جغرافيا سياسية جديدة للعراق

منذ عام 2003 والجغرافيا العراقية في حالة تفكك متسارعة بفعل التطورات والمشاريع السياسية المتضادة التي حولت الساحة العراقية الى فناء واسع لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية التي شكلت احلافا متضادة لا ترى في هذا البلد بالنتيجة الا مصدرا مهما من مصادر تصدير الازمة وسوقا كبيرة للترويج للمشاريع المختلفة التي سيتحدد في ضوئها الجيوبلتيك الدولي في ساحات اخرى لاحقة بعد ان ينهي الترتيبات الخاصة به في هذه المنطقة.

لذلك لم يكن بروز داعش على رقعة الشطرنج العراقية ببعيد عن هذه الرؤية التي حاول فيها البعض ان يجدد الادوار التي قامت بها بيادق القوى الاقليمية عبر التعمق في رسم خطوط النفوذ ومجالاته الخالصة التي من شانها ان تحدد بصورة اكثر وضوحا عمق الازمة وطبيعة الفواعل المؤثرين فيها والمتحكمين بإدارتها.

سقوط الموصل

جاء سقوط الموصل بعد ان اتم المشروع المتبني لداعش نضجه وتحصينه للنطاقات التي هيمن عليها في سوريا. ففي العقيدة الجيوبولتيكية لكل القوى التوسعية التي تؤمن بالفكر النازي، يميل اللاعب الجيوبولتيكي الى التوسع متخذا قانونا محددا لتامين المكاسب التي حققها في الجغرافيا التي هيمن عليها. التوسع يتجه نحو نطاقات جديدة بهدف ضمها ارضاء لشهية التمدد المكاني التي لا يضاهيها شهية لامثال هؤلاء اللاعبين حيث اللعاب يسيل نحو المناطق الواسعة بهدف مصادرة مواردها وسكانها الذين سيتحولون لاحقا الى مجرد جنود في خدمة تطلعات الخليفة الاسلاموي القادم من اعماق التاريخ بعد ان بُثت في روحه الحياة عبر آلية احياء معقدة لقيم التطرف الديني التي توهم كثيرون بموتها السريري!

سقوط الموصل لم يكن في حقيقته سوى استكمال لفكرة تعميق الانقسام العراقي وتشكيل الجغرافيا – السياسية الجديدة التي تقوم على اساس فكرة الانزواء باتجاه المكونات التي من شأنها ان تفضي الى سحب شرعية وجود الدولة – الامة لتحل محلها صياغات جديدة اساسها التخندقات القومية والطائفية في موازاة صعود نجم العشيرة كفاعل سياسي مؤثر في تشكيل المشهد العراقي بعد ان اعاد هيمنته على التفاعلات الاجتماعية التي باتت تأن من اشكاليات الترييف في المدن التي كانت بالامس القريب مصنعا لانتاج قيم التغيير بتركيبتها السياسية والثقافية التي أفل فيها الى حد ما نجم الطبقة الوسطى منبع الثورات ومصدر تفجرها.

عراق المجالات الحيوية

تشكلت منذ تلك اللحظة بوضوح اعمق، باعتبارها امتدادا لإرهاصات ما بعد 2003، ثلاثة اقاليم متداخلة في حدود تماسها الجغرافية التي باتت اشبه بثوب يضيق بصاحبه الذي بات يعاني من ترهل متسارع في جسده الراغب دوما في توسيع هذا الثوب عبر مد خط التماس الى الاقاليم المجاورة، والى الحد الذي ظهرت فيه هذه الحدود المتخيلة على انها اعنف انواع الحدود في المنطقة واكثرها دموية. فهي التي تشهد قتالا يوميا للامساك بالارض وكأن الجميع يقول بان تفاهمات المستقبل ستتشكل على مسارات هذه الحدود وتعرجاتها للحيلولة دون المساس بما يقبع خلف هذه الحدود من مساحات.

بات المركز "بغداد" اكثر تماهيا في قدرته على التأثير على بقية الاطراف التي بدت وكأنها في حالة عمل جاد لتثبيت اوضاعها الداخلية امام تحولات المشهد في الاقليم الذي يمثله المركز وهو اقليم ذي صبغة شيعية يميل الى تعزيز تحالفه مع ايران في ظل استهداف واستراتيجية واضحة تهدد باحتلال مركزية القرار السياسي فيه من قبل المنافسين او على اقل تقدير تقليص جغرافيته بالحد الممكن. يأتي هذا التهديد بشكل خاص من قبل الاقليم الاخر الذي باتت ملامحه تتشكل تحت هيمنة داعش الذي نجح فعليا لاول مرة في تثبيت فكرة الهوة الواسعة التي تفصل السُنة عن المركز حتى باتت الفجوة بينهما وكأنها خندقا واسعا تم هندسة ضفتيه بطريقة توحي بحجم التشظي المكاني الذي بات يشكل اهم معالم جغرافيا الصِدام في الحاضر والمستقبل.

الاقليم الثالث يشتمل على القومية الكردية التي تعمل هي الاخرى باتجاهات تفضي بالضرورة الى تشكيل مسارات للتعارض مع الاخرين في ظل تقاطع المصالح والاستراتيجيات والنظرة الى المستقبل. فبالأمس القريب كان هذا الاقليم على وشك ان يخضع بشكل عنيف لمشهد الضم الذي حاولت داعش ممارسته على الارض بقوة السلاح والدعم الاقليمي الذي يتعارض مع فكرة الاستقلال التي يبحث عنها الاكراد.

