مؤسسة الأهرام تحتفل بجمال سند السويدي وكتابه 'السراب'

حالات تطبيقية عدَّة للجماعات الدينية السياسية

القاهرة ـ زار الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، جمهورية مصر العربية، في جولة جديدة من جولاته الفكرية والمعرفية، حرصاً على التواصل مع الكتَّاب والمفكرين والمثقفين والفنانين في مختلف دول العالم؛ وأعلن عن كتابه الجديد "السراب" الذي سيصدر قريباً، وذلك في حفل أقيم بالتعاون مع مؤسسة الأهرام مساء الأحد الموافق الرابع عشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري، في العاصمة المصرية القاهرة.

وحضر الحفل نخبة كبيرة من المسؤولين والمفكِّرين والكتَّاب والصحفيين والفنانين، في مقدِّمتهم وزير الثقافة المصري، الدكتور جابر عصفور، والدكتور أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، والخبير الاستراتيجي والأمني اللواء سامح سيف اليزل، رئيس مركز الجمهورية للدراسات السياسية والاستراتيجية، والدكتور سعدالدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، وياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، رئيس تحرير جريدة الأخبار، والفنان سامح الصريطي، وكيل نقابة الممثلين، والفنان نصير شمة، والفنان عزت العلايلي، ووفد من سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في القاهرة برئاسة المستشار خليفة الطنيجي.

وفي بداية الحفل، ألقى وزير الثقافة المصري الدكتور جابر عصفور، كلمة استهلَّها بالترحيب بالدكتور جمال سند السويدي، مشيداً بالعلاقات المتميزة بين مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما أعرب عن امتنانه لسعادته لاختياره القاهرة للإعلان عن كتابه الجديد "السراب"، الذي يُعدُّ سلاحاً جديداً في مواجهة الإرهاب الفكري، وأكد عصفور أهمية الكتاب بالنظر إلى أمرين: الأول هو أنه يصدر في مرحلة مهمَّة تمر بها المنطقة العربية عقب محاولة تيارات الإسلام السياسي استغلال ما شهدته المنطقة من أحداث خلال السنوات الأخيرة للوصول إلى السلطة في بعض الدول العربية. والأمر الثاني هو ما يتمتع به المؤلف من مكانة مرموقة في الأوساط العلميَّة والبحثيَّة بالنظر إلى ما عُرِف عنه في كتاباته من موضوعية في طرح الأفكار، ومهنية في تناول القضايا، والتزام للقواعد العلمية الرصينة ودقة المعلومات والبيانات.

كما ألقى الدكتور أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، كلمة رحَّب فيها بالدكتور جمال سند السويدي في القاهرة، مؤكداً أن سعادته يُعَدُّ قامة علمية وبحثية كبيرة بما يؤلفه من كتب ودراسات تتناول قضايا باتت تشغل بال فئات المجتمعات العربية كافة، بدءاً من صانع القرار، ومروراً بالباحثين والكتَّاب والمفكرين، وانتهاءً برجل الشارع العادي. وأشاد النجار بالجهود التي يبذلها سعادة الدكتور جمال سند السويدي في إدارة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، ونجاحه في أن يجعل المركز داعماً رئيسياً ومهماً لصانع القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال إمداده بكلِّ ما يحتاج إليه من معلومات دقيقة وبيانات موثقة وتقارير ودراسات وبحوث علمية سليمة.

وأضاف النجار أن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تمكَّن بعد مرور عشرين عاماً على تأسيسه من أن يكون أفضل مركز في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط؛ إذ يؤدي دوراً معرفياً مهماً على المستوى الإقليمي من خلال ما ينتجه من دراسات وبحوث تتناول مختلف القضايا التي تهم دول المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى دوره في نقل المعرفة الغربية إلى المنطقة من خلال نجاحه في ترجمة الكثير من الكتب الصادرة في الدول الغربية لمؤلفين ومسؤولين ومفكرين كبار؛ ما يساعد على الاستفادة ممَّا جاء في هذه الكتب من أفكار.

