البوعزيزية: ضريبة المواطنة في تونس

تسير الأوضاع الاجتماعية في البلاد التونسية منذ فترة ما قبل الثورة نحو الانهيار الحاد، وبات من الثابت أنه لا وجود لتغيير يذكر على هذا الصعيد. بل ان التردي الذي طغى على الملف الاجتماعي هو السمة البارزة رغم التحولات السياسية التي وصفت بالايجابية بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011.

ولم يكن "الديكور الديمقراطي" خلال فترة الاستبداد سوى مؤجج رئيسي للمطالبة برحيل الدكتاتور بن علي وعائلته التي سيطرت على دواليب الحكم والمجتمع.

ولا يمكن لأحد اليوم أن ينكر بأن الفئات الاجتماعية الضعيفة والحكومة في تونس على طرفي نقيض، حيث تجد الأولى نفسها مجرد رقم ضريبي بحت داخل الرقعة الجغرافية التونسية.

وقبل دخول السنة الادارية الجديدة بأيام تعلن وزارة التجارة عن الترفيع في عدد من أسعار المواد الغذائية الأساسية على غرار الحليب، ويصادق مجلس النواب الجديد بسرعة على ميزانية الدولة لسنة 2015، وهو أمر يدعو الى الريبة والتساؤل عن السبب الذي جعل المصادقة تكون بهذه العجلة ودون أن تأخذ وقتها الكافي من المداولة والنقاش.

ليخرج بعد ذلك رئيس الحكومة مهدي جمعة متنفسا الصعداء وشاكرا لمجهود نواب المجلس الجديد في الايفاء بالمواعيد والتعهدات!

ان نقد تعامل حكومة خارطة الطريق مع الملف الاجتماعي أمر يطرح نفسه بكل قوة خصوصا مع انتهاء المرحلة الانتقالية يوم 21 ديسمبر 2014.

لقد ارتكزت سياسة الحكومة الحالية منذ توليها زمام الأمور على الاقتراض الخارجي والتداين، أما على الصعيد الداخلي فاعتمدت الترفيع في الضرائب والرفع التدريجي للدعم عن عدد من المواد الأساسية، بالاضافة الى ايقاف الانتدابات في الوظيفة العمومية.

اقتصاديا ما انفك وزير الاقتصاد والمالية حكيم بن حمودة يدعو الى الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى لكن ذلك طبعا يكون حسب تصوره دون الحفاظ على التوازنات الاجتماعية الكبرى التي تعد اليوم أولوية قصوى، ومن جانبه يطل علينا من حين لآخر محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري داقا ناقوس الخطر حول موضوع انهيار الدينار التونسي وارتفاع نسبة التضخم وعجز الميزان التجاري طارحا حلولا لا تعدو أن تكون من قبيل الحديث العرضي الخشبي.

داخل كل هذه المعمعة يجد المواطن التونسي البسيط من الطبقة المتوسطة والضعيفة نفسه بين مطرقة الاقتراض وسندان الضرائب وغلاء المعيشة التي أضحت لا تطاق، ما أدى الى ظهور آفات خطيرة تنخر المجتمع.

فقد نشأ تيار بوعزيزي كامل داخل الأوساط المفقرة ومن يوم لآخر ينتحر تونسي شنقا أو حرقا أو غرقا في البحر، وهي رسائل ضمنية للماسكين بزمام السلطة تقول بأن الحياة هنا أضحت جحيما لا يطاق دون طعم أو معنى لمن لم يستطيعوا أن يجاروا نسق التغيير السريع ولم تلتفت لهم أي حكومة.

لابد أن سوداوية المشهد الاجتماعي تتجاوز كل الحدود اذا توغلنا داخل القرى الحدودية مع الجزائر أو ليبيا حيث ينتفي مفهوم المواطنة أصلا.

واذا أردنا التطرق الى مستوى الخدمات التعليمية والصحية المسداة فأنها تبقى دون المعايير المطلوبة، حيث تخلت الدولة عن دورها في تعديل المشهد، بمعنى أن مفهوم العمومي تقلص نحو الخصوصي لتنتفع فئات من رجال الأعمال بابتزاز الطبقات المتوسطة والضعيفة. ففي تونس ينقطع آلاف التلاميذ سنويا عن الدراسة ليجدوا أنفسهم في الشارع ومن ثمة تجذبهم المخدرات والجريمة، ويموت عدد لا بأس به من النساء الحوامل جراء الاهمال وتردي الخدمات الصحية داخل المستشفيات الداخلية التي يغيب عنها أطباء الاختصاص.

مؤخرا قامت صناديق الرعاية الاجتماعية بإرسال مطالبات لعدد كبير من العائلات بإرجاع أموال ناهزت أو فاقت الألف دينار تونسي لكل عائلة، بدعوى تجاوز سقف المصاريف السنوي على الأمراض العرضية ومتعللة في ذلك بقرار وزير الشؤون الاجتماعية لسنة 2008 رغم أننا مقبلون على سنة 2015. هذه الصناديق تعيش عجزا كبيرا والحل يكمن حسب الحكومة في الترفيع في سن التقاعد الى 62 سنة، مما يعني المزيد من اقصاء الشباب عن حقه في العمل.

من المؤكد أن تصنيف تونس المتقدم في قائمة الدول التي ينخرها الفساد والرشوة والمحسوبية أمر خطير على وحدة هذا المجتمع، فالشباب التونسي يقصى من المناظرات العمومية في الأمن أو سواها بسبب كونه لا يملك مالا يدفعه للمتمعمشين الرسمييين داخل دواليب الدولة.

ان مأسسة المواطنة أمر ضروري وهو أفضل من طواقم المؤسسات التي تطل علينا من يوم لآخر دون أن يكون لها مجهود يذكر وهي تعج بالموظفين النائمين داخل المكاتب المغلقة... وان أنسنة الوضع الاجتماعي مطلوب وبقوة. وهنا يجب على منظمات الضغط أن تقوم بدورها في الحفاظ على مصالح المفقرين.

لاشك أن التحدي الأهم للحكومة القادمة يكمن في مدى التفاتها للوضع الاجتماعي واصلاحه خلال الخماسية الآتية، وان لم تفعل ذلك نقول ما هو الفرق بين التغيير والانتقال؟