...وتركيا تتقدم نحو مصر

ليس هذا العنوان على سبيل التمني، أو من قبيل الخيال، أو ضربا للودع، لكن وفقا لحسابات الواقع العملي، والتوجهات التي تدير بها مصر سياستها الخارجية، لن تمضي شهور كثيرة، إلا وسوف نشاهد تحركات إيجابية من تركيا، لأن استمرار العصبية التي تبدو عليها أنقرة الآن، يمكن أن تؤدي إلى خسائر سياسية واقتصادية وأمنية جسيمة، ربما لا يستطيع تحملها الرئيس رجب طيب أردوغان.

التفاؤل تعود جذوره طبعا، للنتيجة الجيدة التي وصلت إليها العلاقات المصرية- القطرية. ومع الأخذ في الاعتبار الظروف والأجواء والأسباب والدوافع، التي أفضت إلى التوتر، ثم التهدئة، مع الدوحة أخيرا، فإن التقديرات المختلفة مع تركيا، أيضا من الممكن أن تقود إلى نتيجة مماثلة. لذلك على من يسرفون في العداء لتركيا التمهل وعدم تجاهل أن للسياسة قوانينها وأحكامها وشروطها وألاعيبها، حتى لا تكفهر وجوههم، مثل ما حدث مع قطر.

فبعد مرحلة مثيرة من السب والقذف والعداء، الظاهر والباطن، اضطر هؤلاء إلى التراجع خطوات للخلف، وكأن شيئا لم يحدث، وبعضهم لا يزال يكابر ويستمر في هجومه وعناده، بصورة قد تضر بمصالح مصر، لأنه لا يريد الاعتراف بهزيمة منطقه العشوائي.

اليقين، أو بمعنى أدق "شبه اليقين" الذي أتحدث به عن الحالة التركية، يعود إلى جملة من العوامل السياسية، تتقدم أو تتأخر، جاءت حبا أو كرها، لكن في النهاية من غير المستبعد أن تفضي إلى تحسن في العلاقات بين تركيا ومصر خلال الفترة المقبلة.

الواقع أن تركيا، بعد الخطوة القطرية، وسبقتها الولايات المتحدة وعدد كبير من دول العالم، ربما الوحيدة التي تمارس سياسة "الصلف والعناد" مع مصر، لأسباب أيديولوجية، لا علاقة لها بتصورات أخلاقية أو إنسانية، كما يزعم بعض الساسة الأتراك، ما يضع بلدهم في موقف عزلة، ويعطي انطباعات أنها خارج الزمن. فالنظام المصري رسخ وجوده، ونجح خلال فترة وجيزة في تثبيت أقدامه على مستويات متباينة. بالتالي أي حديث عن انقلاب أو ترويج لشرعية مزعومة، سيكون من قبيل الحرث في الماء، خاصة أن الكثير من دول العالم، في الشرق والغرب، والشمال والجنوب، لم تتراخ في توثيق علاقاتها مع مصر، فما معنى أن تكون تركيا الوحيدة التي تتشبث بهذا الموقف العدائي؟ وما هي المبررات والتفسيرات المنطقية التي تقدمها قيادتها الحالية لتحظى بتأييد قطاع كبير من الشعب التركي؟

الاستمرار لفترة طويلة في سياسة التصعيد، من المحتمل أن تكون له مردودات سلبية على الدولة التركية، التي تعاني أزمات متعددة. فمحليا، عادت مشكلات الأكراد للواجهة مرة أخرى، وتحولت قضايا الحريات والاعتقالات وحقوق الإنسان إلى منغص ذي أوجه مختلفة، تتشابك فيه الأبعاد الداخلية مع الخارجية.

وإقليميا حدث ولا حرج، حيث تتعثر خطوات أنقرة على الساحة السورية، بعد انقلاب الدفة لصالح نظام الرئيس بشار الأسد. ناهيك عن الاتهامات التي تتردد بشأن ميوعة موقف أنقرة من تنظيم "داعش" الإرهابي، والتي وصلت لدرجة الحديث عن دعمه ومساندته، وغض الطرف عن انتهاكاته في المناطق القريبة من الأراضي التركية.

