المغرب شريك قوي وفاعل في ملاحقة 'الجهاديين'

الحلّ مغربي: يقظة أمنية وخطاب ديني معتدل ومقاومة فقر

شكلت استضافة مراكش للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب تثمينا إضافيا للدور الذي يلعبه المغرب في التضييق على تحركات الإرهابيين في المنطقة حول العالم.

كما يبين تنظيم المنتدى أن المملكة أصبحت شريكا لامحيد عنه في تنسيق الدعم بين الفاعلين الدوليين في مكافحة الإرهاب. وذلك بتسطير معادلات أكثر نجاعة في تحجيم دور المنظمات الارهابية ومكافحتها.

وتسعى الرباط دائما إلى التعاون مع المجتمع الدولي في تعزيز كل الجهود لمكافحة الظاهرة الإرهابية المعقدة والمتشعبة، والتي أصبحت تشكل عائقا تنمويا وعاملا لعدم الاستقرار بالعالم أجمع.

وكان الغرض الأساسي من المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب الذي تواصل في مراكش طيلة يومي 15 و16 ديسمبر/كانون الاول هو بحث كيفية الموازنة بين تطبيق القانون على مفتعلي الفتنة او الداعين للتطرف والإرهاب بأشكاله الخطيرة والعاصفة، مع احترام روح ذلك القانون دون شطط في استعماله، إذ ان التحدي الحقيقي في معالجة الظارهة الإرهبية هو عدم تعارض تطبيق القانون على هؤلاء الارهابيين مع مبادئ حقوق الإنسان الذي انخرط المغرب في مواثيقها.

في هذا المنتدى اجتمع حول طاولة المحادثات موظفون كبار وخبراء من أربعين دولة مهتمين بالظاهرة الإرهابية. وتجلت النقطة الأساسية لاجتماعهم في جدول اعمال المنتدى في كيفية مواجهة المقاتلين الإرهابيين الأجانب كظاهرة أقلقت منظمات دولية وإقليمية اجتمعت بالمغرب لتدارس عدد من المحاور بشأنها في غاية الأهمية والتعاطي مع مخرجاتها.

ومن اهم المواضيع التي تطرق اليها المجتمعون منطقة الساحل وما يعرفه من توترات خطرة لم تعرف طريقها للحل النهائي بعد.

وثمن المجتمعون دور المغرب في دول الساحل إذ كان سباقا إلى المبادرة بصياغة وهندسة حلول توافقية للمصالحة بين الفرقاء السياسيين بمالي درءا للفتنة وعدم إعطاء الفرصة للإرهاب للتغلغل اكثر في البنية الاجتماعية والسياسية لهذا البلد الفتي ديمقراطيا، وتصدير مقاتلين عابرين للدول والقارات.

ولم يغفل منتدى مراكش الذي ترأسه المغرب وهولندا، العدالة الجنائية وسيادة القانون بدل الاقتصار على "محاكم التفتيش" التي من الممكن ان تعمق الشروخ وتفتح الجراح وتفسح المجال لمقاتلين جدد.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2014، قال السفير الاميركي السابق ادوارد غابرييل ان المغرب استطاع ان ينتقل إلى السرعة القصوى في مجال مكافحة الارهاب. نقلة أكثر قوة وحزم لم يترك خلالها مجالا لأي فرصة او ثغرة ينفد منها اي عنصر ارهابي.

واعتبر السفير الأميركي أن "المقاربة التي اعتمدتها الرباط متعددة الأبعاد.. وهذا في نظرنا يعزز بعد نظر المملكة في معالجة الأسباب وتسهيل الصعوبات لتطويق الظاهرة".

ويقول محللون إن المغرب لم يعتمد على لغة جافة تعتمد على عنصر الأمن فقط بل كانت مبادرة التنمية البشرية التي اطلقها منذ 2004 ترجمة عملية للأسلوب الناجع في مكافحة الارهاب وتجفيف منابعه منذ 2003.

وكانت سنة 2003 تاريخا فاصلا في تعامل لمغرب مع الإرهاب بعدما اكتوى بتفجيرات الإرهابية بالقلب النابض بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، ليستثمر قيم الدين المعتدل المتسامح على اراضيه كمقدمة لإصلاح الحقل الديني الذي يعتبر أقوى إحراج للفكر المتطرف التكفيري.

ويضف المحللون إنه لم يكن مستغربا ان تطلب بعض الدول الإفريقية مساعدة المملكة المغربية في اعادة هيكلة مؤسساتها الدينية لاستثمار نجاحها في محاصرة التطرف بخطاب ديني معتدل.

ولم تتوان الرباط في هذا الاتجاه عن تكوين ائمة وخطباء متشبعين بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية المتسمة بالمرونة والتكيف مع الواقع ومقاصد الشريعة السمحاء.

