من يمحو عار داعش؟

ليس من الصعب التكهن في أن الحكومة العراقية تبحث اليوم عمن يحميها. وهي لا تخفي قناعتها وإن بشكل غير رسمي أن قاسم سليماني بحرسه الثوري الايراني يمكنه أن يقوم بتلك المهمة أفضل من الولايات المتحدة، بكل اسطولها الجوي الذي يشن الحرب على تنظيم داعش من غير أن تؤثر تلك الطلعات الجوية على موقف الحكومة العراقية.

لقد صرح الايرانيون غير مرة أن فيلق القدس بقيادة سليماني هو الذي منع سقوط بغداد. لم تكذب الحكومة العراقية الخبر ولم تعلق الادارة الاميركية عليه. وكما يبدو فان الحيلولة دون سقوط بغداد هو هدف في حد ذاته، أما تحرير المناطق التي سقطت في قبضة داعش والتي تشكل ثلث مساحة العراق فإنه لم يكن جزءا من الأجندة الحكومية.

الولايات المتحدة التي تقود تحالفا جويا دوليا ضد داعش لم تتحدث إلا عن الحد من تمدد داعش، وبالأخص في اتجاه الاقليم الكردي، الذي تبدو حمايته أمرا حساسا وجزءا من الامن القومي الاميركي.

وإذا ما كانت الادارة الاميركية وبالاخص في جناحها الاستخباري لا تثق أصلا بالحكومة العراقية فإن ضعف تلك الحكومة المنسجم مع ميولها الايرانية لا يشجع الاميركان على التمادي في حمايتها، من غير أن يكونوا متأكدين من أن شعورها بالأمان سيجعلها قادرة على أن تلقي الخطوة المناسبة في طريق المصالحة الوطنية.

فالحكومة العراقية تبدو معنية فقط بالاطمئنان على محيط العاصمة، في الوقت الذي تبدو فيه غير مكترثة بما يقع من كوارث إنسانية في المناطق ذات الغالبية السنية، كما لو أن تلك المناطق ليست جزءا من العراق الذي يفترض أن تكون حكومة بغداد مسؤولة عن مصيره. وهو ما يعني أن سياسة المالكي الطائفية لا تزال معتمدة.

ولكن أليس غريبا أن تبحث حكومة تدعي تمثيل الأغلبية السكانية في العراق عن حماية خارجية في مواجهة عصابات خارجة على القانون؟

الغريب أن أحدا من سياسيي العراق لا يشعر بالعار الذي انتهوا إليه.

فهم يضعون ما يشهده الجزء المحتل من العراق في موضع غير موضعه حين يعتبرونه ملحقا بالحرب الاهلية التي شهدها العراق بين عامي 2006 و2007. وهي نظرة تنم عن تفكير طائفي مريض ميؤوس من وطنيته.

في كل تصريحات السياسيين العراقيين هناك ما يشير إلى البلد الآخر الذي تقيم فيه غالبية سنية، وهي شريحة متهمة أصلا بالعداء للعراق الجديد، من جهة انتمائها إلى النظام السابق وإلى فكر القاعدة التكفيري.

يقال دائما أنهم بعثيون، كما لو أن الجزء الأكبر من شيعة العراق لم يكن بعثيا.

هو نوع من الاحتيال على التاريخ كانت ايران واعية له حين أمرت عصاباتها بتصفية اساتذة الجامعة والاطباء والمفكرين والطيارين والعلماء والسياسيين والعسكريين الشيعة الذين تشك في ولائهم لها.

كانت ايران على يقين من أن شيعة العراق وقد فقدوا نخبتهم المتميزة سيكونون خدما لها، ولن يكون صعبا عليها أن تدير شؤونهم عن طريق عملائها الذين ينفذون أوامرها عن بعد. فهل سيكون عسيرا على تنظيم داعش أن يعرف كل هذه الحقائق المذلة؟

لقد بدأ عار داعش بهروب القوات العراقية الذي كشف في ما بعد عن حقيقة أن العراق لم يكن يملك جيشا وأن المليارات التي أنفقت على تدريب وتجهيز ذلك الجيش كانت تذهب إلى جيوب الفاسدين من أعوان المالكي ولم ينته ذلك العار بعمليات الابادة الجماعية التي مارسها تنظيم داعش في حق الالاف من العراقيين الذين أطلقت عليهم وكالات الأنباء لقب أبناء العشائر السنية لتنفي عنهم عراقيتهم ولتعفي الحكومة العراقية من مسؤولية ما جرى لهم.

كم تبدو المسافة التي تفصل بين الجبن والعار ضيقة؟