رفاق الامس يهددون ليبيا اليوم بالانقسام

حلم الديموقراطية يتبدد

انطلق الجندي عادل حواس ببندقيته الكلاشنيكوف تتدلى على ظهره إلى الخط الأمامي عندما استهدفت ضربات جوية رفاقه عند معبر حدودي بين ليبيا وتونس.

وبالنسبة لحواس كانت تلك عودة إلى أرض مألوفة له من عام 2011 عندما انضم إلى المتمردين في الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي للاطاحة بمعمر القذافي.

غير أن حواس ذا الشعر الأشيب الذي قاتل أنصار القذافي في الماضي على الطريق الساحلي المؤدي إلى العاصمة يجد نفسه الآن يدافع عن الطريق نفسه في مواجهة رفاق السلاح السابقين الذين يستخدمون طائرات سعيا للسيطرة على العاصمة.

وفي الفترة التي أعقبت رحيل القذافي أصبحت ليبيا مقسمة بين فصيلين متنافسين من المتمردين السابقين أسس كل منهما حكومة وبرلمانا في صراع معقد من أجل السيطرة على هذه الدولة.

ويصر كل فصيل على أنه الطرف الذي يحرر البلاد ويصف مقاتليه بجيش ليبيا الحقيقي ويسعى للفوز بالاعتراف الدولي في صراع تخشى القوى الغربية والدول الافريقية المجاورة أن يؤدي إلى تقسيم ليبيا إلى نصفين.

وقال حواس الذي يرتدي زيا عليه علامة تؤكد أنه من الجيش الليبي "جئت هنا مع الثوار لحماية المعبر. تطوعت للقتال. نحن مع القانون والديمقراطية. أما أولئك الذين يقصفوننا فهم مجرمون."

وتقف المباني المليئة بثقوب الرصاص على امتداد الحدود شاهدا على ثورة 2011. لكن ما لحق بها من أضرار جديدة من جراء الضربات الجوية هذا الاسبوع يبين أن ليبيا تنزلق إلى انقسام مرير يذكر بما حدث إبان الانتفاضة على حكم القذافي.

وقد استولى فصيل "فجر ليبيا" على العاصمة طرابلس وجانب كبير من غرب ليبيا في أغسطس اب الماضي وطرد الفريق المنافس المتحالف مع منطقة الزنتان الغربية. وشكل هذا الفصيل حكومة واستولى على الوزارات وأعاد برلمانا سابقا.

واضطرت التطورات حكومة رئيس الوزراء عبدالله الثني المعترف بها دوليا والبرلمان الجديد إلى العمل من شرق البلاد حيث أصبحت تسيطر على جزء صغير من مساحة البلاد الصحراوية الشاسعة.

ويصف الثني رجال فجر ليبيا بأنهم ارهابيون يقوضون الديمقراطية. وتعاون الثني مع المتمردين السابقين على القذافي من الزنتان وضابط سابق من ضباط الجيش هو اللواء خليفة حفتر الذي يسيطر على عدد من الطائرات ووحدات الجيش.

واندمجت هذه الوحدات مع الجيش الوطني الليبي واستخدمت الضربات الجوية في محاولتها للسيطرة على معبر رأس جدير الحدودي من قوات الجيش الليبي التابعة لجماعة فجر ليبيا.

لكن الاشتباك الحدودي ليس إلا جبهة واحدة في الصراع. فعلى مسافة 800 كيلومتر شرقا بدأت فصائل تابعة لفجر ليبيا هجوما آخر للاستيلاء على المواني النفطية في الشرق.

انتاج النفط

وقد أثر القتال بالفعل على انتاج النفط الخام. فقد أدت محاولات الاستيلاء على مرفأي السدر ورأس لانوف النفطيين إلى اغلاقهما وتوقف انتاج 300 ألف برميل يوميا كانت تصدر للخارج.

وفي نقطة رأس جدير الحدودية تمسك حواس ورفاقه بالمعبر والطريق المؤدي إلى طرابلس رغم الضربات الجوية.

وقال مقاتل آخر موال لفجر ليبيا ذكر أن اسمه هيثم وهو يساعد في تنظيم المرور بالمعبر "نحن نؤمن الحدود. كل شيء تمام هنا. مئة في المئة."

لكن أهل الزنتان الذين يرابطون في أرضهم الجبلية غير بعيدين إذ يسيطرون على مواقع لا تبعد سوى 20 كيلومترا عن الطريق الساحلي. وتلتف حركة سير السيارات على الحدود يمينا ويسارا وتصبح في إحدى النقاط على مسافة قصيرة عن الخط الأمامي.

وجلبت كتائب فجر قاذفات صواريخ جراد وشاحنات تويوتا مركب عليها مدافع مضادة للطائرات لقتال قوات الزنتان. وتقف سيارات الاسعاف على أهبة الاستعداد بينما يتولى بعض المقاتلين حرق قطع من الخشب لاعداد الشاي.

وفي المكتب الإداري برأس جدير تؤكد الأوامر الملصقة على الباب أن على الجميع التواجد بمقر عملهم بسبب حالة الاستعداد الأمني القصوى.

وعلى بعد تبدو أعلام صغيرة بجوار مصنع للكيماويات لتحدد موقع ضربة جوية.

وفي الصراع الليبي تقف فصائل من المدن الساحلية مثل مصراتة في مواجهة قبائل في المناطق الجبلية في الشرق والغرب مثل الزنتان ويرجع التنافس فيما بينها إلى ما قبل عهد القذافي وغطى عليه الكفاح لاسقاط الزعيم السابق.

وتحاول الأمم المتحدة بدعم من الاتحاد الاوروبي التوسط في جولة ثانية من المحادثات بين الطرفين. لكن مفاوضات استمرت على مدى أسابيع واجهت صعوبات في جمعهما على مائدة المحادثات.

وخلال كل ذلك اجتذب الصراع مجتمعات أخرى وأصبح يقسم البلاد فعليا. ومما يعقد التحالفات القبلية التنافس فيما بين القوات الموالية سابقا للقذافي والفصائل الاسلامية والكتائب الوطنية.

وتأتي التعزيزات للموقع الحدودي مع تونس من أقلية الأمازيغ أو البربر الذين انضم كثيرون منهم إلى فجر ليبيا. وتتداخل أراضي الأمازيغ مع أراضي الزنتانيين ما يقسم غرب ليبيا في بعض المناطق على مستوى القرى.

غير أن الجيش الوطني الليبي حاز في الشرق والجنوب على تأييد قبائل تيبو التي تمثل أقلية أخرى. لكن خصومهم من الطوارق في الجنوب النائي أيضا يناصرون فجر ليبيا ويساعدون في تأمين حقل نفط الشرارة بعد انسحاب القوات الزنتانية.

وقال مصطفى محمد السائق الذي ينتمي لمنطقة ورشفانة قرب طرابلس "نحن نحتاج للوحدة لا للانقسامات."

وأضاف محمد الذي دمر بيته في القتال في الآونة الأخيرة "توجد ليبيا واحدة فقط لا واحدة للغرب وأخرى للشرق."