هذه النوعية من التصرفات أثارت حفيظة قوى دولية معينة، وجعلت الخطاب السياسي للرئيس أردوغان بخصوص مكافحة الإرهاب في المنطقة، يفتح الباب لقدر من الامتعاض، وربما الاشمئزاز، لاسيما عندما يوجه انتقادات، مباشرة أو مبطنة لمصر، لأنها في مقدمة الدول التي اكتوت بنار الإرهاب، وتحذيراتها السابقة واللاحقة من مخاطره على المنطقة والعالم، أصبحت شاهدة على جزء كبير مما نرى ملامحه الآن.

الأمر الذي يتيح لها أن تقوم بدور معتبر في مقاومته إقليميا، ويوفر لها فرصة لتقبل نصائحها المتكررة في ضرورة التعامل مع الإرهاب بنظرة شاملة، ووقف المصادر والمنابع الأساسية لتمويله، وتلك التي تعمل على توفير البيئة المناسبة لتغذيته. ما يضع تركيا في موقف بالغ الحساسية، فإما أن تتجاوب مع هذه الرؤية، التي بدأت قوى كثيرة تلتفت لأهميتها، أو تتغافلها، وتتحمل نتائج ممارساتها السياسية، بعد أن أضحت من أهم الدول التي تحتضن حركات وشخصيات إسلامية متطرفة.

لأن النظام التركي يتحلي ببرغماتية عالية وذائعة الصيت، حتى لو تظاهر بغير ذلك، فإنه سيكون مضطرا، خلال فترة ليست طويلة، إلى التغيير التدريجي في سياساته تجاه مصر، ليتجنب الوقوع في عزلة إقليمية، ويتحاشى سلسلة من الخسائر الاقتصادية. ولعل تلميح بولند أرينج نائب رئيس الوزراء التركي قبل يومين، حول ضرورة إزالة التوتر مع مصر، ينطوي على إشارة بالغة في هذا السياق، يفهم منها التمهيد للإقدام على تحركات تتجاوز التلميح إلى التصريح.

نجاح مصر في توطيد علاقاتها مع دول الخليج، قد تكون له عواقب اقتصادية على تركيا، إذا تمادت في انتقاداتها. واقتراب مصر من الصين وروسيا وعدد كبير من الدول الغربية والعراق، والهدوء مع سوريا وإيران، وعودة القضية الفلسطينية ضمن الأولويات المصرية، كلها أوراق تحمل دلالات تشي في النهاية إلى إمكانية توظيفها واستثمارها، بشكل يزعج أنقرة، إذا لم تتخل عن دور المركز البديل عن الدوحة، لرموز الإخوان وأبواقهم الإعلامية.

بالتالي لن تجد القيادة التركية طريقا تلجأ إليه سوى التهدئة، والدخول في نموذج شبيه بالسيناريو القطري. وإذا كانت السعودية، ومعها الإمارات والكويت والبحرين، حققوا نجاحا ملموسا في وساطتهم السابقة، فإن هذه الدول، بالتعاون مع قوى أخرى، لن تعدم مد بصرها نحو أنقرة، حتى لا تتعرض المصالحة بين مصر وقطر لتهديدات، تعرضها لانتكاسة سياسية. فسد المنافذ التركية، مصلحة لصمود المصالحة القطرية.

ما يعزز التوقعات الإيجابية بأن أنقرة سوف تتقدم خطوة أو أكثر قريبا، أن مصر الرسمية التزمت، إلى حد كبير، بسياسة ضبط النفس، وشددت على احترامها للشعب التركي، وعزز خطابها الواعي الفصل بينه وقيادته السياسية، ولم تنجر وراء الاستفزازات، وهي كثيرة، التي جاءت على لسان رئيسها.

حتى الانتقادات التي وجهت له أحيانا، كانت جميعها عبارة عن رد فعل طبيعي لتجاوزات وافتراءات يصعب تجاهلها وعدم الوقوف عندها. وهو ما ينسجم مع الدبلوماسية الهادئة التي تتبناها مصر الآن، والتي مكنتها من تذويب خلافات مزمنة مع دول كثيرة، وتصحيح صورة نمطية زائفة. والتوجهات التي تمكنت من تجاوز كم كبير من العثرات، كادت أن تهدد الأمن القومي لمصر، على استعداد للتجاوب مع أي بوادر حسن نية تأتي من تركيا.