'أهل الله' في عراق الفساد والإفساد

" شليلة وضايع راسها" مثل ينطبق تماماً على الحالة والوضع العراقي.

قلما تجد إثنين يختلفان على مديات الفساد الذي عم كل مفاصل الحياة في العراق، وإن إختلفا فسوف لن يكون إختلافهما إلا حول "هل نسبة الفساد مائة بالمائة، أم ثمان وتسعين بالمائة؟" ونزعم أن هيبة الوظيفة العمومية لم تتدن في أي مرحلة من المراحل إلى المستوى الذي تدنت إليه في الوقت الحاضر، بحيث أصبح الموظف الحكومي والفساد صنوين، أو مترادفين.

من المؤكد أن ثمة نزهاء ومخلصين في العديد من الدوائر الحكومية وشبه الحكومية، وإلا لتوقف العمل كلياً، وإنهارت الخدمات، وإنهارت الدولة. إلا أن هذا القليل يضيع بين ركامات الفساد والفاسدين، والتي تبدأ من رأس الهرم حتى أسفل القاعدة، ومن هم في قعر القاع، حتى عامل النظافة ومسلك المجاري لا يعمل إلا إذا دفع له مبلغاً من المال يحدده هو، ولا يتنازل عما هو أقل، حتى لوغرقت المحلة كلها بطفح المجاري، فهذا أمر يبدو أنه لا يعنيه ولا يعني من هم فوقه!

الغريب أنك حيثما إلتقيت بموظف صغير أو كبير، أو بأي مسؤول مهما إختلفت درجة مسؤولياته، تراه وتراهم يتحدثون بحرقة عن الفساد والفاسدين، والرشوة والمرتشين، والذين لا ذمة ولا ضمير لهم، ولا دين، خصوصاُ ولا دين! أولئك الذين يستغلون مواقعهم الوظيفية لمصالحهم الخاصة وللإنتفاع، مما يجعل إثارة السؤال التالي: من الفاسد والمرتشي المواطن أم الموظف؟ سؤال يفرض نفسه، ويطلب الإجابة عنه دونما إبطاء.

هل يعقل أن فساداً بهذا الحجم وبهذه السعة لا يلاحظه، ولا يشخص القائمين به، المسؤول الأول في الدائرة أو المؤسسة، وتأسيساً على هذا المسؤولون الكبار، وأهل الحل والعقد، وقادة الكتل والأحزاب والحركات الدينية التي لا هم لها سوى دعوة الناس إلى التقيد بمثل الإسلام وقيمه، والذين لا يتركون مناسبة إلا تحدثوا فيها عن النزاهة وخدمة الآخرين، وتقوى الله؟

إذن هل مسؤولية هؤلاء المسؤولين بمختلف المستويات إدارة دوائرهم وتمشية أمور المواطنين، أم إدارة الفساد المستشري، والمستفحل من دونما حدود؟

لم نعد بحاجة إلى كلام معسول، ولا إلى الخطب العصماء، وإنما نريدكم أن تطبقوا بعض هذه القيم على أنفسكم أولاً، ليتسنى لكم بعد هذا الطلب من الرعية (أو الرعاة) أو الأتباع التقيد بما تدعون له قولاً في منابركم، ووسائل إعلامكم.

يدعون أن الفساد والرشوة موروثة من نظام القهر والإستلاب. لكن السلطات الدكتاتورية كانت تغض الطرف عن إستشراء الفساد والرشوة بسبب أن راتب الموظف الشهري وقتها ما كان يعادل إجرة التاكسي الذي يوصله لدائرته لمرة واحدة، وذهاباً فقط، مما دفعها إلى ما سُمي تجاوزاً التمويل الذاتي، تمويل الدائرة، وكذا تمويل الموظف الذي أبدل إعتباطاً مفردة الرشوة بمفردة "الأكرامية". فلماذا تغض السلطات الآن النظر عن الفساد والرشاوي وقد تضاعف راتب الموظف مئات المرات؟

لقد مرت أثنتا عشر سنة على التغيير، وهذه فترة أكثر من كافية لتغيير كل السلوكيات والممارسات الخاطئة الموروثة، أو أكثرها، أو بعضها على الأقل. لكنكم إنحدرتم بالوطن والشعب إلى منحدرات سحيقة، الخروج منها يحتاج إلى معجزات.