وعبر النجار على سعادته البالغة بمشاركته في هذا الحفل الخاص بالإعلان عن كتاب "السراب"، مشيراً إلى أنه يُعدُّ واحداً من أهم الكتب التي تتناول ظاهرة الإسلام السياسي بالتحليل الدقيق والموضوعي؛ مضيفاً أن أهمية الكتاب تزداد بالنظر إلى تضمُّنه دراسة ميدانية حول اتجاهات آراء المواطنين والمقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة حول الجماعات الدينية السياسية؛ ما يعكس اهتمام المؤلف بالجانب العملي الميداني في دراسة ظاهرة الإسلام السياسي من دون الاكتفاء بالجانب النظري فقط، وهذا يجعل الكتاب مرجعاً مهماً وضرورياً، ليس للباحثين والكتاب والمفكرين فقط، بل كذلك لصناَّع القرار في مختلف الدول العربية بما يوفِّره من معلومات تساعدهم على التعامل مع الجماعات الدينية السياسية.

وعقب ذلك، ألقى الدكتور جمال سند السويدي كلمة استهلها بتأكيد اعتزازه بوجوده في مصر للإعلان عن كتابه الجديد "السراب"، مؤكداً سعادته أن اختيار القاهرة لهذا الغرض يأتي إدراكاً للدور الحيوي والمحوري الذي تؤدِّيه مصر على الساحات السياسية والفكرية والثقافية، بالإضافة إلى أن القاهرة تُعَدُّ أحد مراكز الإشعاع المعرفي في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط. وشدَّد سعادته على متانة العلاقات الإماراتية - المصرية، مشيراً إلى أنها تعد نموذجاً يحتذى به في العلاقات العربية - العربية، سواء من حيث قوتها وقيامها على أسس راسخة من التقدير والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، أو استقرارها ونموها المستمر، أو ديناميكيَّة هذه العلاقة والتواصل المستمر بين قيادتي البلدين وكبار المسؤولين فيهما.

وأشار الدكتور جمال سند السويدي إلى أن كتاب "السراب" يعبِّر عن رؤيته الذاتية التي تنطلق من أن الصراع الذي تخوضه دول عدَّة في العالمين العربي والإسلامي ضد الفكر المتطرِّف وجماعاته وتنظيماته ليس محصوراً في نطاق أمني وعسكري، بل هو عبارة عن حرب ممتدة ذات طابع فكري في الأساس، يتطلَّب تخطيطاً بعيد المدى لا تقل أهميَّته عن أي معالجات على الصعيدين الأمني والعسكري، بل ربما يفوقها.

وذكر السويدي أنه اختار اسم "السراب" للكتاب ليوضِّح أن حال من ظنوا بالجماعات الدينية السياسية خيراً كحال من خُدِع بظاهرة السراب الذي يخيَّل إلى الناظر أنه شيء، وهو ليس بشيء؛ فأداء الجماعات الدينية السياسية يعكس وجود فوارق هائلة على مستويَي النظرية والتطبيق. وتشير خلاصة التجارب إلى أن هذه الجماعات تفتقر إلى النضج والخبرات السياسية التي تمكِّنها من قيادة الشعوب، وتحقيق تطلعاتها التنموية.

وبعد انتهاء الدكتور جمال سند السويدي من كلمته تم عرض فيلم وثائقي عنه تضمَّن المناصب التي شغلها ويشغلها، إلى جانب كونه مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وتضمَّن كذلك حياته العلمية والبحثية، وحصوله على درجة الدكتوراه من جامعة وسكونسن الأمريكية عام 1990، وجهوده في إدارة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، والإنجازات التي حققها المركز طوال عشرين عاماً، كما سلَّط الفيلم الضوء على الجوائز والأوسمة العديدة التي حصل عليها داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وعرض أبرز المقالات والدراسات التي كتبها سعادته، وأشار إلى أن أحدث كتبه هما: "وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبليَّة: من القبيلة إلى الفيسبوك" الصادر عام 2013، وكتاب "آفاق العصر الأمريكي.. السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد" الصادر عام 2014، وهما الكتابان اللذان لقيا اهتماماً كبيراً لتضمُّنهما أفكاراً مهمَّة وقضايا حيوية ومبتكرة.