ودأب المغرب على استعمال مفتاح منهجي والدعوة اليه في محاربة كل الاشكال الارهابية. وهو مفتاح ينبني على تنويع الاساليب ثلاثية الابعاد، متمثلة في الحكامة الامنية ومواءمة الاطار القانوني تماشيا مع الظاهرة الارهابية وتسليط الجهود على معالجة كل ما يتعلق بالتصدي للهشاشة والفقر باعتماد التنمية البشرية المستدامة، مع مساهمة المنهاج التربوي والهوياتي دينيا وثقافيا وثقافيا، في هذا المجهود الجبار لغقامة الحجة على التطرف.

لقد تنبه المغرب إلى ان الفقر والتهميش وتعثر برامج التنمية من الممكن أن تشكل أحزمة ناسفة لأي مجهود لمكافحة بؤر الإرهاب وحواضنه. وتحاشيا لكل ما يمكن ان يعتبر تقصيرا في مكافحة الظاهرة الارهابية، قال المغرب في أكث من مناسبة "ان سيف الامن والنظام العقابي لن يكون رادعا او قاتلا للفكرة المتطرفة، بل جعل من البحث الحثيث عن الاسباب الكامنة ومعالجة الميكانزمات الداعمة لانتشار التطرف هو الأولوية والأجدى نفعا".

يعتبر قانون مكافحة الإرهاب من الإجراءات الرادعة للمشتغلين بالإرهاب والداعين إليه والمروجين لخطه. كما أن المغرب من البلدان التي صاغت ترسانة من القوانين الرادعة للإرهاب مع كل الضمانات الممنوحة لمن ثبت في حقهم الضلوع في أعمال تصنف إرهابية.

ويتعاون المغرب مع المجتمع الدولي في تطويق كل الأساليب المعتمدة في انتشار الظاهرة الإرهابية. منها أساليب غسيل الاموال لتمويل عملياتهم. الشيء الذي يطرح تحديا كبيرا لضبط تحركات تلك الاموال ومصادرها واتجاهها من اجل تجفيف منابعها.

ويعاني المغارب ودول اوروبية من التحاق مواطنيها المكثف بالجماعات الارهابية في سوريا والعراق.

وقال وزير الداخلية المغربي إن ما يقارب 3000 مغربي التحقوا بتنظيم الدولة الاسلامية، منهم من شد الرحال من المغرب مباشرة بواسطة مجموعة من الوسطاء والخلايا التي فككتها الاجهزة الامنية للمملكة، ومغاربة التحقوا بساحات القتال في الشرق الاوسط انطلاقا من اوروبا.

وبالعودة الى جدول اعمال المنتدى بمراكش المتعلق بالمقاتلين الاجانب، تمت مناقشة بند مهم واستراتيجي يتعلق بمسألة الاعتقال وإعادة إدماج الإرهابيين. حيث تضمنت مذكرة لاهاي-مراكش المعتمدة في سبتمبر/ايلول توصية تقول بتبني "برامج لإعادة ادماج المقاتلين الأجانب فور عودتهم لبلدهم".

ونظريا تعتبر هذه التوصية هدفا غاية في الاهمية لكن تطبيقها يبقى صعبا كون المقاتل اصبح متشبعا بعقيدة متطرفة ومتسلحا بأدوات عملية في حرب العصابات وصنع المتفجرات واستعمال السلاح بانواعه.

وفي هذا الإطار أكد وزراء داخلية اوروبا المجتمعون في بروكسيل بداية ديسمبر/كانون الأول، ان "تدفق المقاتلين من اوروبا في اتجاهه سوريا والعراق لازال رغم كل الإجراءات الأمنية المتخذة، دون إغفال ان المقاتلين اصبحوا منتشرين عبر مساحة جغرافية كبيرة من الساحل والصحراء وليبيا جنوب الجزائر الى نيجريا وسوريا واليمن والعراق.. واوروبا تعترف أن إجراءاتها الأمنية والمراقبة الأمنية فشلت في الحد من هذه الظاهرة".

واعترف جيل دي كيركوف، الذي يشغل المنسق الأوروبي لشؤون مكافحة الإرهاب، في ذات اجتماع بروكسيل بأن "تدفق المقاتلين يتواصل بانتظام".

ولخص سارا تورين، عضو مجلس بلدية مولينيك في بروكسيل، الأسباب المتعددة لهذا التدفق في ثلاثة عناصر اقتصادي واجتماعي ونفسي. وأكد ان هؤلاء المقاتلين غاضبون من المجتمع وفي حالة قطيعة معه.

وأكد تورين بنظرة تشاؤمية اتجاه استفحال ظاهرة الإرهاب أن الوقت قد فات بالنسبة لهؤلاء لثنيهم على توجههم.

في الاثناء، يواصل المغرب سعيه بكلّ قوة لحث كل الدول وإقناعها بتجربته في مكافحته الإرهاب، عبر اعتماد اليقظة الأمنية والتنسيق بين كل الأجهزة، بالإضافة إلى محاصرة الفكر المتطرف بإصلاحات جادة في الحقل الديني، والتقليل من هوامش الفقر بنهج مبادرة التنمية البشرية حتى يتم التخفيف من البطالة وإنعاش الآمال والقضاء على نبرة اليأس والإحباط.