إما أن تكونوا مثل السابقين، أو أسوأ منهم، أو أفضل منهم، والمقياس الذي يحدد موقعكم، هو ما موجود على أرض الواقع، في الدوائر والمؤسسات، في التصرفات والممارسات، وقبل هذا وذاك في قوة المثل التي تقدمونها للرعية من الإيثار والتعفف، والإبتعاد عن المال الحرام، والإستئثار، وعدم التمايز عن العامة، وخدمة الرعية التي فيها مرضاة الله، حتى أكثر من العبادات كلها، فهل أنتم هكذا فعلاً؟

قولاً، وأنتم سادة الكلام، أنتم أكثر من هذا. أما فعلياً وعملياً وواقع حال، أنتم عاطلون وبالمرة، عن أي سمة من هذه السمات التي هي سمات المؤمن التقي، والأدهى والأمر عطالتكم المهنية والتقانية والإدارية، فماذا تبقى لكم سوى الفشل الذي يجر الفشل.

هل أضحى الفساد والرشوة نهجاً ملازماً للوظيفة العمومي في البلد؟

أغرب ما تسمعه وتقرأه أن منظمة الشفافية، ولا أدري أين هي وأين تزاول نشاطها، تدعي أن نسبة الرشوة والفساد في دوائر الدولة هبطت إلى 30% هذا العام، في حين تضع المنظمات الدولية المعتبرة العراق في صدارة الدول الفاشلة والفاسدة في العالم، ولا ينافسه في درجة الفساد سوى تلك الدول التي تعيش مرحلة ما قبل الدولة!

حتى النزاهة المكلفة بمحاربة الفساد، حكومية أو برلمانية تشكو الفساد الذي فاحت رائحته في أكثر من مناسبة، هل نحن بحاجة لإيراد أمثلة عن مدراء وقادة في منظمات مكافحة الفساد حوكموا وأدينو بتهمة الفساد؟ علماً أن ما خفي أعظم.

في دوائرنا كلها تقريباً تجد الموظفين الذين لا يتخلفون عن مواعيد الصلاة، والذين نشروا الرموز الدينية والآيات القرآنية على الحيطان، والذين إذا ما تحدثوا، وفي أي أمر من الأمور، وشوا وزخرفوا كلامهم بكلام الله ورسوله والأئمة الأطهار، لكنهم عندما يتعلق الأمر بمعاملة المواطن التي أمامهم، يبحثون عن أي سبب للتعطيل والإعاقة، أغلب هذه الأسباب ستكون بالقطع مُضحكة ومُبكية في آن، وإذا أراد أن يساعدك وشوش في أذنك ألا تعرف شخصاً في الوزارة أو البرلمان، شخصاً مهما، فمعاملتك ستتأخر كثيراً.

أليست هذه طريقة جهنمية لتعميم الفساد والإفساد؟

إذا وجدت الشخص الذي يشير إليه الموظف فإنك ستكون في هذه الحالة قد وسعت من دائرة الموظف الفاسد، حيث سيقدم الخدمة للمسؤول، ويطلب منه بالمقابل خدمة أخرى حتى لو كانت مؤجلة. فالعملية هنا أخذ وعطاء، ومآرب أخرى، أما إذا كنت ممن لا يعرف مسؤولاً، أو لا يريد أن يخطو هذه الخطوة، فما عليك إلا دفع الرشوة التي ستكون مرتفعة في هذه الحالة، فكونك لا تعرف مسؤولاً، ولا حزباً ولا كتلة، ولا برلمانيا، يعني أنك من أولئك الذين يصدق عليهم تعبير "من أهل الله"، وأهل الله في بلد العجائب هم من ينتف ريشهم حتى وإن لم يبق على جسمهم ريش.