادل التجاري المهم بين المملكة والعراق. ومن ناحية ثانية يشغل مواطنون أردنيون منذ الزرقاوي مراكز قيادية مهمة داخل التنظيم المتطرف.

ربما تحتاج المملكة إلى إشاعة أجواء حرب على الدولة الإسلامية لإعلان موقف رسمي متماسك ضد الإرهاب لوقف التعاطف المذهبي وتسلل المتطوعين الأردنيين للقتال في سوريا والعراق.

لم تنجح الأردن في مهمة كبرى تضغط الولايات المتحدة لإنجاحها، وهي تشكيل صحوات سنية لقتال الدولة الإسلامية في العراق. معظم القبائل السنية مرتبطة بعلاقات اقتصادية وثقافية بالأردن والعرش الهاشمي، ويعتبر التصعيد الأردني الأخير محاولة للضغط على شيوخ العشائر السنية والعسكريين العراقيين في الأردن لإنجاح مشروع الصحوات والوفاء بالتزام المملكة تجاه الأميركان في هذا الخصوص.

المشكلة الأساسية في الأردن هي الرأي العام والجبهة الداخلية. من المعروف أنه في عام 1991 بعد غزو الرئيس العراقي للكويت، لم يستطع الملك الحسين بن طلال حينها زج الأردن داخل التحالف الدولي لضرب العراق بسبب عواطف الشعب الأردني. وأعتقد بأن الملك عبدالله يواجه اليوم مشكلة مشابهة. فكيف يمكن تحشيد رأي شعبي ضد الدواعش بينما البلاد تمتلئ بالفقراء السوريين والعراقيين السنة الذين يعيشون في المخيمات والعراء.

هؤلاء النازحون يذهبون إلى الصلاة في المساجد، ويروون حكايات مروعة عن القمع الصفوي، والبراميل المتفجرة، وحصار الفلوجة، وإبادة أهالي جرف الصخر على يد الجنرال الإيراني قاسم سليماني، والشعب الأردني يسمع ويشتعل غضبا.

هذا هو سبب صعوبة الوضع الأردني الذي يجعل المصلحة السياسية تتناقض مع الأمن الداخلي للبلاد. فالمصلحة السياسية تقع في إعلان الحرب على الدواعش، وكسب ود المجتمع الدولي والحكومة العراقية، غير أن هذا يتصادم مع مشاعر الأردنيين الذين يريدون حربا على نظام الأسد وحزب الله والميليشيات الشيعية.

البغدادي من جهته يتصرف مثل الخميني تماماً. فالخميني لم يسمح له المجتمع الدولي بحكم إيران في البداية. كانت أمامه أزمة الرهائن الأميركيين الذين لم يأمر بقتلهم لأن الولايات المتحدة لم تقصف طهران بطائراتها حينها. وكان على الخميني اجتياز محنة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التي كلفت إيران نصف مليون قتيل ومناطق محترقة كاملة، حتى طهران هجرها نصف سكانها أيام الحرب بسبب الصواريخ العراقية.

إذا كان البغدادي يقتل الأسرى العسكريين اليوم، فإن الخميني كان يربط الأسرى العراقيين إلى سيارات باتجاه متعاكس، ويقتلهم ميدانيا في أكثر من مناسبة.

أعتقد شخصيا بأن الطيار الأردني معاذ الكساسبة سيعود سالما غانما إلى أهله، مثله مثل الرهائن الدبلوماسيين الأتراك. فـالتجربة أثبتت بأن الدواعش يتفاوضون مع الجهات التي تشكل مصدرا مهما للتبادل التجاري معهم. وقد صرح والد الطيار معاذ الكساسبة انه لا يعتبر ابنه رهينة ودعا آسريه الى معاملته "كضيف ".

هذه الأزمة ستنتهي سريعا ويطويها النسيان، لأنه لا يمكن للأردن تشكيل صحوات سنية، ولا يمكنه اجتياح الأنبار لتسليم الفلوجة للميليشيات الشيعية، ولا يمكنه تجاهل العواطف الوجدانية للشعب الأردني الذي يطالب بوقف إبادة السنة وتهجيرهم في العراق وسوريا.