هزة اقتصادية تختبر صمود موسكو في وجه العقوبات الغربية

عواطف ومضاربات؟

موسكو - انخفضت العملة الروسية الى مستويات غير مسبوقة الثلاثاء حيث لامس اليورو المئة روبل، في اختبار لقدرة الرئيس فلاديمير بوتين على احتواء العاصفة الاقتصادية، فيما اعلن البيت الابيض ان الرئيس باراك اوباما سيوقع قانونا يفرض عقوبات جديدة على موسكو.

واخفقت الخطوة التي اتخذتها موسكو منتصف ليل الاثنين الثلاثاء برفع اسعار الفائدة الى 17% في وقف انهيار الروبل. وما يزيد الامر سوءا اعلان البيت الابيض ان الرئيس باراك اوباما يعتزم الموافقة على تشديد العقوبات على موسكو.

وادت العقوبات الغربية على الكرملين بسبب دعمه للانفصاليين في شرق اوكرانيا الى اغلاق ابواب الاقتراض الخارجي امام روسيا ما اسهم في تفاقم ازمتها الاقتصادية.

كما كان لانخفاض اسعار النفط الخام الى نحو النصف خلال الاشهر الستة الماضية تاثير مدمر على الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بشدة على صادرات الموارد الطبيعية. وحذر البنك المركزي من انكماش بنسبة 5% في حال استمرت اسعار النفط عند هذا المستوى.

وبعد ان انخفض بنسبة 20% خلال النهار، استعاد الروبل بعضا من عافيته في تعاملات بعد الظهر حيث وصل الى نحو 71 روبلا للدولار واكثر من 88 لليورو.

واسفر اجتماع طارئ للحكومة دعا اليه رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف عن اصدار "قائمة بالاجراءات التي ستساعد على استقرار الوضع"، بحسب وزير الاقتصاد اليكسي اوليوكاييف، نافيا الشائعات حول فرض ضوابط على حركة رؤوس الاموال.

وقال الوزير بعد الاجتماع "حددنا مجموعة من الاجراءات يجب ان تتيح استقرار الوضع المعقد جدا".

واضاف ان هذه الاجراءات تقضي بـ"ضمان اقامة توازن بين العرض والطلب في سوق الصرف عبر زيادة السيولة المقدمة الى المصارف الروسية".

كما تتضمن الاجراءات ايضا اليات دعم للقطاع المصرفي لضمان عمله بشكل سلس وعبر "اعادة رسملة" بعض المؤسسات.

وتمثل التوقعات الاقتصادية المتدهورة والركود الوشيك تحديا خطيرا لبوتين الذي وعد الناخبين بسنوات من الاستقرار الاقتصادي والازدهار النسبي اعتمادا على اسعار النفط المرتفعة.

وقال وزير الخارجية الاميركي جون كيري الثلاثاء ان العقوبات الاميركية والاوروبية المفروضة على روسيا يمكن ان ترفع خلال ايام اذا ما اتخذ بوتين الخيارات الصحيحة في اوكرانيا.

وصرح للصحافيين ان العقوبات الاقتصادية التي زعزعت الثقة في الاقتصاد الروسي وادت الى انهيار الروبل، "تهدف الى دفع الرئيس بوتين الى اتخاذ مجموعة مختلفة من الخيارات".

وكان بوتين وصف المشاكل الاقتصادية مرارا بانها مؤقتة.

الا انه التزم الصمت الثلاثاء فيما سارع الروس الى تحويل مدخراتهم ما ادى الى توقف مواقع بعض البنوك عن العمل.

وراى بعض السياسيين ان الاسباب وراء انهيار الروبل لا تعود لاسباب اقتصادية فقط.

وقالت المراقبة السياسية يوليا لاتينينا "ان قيمة الروبل تعكس قيمة حكم بوتين في اعين السوق.. تستطيع ان تخدع الناخبين ولكن لا تستطيع ان تخدع الاسواق".

وارجع ديمتري بسكوف المتحدث باسم بوتين الاضطرابات الاقتصادية الى "العواطف والمضاربات".

وصرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان لديه "اسبابا جدية للغاية" تدفعه الى الاعتقاد ان العقوبات الغربية هي محاولة لتغيير النظام في موسكو.

ويعتقد العديد من خبراء الاقتصاد ان انهيار الروبل يعكس ازمة ثقة في الاقتصاد الروسي وسط المواجهة بين بوتين والغرب وعدم استعداد بوتين لتغيير نهجه في اوكرانيا.

وراى كونستانتين كالاشيف رئيس مجموعة الخبراء السياسيين ان مستوى المعيشة المتدهور في روسيا يمكن ان يوجه ضربة لبوتين الذي حظي بتاييد كبير بين ابناء الشعب الروسي بسبب ضمه لشبه جزيرة القرم الاوكرانية في اذار/مارس.

وقال ان "انهيار نسبة التاييد لبوتين في 2015 لا يمكن تجنبه".

واعرب العديد من الروس عن صدمتهم لانهيار الروبل.

وقالت يوليا وهي واقفة في صف انتظار امام احد مصارف موسكو "الوضع في البلاد غير مستقر على الاطلاق، وهذا يخيفني كثيرا" مضيفة "اخشى ان نعود الى الوضع الذي كان سائدا في التسعينيات".

وحتى دون التوترات والعقوبات بسبب اوكرانيا فان انهيار اسعار النفط هو مصدر قلق لروسيا التي تستمد نصف عائداتها من صادرات النفط والغاز.

واقتصر رد السلطات وفي طليعتها البنك المركزي على الدعوة الى الصبر. وحذرت رئيسة البنك المركزي الفيرا نبيولينا عبر التلفزيون بان عودة الروبل الى مستوى يتماشى مع اسس الاقتصاد "سيستغرق وقتا".

وايد وزير المال السابق اليكسي كودرين الذي يحظى باحترام الاوساط المالية، رفع معدل الفائدة لكنه شدد على وجوب "استتباع ذلك بقرارات حكومية لزيادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد الروسي".

على صعيد اخر ذكر خبراء الاقتصاد في مكتب كابيتال ايكونوميكس في لندن بان استراتيجية البنك المركزي يترتب عليها ثمن هو "تشديد جديد في شروط القروض للاسر والشركات وتراجع اكبر في الاقتصاد الفعلي عام 2015".

ومع معدل فائدة رئيسية بمستوى 17% فان اي قرض عقاري سيمنح من الان فصاعدا بنسبة فائدة لا تقل عن 22%، وفق حسابات موقع لينتا.ار يو، وهو مستوى يصعب على الاسر احتماله في وقت تراجعت قدرتها الشرائية نتيجة ارتفاع الاسعار.

وان كانت الحكومة تتوقع منذ الان الدخول في انكماش (-0,8%) العام المقبل بعد نمو قارب 0,6% هذه السنة، فان البنك المركزي حذر الاثنين من انه في حال بقيت اسعار النفط بمستواها الحالي الذي يقارب 60 دولارا للبرميل، فان اجمالي الناتج الداخلي قد يهبط بنسبة 4,5% على اقل تقدير.