مابين الاقاليم الثلاثة نشأ واقع جديد قابل للاستمرار في تشكيله بطرق متنوعة بفعل التفاعلات الاقليمية والدولية المتغيرة والمتحركة في جغرافيا مضطربة قابلة للانفجار العنيف الذي يمكن ان يقود الى انتشار الحرائق بصورة سريعة الى خارج حدود العراق الافتراضي بطريقة يصعب السيطرة عليها.

القوى التي شكلت المجالات الحيوية

حتى هذه اللحظة يبدو بان تركيا والقوى الخليجية اختارت ان تترك العمل بصيغة تشكيل مساحات متعددة لخصوم المركز، لتعمل بدلا من ذلك الى اعادة تحشيد القوى المؤيدة لها وتجميعهم في رقعة مكانية محددة يمكن لها بالنتيجة ان تسهم في استغلال جغرافيا اقليمها بطريقة مؤثرة تسمح من خلالها بتحديد ملامح اللعبة الجيوبولتيكية بحسب قدرتها على الاحتفاظ بما حققته من تطورات هناك وما ستعمل على اضافته مستقبلا من مساحات. رغم ذلك قد يبدو للبعض بان هنالك امكانية او استعداد لدى الدول الخليجية لتقبل المساومة على مصير داعش في بعض الاحيان في مقابل تنازلات من قبل المركز والقوى الداعمة له، الا ان تركيا لازالت تتشبث بقوة بهذا الحليف الاستراتيجي الذي تريده نموذجا يُقدم للمنطقة لتمرير مشروعها الخاص باعادة احياء الخلافة العثمانية. خاصة وانها تجد في هذا الاقليم ندا مهما لكردستان يمكنها عبره ان تمارس فكرة الخنق الجغرافي الذي لن يسمح للاكراد بالنتيجة بتحقيق حلمهم بسهولة.

الاقليم الكردي لازال مصدرا مهما للمصالح الاميركية – البريطانية التي تمتاز بجذورها التاريخية فيه. ورغم ان الاكراد انفسهم حاولوا ان يسحبوا تركيا الى الاقليم، الا انهم اكتشفوا لاحقا بان تركيا لن تكون صديقا مضمونا باي شكل من الاشكال فهي التي تخلت عنهم في اللحظة التي احتاجوا اليها لإيقاف خطر التمدد الجيوبولتيكي لداعش. هنا تنظر المصالح الغربية التي اسهمت عبر البوابة السورية بتخليق داعش، بعين الريبة لمستقبل التفاعلات المحتملة في الاقليم الكردي. لذلك هي ترى في داعش خطرا مستقبليا ممكناً في ضوء تماسه الجغرافي المباشر وفي ضوء عقيدته التي ترى في مثل هذا المُناخ المضطرب ضرورة ضرب المصالح الغربية في الاقليم على اقل تقدير للي ذراع الغرب بهدف توفير الفرصة المناسبة التي تساعدها استراتيجيا في اعادة تشكيل هويتها الثقافية والمكانية بحسب الخريطة التي افصح عنها التنظيم قبل عدة اشهر.

الاقليم الذي تُشكل بغداد قلبه الحيوي والذي تمارس فيه الحكومة شيء من السيطرة هو الاخر كان على موعد مع التمدد المتباين للاقليم الذي هيمن عليه داعش. ومثلما هبت اميركا لنجدة الاقليم، كان الحليف الايراني حاضرا بقوة لنجدة الحكومة المركزية. ثم تواترت الانباء عن ادوار متبادلة اسهمت في تغيير رؤى التحالفات. فالاقليم اقر بان طهران كانت سباقة في دعم الاكراد لحظة تعرضه للخطر، وبغداد اعلنت بان واشنطن لعبت دورا محوريا في تقديم العون للقوات البرية العراقية في تصديها لزحف البرابرة باتجاه بغداد.

الاقليم الذي يمثله المركز ومن ثم الاخر الكردي هما الاقرب الى التفاهمات في حال تمكنت المقاربتين الايرانية – الاميركية من الوصول الى ارضية مشتركة لتفعيل فكرة اجتثاث داعش من الارض العراقية. وهو مشروع يصطدم بالممانعة العربية وبالموقف التركي المتصلب. لذا فان الخطوة اللاحقة التي يجب تفعيلها من قبل صانع القرار العراقي تقوم في اساسها على انهاء الممانعة العربية التي ستضعف داعش كثيرا وتترك تركيا لوحدها في حالة تقهقر ستجبرها لاحقا على الرضوخ لمبدأ المساومة السياسية. وهو امر لايمكن تحقيقه بالنتيجة بدون تشكيل تفاهمات مع القوى السنية الرافضة لداعش والتي يمكن الاعتماد عليها لتحل بديلا عنه في ميدان التفاعلات السياسية والمجتمعية هناك.

مثل هذا السيناريو سيسهم في تخليص العراق من الخطر الآني - داعش، لكنه سيبقي الباب مفتوحا للتساؤل عن طبيعة الجغرافيا – السياسية للعراق مستقبلا!