الوحش الاسترالي في ذاكرة حسناواته المتيمات بسحره

لم تكن الحكاية لتكتمل إلا بمقتله. كان مطلوبا أن تجر روحه الشريرة خلفها روحين بريئتين، قادهما حظهما السيء إلى ذلك المكان الذي قرر هارون أن يلحقه بدولة الخلافة الإسلامية وإن لساعات تمت استعارتها من زمن القارة البعيدة.

هارون الذي قُدم باعتباره مواطنا ايراني الأصل لم تسعه فكرة المواطنة التي لم يستسغها فهو في حقيقته أحد رعايا الولي الفقيه، لذلك كان تنقله بين المذاهب الدينية وصولا إلى مذهب داعش بعد مذهب جبهة النصرة القاعدي امرا طبيعيا في سياق إيمانه بمفهوم الرعية التي تحتاج إلى مَن يسوقها كالخراف.

وفي السياق نفسه فإن ممارسته الجنس مع المؤمنات بقوته السحرية وقدرته الخارقة على الشفاء كان واحدا من حقوقه الطبيعية وهو ما حاولت الشرطة الاسترالية التركيز عليه باعتباره نوعا من التحرش الجنسي.

الوحش الذي انتهى قتيلا بعد مغامرة خرقاء في مقهى صغير لم تستمر إلا ساعات معدودات كان حسب سجلات الشرطة مختلا عقليا وهو سجين سابق لا تزال تلاحقه شبهات المسؤولية عن مقتل زوجته السابقة، غير أن صورته لن تكون ناجزة إلا من خلال تقديمه رجل دين مسلم يحث على الكراهية.

سيكون على كل رجل دين مسلم في استراليا أن يتحسس عمامته قبل أن يخرج من بيته. لربما كانت تلك العمامة مسكونة بوحش صغير قد ينطلق في أية لحظة لتنفيذ مشروعه الاجرامي الخفي.

فهارون كان قبل أن يعلن عن عدوانيته واحدا من هؤلاء المعممين الذي يمكن أن يلتقيهم المرء في أية لحظة. فهل سيكون كل رجل معمم هو بصورة أو بأخرى نوعا من هارون؟

ماذا عن حسناواته ومحظياته، المؤمنات بلغزه الراسبوتيني، ألا يمكن أن يتوقع المرء لقاءهن في الأسواق والشوارع والميادين العامة؟

كان هارون فضيحة استعراضية على مستويات عديدة.

فهل يُعقل أن الشرطة الاسترالية كانت تتعمد ترك المجانين والوحوش ومهووسي الاغتصاب والتحرش الجنسي طلقاء في شوارعها، كما لو أنها كانت في انتظار أن يقعوا في المصيدة؟

هل كان مجتمع المسلمين الاستراليين المغلق على وشاياته غافلا عما يمكن أن يجره وجود مشعوذ مثل هارون عليه من نكبات؟

ولكن وهذا هو الاهم في المسألة الهارونية أن يتم النظر إلى حجم التواطئ الضمني الذي حدث بين شرطة كانت تنتظر وقوع الجريمة وبين شريحة اجتماعية كانت تتستر من خلال الصمت على سلوك منحرف يقوم به واحد من رموزها الدينية.

الآن وبعد وقوع الجريمة سيتفق الجميع على الرواية الرسمية: ما فعله هارون مؤنس كان عملا فرديا. ولكن ما معنى ذلك التعبير؟ لم يسرق هارون مصرفا. لم يقد سيارته وهو في حالة سكر، لم يعتد على موظف رسمي أثناء أدائه وظيفته، لم يزور جوازا ولم يتهرب من دفع الضريبة.

جريمة هارون كانت أكبر من أن تكون عملا فرديا.

لقد رفع هارون راية جبهة النصرة وكان مطلبه المعلن الوحيد أن يزود براية داعش.

لم يكن الرجل يمثل نفسه. كان جمعا بصيغة المفرد. وهو ما يعني أن التهمة ستصل إلى ابعد مما كان يحلم فيه هارون نفسه.

سيمحو الجميع الليالي الحمراء التي عاشها الساحر من الذاكرة.

ليس عليهم سوى أن يفكروا بصورته الأخيرة. رجل المقهى الذي صادر حرية الزبائن لساعات ومن ثم تمت تصفيته. ولكن مَن سيدفع الثمن؟ لن تتعرض الشرطة الاسترالية وهي التي تركت وحشا مطلق الصراح للمساءلة. كانت هناك حاضنة اجتماعية هي التي سيكون عليها أن تواجه تداعيات ما فعله هارون وهو ابنها، بل هو واحد من زعمائها الروحيين.

ما من شك أن هناك مَن تحمس لرؤية راية داعش خفاقة في الفضاء الاسترالي بين أبناء الجالية المسلمة وهو ما تعرفه الشرطة الاسترالية وقد تكون متورطة فيه.

لقد قتل هارون، غير أن حكايته بدأت بمقتله، وهو ما سيدفع ثمنه مسلمو القارة البعيدة. ما سيدفعه المسلمون في كل مكان.