وتضمَّن الحفل عرضاً لكتاب "السراب" تناول محتوياته ومحاوره الرئيسية والأفكار والقضايا الواردة فيه؛ إذ يقع الكتاب في 737 صفحة، ويتكون من أربع أبواب رئيسية تشمل مدخلاً وسبعة فصول وخاتمة، وتتمحور أطروحته الأساسيَّة حول فكرة "السراب السياسي"، الذي يترتب على الوهم الذي تسوِّقه الجماعات الدينية السياسية للعديد من شعوب العالمين العربي والإسلامي؛ إذ تستغل هذه الجماعات الدين الحنيف لمصالح سياسية أو شخصية، وتصرُّ على تحميل الآخر مسؤولية التخلُّف الثقافي والحضاري للعرب والمسلمين، ويذهب العديد منها إلى تكفير مخالفيها في الرأي وقتلهم؛ ولذلك يسعى الكتاب إلى قرع جرس إنذار، وتوجيه صيحة تنبيه كي يفيق بعضهم من غفوتهم أو انخداعهم بشعارات دينية براقة، داعياً إلى استعادة دور العقل والاجتهاد والتفكير والتدبُّر، واتباع الدين الحقيقي الذي يحث المسلمين على هذه القيم الفاضلة.

وأوضح المؤلف في الفصل الأول من الكتاب، الذي جاء بعنوان: الإسلام السياسي بين الواقع والخرافة، أن الجماعات الدينية السياسية فشلت في وضع برامج وخطط متكاملة في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوقَّع أن تبقى هذه الجماعات على هامش الحياة السياسية في العالمين العربي والإسلامي خلال المديين القصير والمتوسط على أقل التقديرات. وسلَّط الفصل الثاني من الكتاب، الذي جاء بعنوان "الدين والسياسة.. علاقة تاريخية وصراع دائم"، الضوء على إشكالية الخلط بين الدين والسياسة التي يركز عليها تيار الإسلام السياسي، وذكر المؤلف أن فصل الدين عن السياسة يمثل عنواناً مهماً وأساسياً من عناوين عملية التطوير والتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالمين العربي والإسلامي.

وتضمَّن الكتاب حالات تطبيقية عدَّة للجماعات الدينية السياسية، وهي جماعة الإخوان المسلمين، والسلفية، والتيار السروري، والتنظيمات الجهادية. وقد تناول المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب جماعة "الإخوان المسلمين"، وأوضح أنها تمرُّ بأزمة غير مسبوقة في تاريخها بعد أن أثبتت عدم مقدرتها على قيادة الحراك الاجتماعي والديني في العالمين العربي والإسلامي، ويمثل فشل تجربتها في مصر انعطافة مهمة في مسيرة الجماعة، وربما يسدل الستار على تاريخها. وفيما يتعلق بالفكر السلفي، فقد ركَّز المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب على علاقة السلفية بالوهَّابية في ظل ما يردِّده بعضهم عن عدم وجود فارق بين منهجيهما.

وأوضح المؤلف في الفصل الخامس من الكتاب، الذي تناول فيه الفكر السروري، أن هذا التيار وُلِد من رحم "الإخوان المسلمين"، ويُعتقد أن مؤسسه هو السوري محمد بن سرور زين العابدين، وأن التيار انتشر في المملكة العربية السعودية وفي العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى بشكل كبير، وتكمن أهميته في انتشار أفكاره عن الجهاد، غير أن المؤلف أشار إلى أن هذا التيار يعيش أزمة حقيقيَّة، ويتراجع بشكل ملحوظ بعد أن فقد قاعدته الشبابية. وخصَّص المؤلف الفصل السادس من الكتاب للتنظيمات الجهادية، وخاصة تنظيمي "القاعدة" و"داعش"؛ إذ تناول بالتفصيل العوامل التي أسهمت في ظهور هذه التنظيمات في المنطقة العربية، وتداعيات ظهورها على استقرار هذه المنطقة وأمنها.

وفي تأكيد المؤلف لحرصه على عدم الفصل بين الجانبين النظريِّ والتطبيقيِّ في دراسته حول الجماعات السياسية الدينية، أورد في الفصل السابع من الكتاب نتائج دراسة ميدانية حول توجُّهات الرأي العام للمواطنين والمقيمين العرب-المسلمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومواقفهم تجاه الجماعات الدينية السياسية، وقال إن هذه النتائج أظهرت أن أغلب أفراد عينة الدراسة يؤيِّدون فصل الدين عن السياسة، ويرون أن تجربة الجماعات الدينية السياسية في بعض البلدان العربية والإسلامية في الحكم كانت فاشلة.

