مصر... لهذا يتشجع الإرهابيون في سيناء

كبح الإرهاب ليس بالجيش فقط

لم يعد من الصواب تسمية الجرائم الدموية التي تشهدها سيناء بأنها مجرد عمليات إرهابية لأنها صارت بالفعل حرباً حقيقية، بالمدى الذى تصل إليه وبحجم الخسائر، خاصة فى أرواح الجنود المنوط بهم حماية تراب البلاد وأمن الحدود، والذين لا يتوقعون عدواناً إلا من عدو الوطن.

كما أن هؤلاء الأعداء صاروا يحوزون سلاحاً وعتاداً متطوراً لا يُتاح إلا للجيوش الكبيرة، مع حصولهم على تدريب عالٍ يطوِّر مهاراتهم في استخدام هذه الأسلحة، كما أن هذا الجيش الإرهابي يصرف عن سعة على بنود متعددة، منها عمليات التجنيد والإيواء، ومنها عمليات الرصد والمتابعة ورسم الخطط، كما أن لديه المبشرين الذين يشحنون عقل ووجدان المقاتلين بأنهم يدافعون عن شرع الله ويحاربون الكفار... إلخ.

وقد وضع الرئيس السيسي يده على جانب مهم من الموضوع عندما أكدّ ضلوع عنصر خارجي في الموضوع، إلا أن الموضوعية تقتضى أيضاً الاعتراف بأن العناصر الداخلية لها الأولوية، لأن أي عنصر أجنبي لن يفلح إلا في حالة توافر ظروف محلية تسمح له بالوجود والتفاعل، بل إن الحقائق على الأرض تؤكد أن هذا الإرهاب يحظى ببيئة حاضنة توفر له الإقامة والحماية والتستر!

ولا عيب من الاعتراف بالخطأ، بل ليس من سبيل للإصلاح إلا بمعرفة الأخطاء وتعميم المعرفة بها كخطوة أولى للعلاج الذى يجب أن يتجلى للشعب دور فيه، ومن الأخطاء، هذا التصور الذى نمَّت عنه تصريحات عدد من مسؤولي الأمن الكبار طوال الفترة القصيرة الماضية عما قالوا إنه نجاح في تقويض حركة الإرهاب الذى قالوا أيضاَ إنهم على وشك الانتهاء منه قريباً بشكل كامل، ثم جاءت صدمة الجريمة الأخيرة التي قدَّر بعض الخبراء خسائرها بأنها الأسوأ منذ حرب أكتوبر.

إذن، هناك نقلة نوعية تحققت للإرهابيين في مصر، جعلتهم يوجهون ضرباتهم إلى رمز قوة الدولة، ليس فقط بهدف إحراجها وإنما بطموح هدم الدولة التي أكدت مجريات الأمور أنها عدوهم الأول الذى رفض استيلاءهم، هم وشركاؤهم، على الحكم، مع الاستبداد به وفرض سطوتهم على مفاصل القوة في البلاد، وانتهاك الدستور والقانون، والعدوان المادي الجسيم على الشعب أفراداً وأحزاباً وجماعات، كما تصدى لعدوانهم على السلطات الدستورية الأخرى، ولتفريطهم في أرض الوطن الـتي دفع الشعب عبر آلاف السنين أرواح أعز أبنائه فى الدفاع عنها واستردادها من أيدى الغزاة كلما أفلحوا عبر القرون في اقتطاعها من جسد الوطن.

وكان غريباً أن تتزامن الجريمة الأخيرة مع الأخبار المتداولة عن تضاعف قوة تنظيم داعش ثلاث مرات فى الأشهُر الثلاثة الأخيرة، مع تراكم ملايين الدولارات يومياً فى مداخيله من بيع البترول ومن الدعم من دول أخري، إضافة إلى تقارير استخباراتية أوروبية تؤكد أن داعش طوّر أوضاعه وصار يُصدِّر أعداداً من مقاتليه إلى الخارج، من المدرَّبين على مستوى عالٍ ذوى الخبرات الميدانية في سوريا والعراق، لتحقيق رسالته فى الإقليم وعلى مستوى العالم.