وتناول المؤلف في خاتمة الكتاب العوامل التي تفسِّر الإخفاق المستمر للجماعات الدينية السياسية في التفاعل والتناغم مع متطلبات الحداثة والتقدُّم لمجتمعاتها، وقال إن أهم هذه العوامل هي: العزلة الفكرية التي فرضتها هذه الجماعات على نفسها، وعدم امتلاكها حلولاً واقعية للمشكلات التي تواجه مجتمعاتها، ومحاولة هذه التنظيمات تجاوز واقع تطوُّر النظام السياسي الدولي الحديث المتمثل في وجود الوطن أو الدولة - الأمة، في مقابل التمسك بتحقيق حلم إقامة الخلافة، وسعيها إلى توظيف الدين سياسياً.

وأكد المؤلف أن فشل هذه الجماعات لا يمنعها من تكرار تجربتها إلا بشروط، من بينها وجود البديل الأفضل تنموياً، القادر على إخراج الدول المتعثرة من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتراكمة، وشدَّد على أنه من دون تدارك الأخطاء والانفتاح على الآخر والتحرك نحو الحداثة والتطوُّر العلمي والتقنيات الحديثة سيظل العالمان العربي والإسلامي يعانيان ظاهرة السراب.

وقد أشاد الحضور بالكتاب والأفكار الواردة فيه، مؤكدين أنه يمثل إضافة حقيقيَّة إلى المكتبة العربية في هذا الحقل، وقال الدكتور صلاح فضل، الأستاذ في جامعة عين شمس: إن احتفاء "مؤسسة الأهرام" بهذا الكتاب تتويج للعلاقات الثقافية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية، فيما أكد الدكتور نبيل عبدالفتاح، مستشار رئيس "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، أن الكتاب يُعدُّ مدخلاً لدراسات متتالية تكمل ما بدأه المؤلف حول ظاهرة الإسلام السياسي، مشدِّداً على أن الكتاب يُعَدُّ مرجعاً لا غنى عنه لجميع الباحثين في هذه الظاهرة. وبدوره ثمَّن الكاتب الصحفي مصطفى بكري، رئيس تحرير صحيفة "الأسبوع"، الجهد المبذول في الكتاب، مشيداً بحرص المؤلف على الجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي؛ إذ يحتوي الكتاب على دراسة ميدانية؛ ما يزيد من أهمية ما فيه من تحليلات ومعلومات.

ومن جانبه أكد الدكتور صبحي عسيلة، رئيس تحرير مجلة "مختارات إسرائيلية"، نائب رئيس وحدة دراسات الرأي العام في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، أن الكتاب يعد أحد أهم الكتب التي صدرت في الفترة الأخيرة بشأن ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ عالج مختلف القضايا التي تختص بالحركات السياسية الدينية. وبدوره أثنى عصام الدين كمال الجهيني، الأمين العام للمجلس القومي لشؤون القبائل المصرية، على ما تضمَّنه الكتاب من أفكار حول مستقبل الحركات الدينية السياسية، ومدى قدرتها على البقاء والاستمرار، فيما أكد محمد صلاح، الطالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن الكتاب يعالج نقصاً حقيقياً في رؤية المجتمعات العربية للجماعات الدينية السياسية؛ إذ يكشف عن زيف هذه الجماعات ومدى الوهم الذي نسجته حول نفسها بشأن قدرتها على معالجة المشكلات التنموية التي تعانيها هذه المجتمعات.

وفي نهاية الحفل جرى توزيع نسخ من ملخص كتاب "السراب" ومقتطفات منه على الحضور الذين تقدَّموا بالشكر إلى الدكتور جمال سند السويدي؛ لحرصه على عرض الكتاب ومناقشة الأفكار الواردة فيه، وللجهد الذي بذله سعادته في تأليفه، وما تضمَّنه من طرح مبتكر وتحليل موضوعي وبيانات ومعلومات دقيقة عن الإسلام السياسي وجماعاته وتنظيماته.