ولكن الشعب أفصح، وسط الحزن الجارف على الضحايا، عن عزيمة قوية على مقاومة الإرهاب والاستعداد للتضحية بالمزيد، وهو ما عبّر عنه أبٌ مكلومٌ بفقد ابنه المجند وهو يتلقى العزاء من الرئيس السيسي في الجنازة المهيبة عندما قال له: "كلنا وراك يا ريس، المهم مصر".

أما أول تغيير ينبغي أن يتحقق فهو إعادة ترتيب الأولويات بأن يكون الاهتمام الاول بالإرهاب والإرهابيين، وأن تراجع الدولة موقفها في تبديد طاقتها في الخصومة مع السياسيين السلميين الذى يعارضون بالرأي وبالتظاهر السلمي، على أن تنتقل المبادرة إلى يد الدولة، بعد أن بقيت حتى العملية الأخيرة في يد الإرهابيين، مع ضرورة اتخاذ تدابير حماية الجنود، التي يحددها المتخصصون، والتي أهمها إلغاء اعتماد الكمائن والوحدات الثابتة لأجهزة الأمن المختلفة لفترات طويلة تسمح للإرهابيين بدراسة نقاط ضعفها على مهل، ثم يتحركون عندما يجدون الثغرة المناسبة لنجاح جريمتهم.

وليس هناك شك أن إرهابيي سيناء تشجعوا عندما وجدوا تردد أجهزة الدولة فى مواجهة جرائم الإخوان وحلفائهم في الجامعات، إلى حد عدم تفعيل صريح القوانين ضد جرائم محددة، وهو ما ينبغي أن يتغير في المرحلة التي يُفتَرَض أن تبدأ من الآن، والتي يجب أن تتخطى فيها أجهزة الدولة الخوف من النقد الخارجي، خاصة من الاتحاد الأوروبي وأمريكا، الذين لا يترددون لثانية واحدة فى اتخاذ كل التدابير الممكنة لحماية أوطانهم إذا تعرضت للخطر، أو بمجرد أن تكون هنالك شبهات على ذلك، فها هي بريطانيا لم تخجل ولم تتردد، الأسبوع الماضي، ولم تحسب حساباً لمنظمات حقوق الإنسان البريطانية ولا للعالم الخارجي، وهى تهدد مواطنيها الذين ذهبوا للحرب فى صفوف داعش، بأنهم سيُحاكَمون بقانون صدر فى عام 1351! (أي نعم، قانون من العصور الوسطي) يجيز إعدام من يُدان بالخيانة، وهى تهمة تتفق مع توصيف فعل من ذهب للحرب مع داعش، أو روّج لأفكار داعش، وكان حرياً بمن يبذلون قصارى جهدهم، من داخل مصر ومن خارجها، لتكبيل الأجهزة المصرية وهى تتعامل مع الإرهابيين، أن يعلقوا بشيء على الإجراءات البريطانية المزمع اتخاذها!

يجب أن تسير الحياة على طبيعتها التي أرادها الشعب المصري لنفسه، والتي أصرّ عليها في مناسبات مختلفة منذ 25 يناير وحتى ما بعد النجاح فى الإطاحة بحكم الإخوان، ومن ذلك ضرورة التصدي للإرهاب مع الحرص على حماية الحريات، والتعجيل بالعدالة الناجزة، والمضي قدماً في المشروعات العملاقة، وفى الحياة الجامعية الصحية الصحيحة بإقامة النشاطات الرياضية والفنية، وبعودة الجماهير إلى حضور المباريات في الدوري والكأس، وأن يكون كل هذا في ظل حماية الدولة، بل بتشجيع من الدولة، فهذه أكبر هزيمة للإرهاب.

أحمد عبد التواب

كاتب مصري