ما لا يدركه الرئيس

شئنا أم أبينا، هناك حقيقة يدركها الجميع، وهي أن إدارة مبارك لمصر خلال ثلاثين عاماً أفرزت من السلبيات ما فاق الإيجابيات. تلك السلبيات ظلت تتنامى إلى أن تحولت من أعراض إلى أمراض، وحين أصبحت عاهات مستديمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أدرك الشعب أنه لا يمكن الاستمرار في التعايش مع مبارك ونظامه خوفاً على بنيان الدولة وحرصاً على مكانتها التي اهتزت إلى أن اهترأت، فكان أن اشتعلت ثورة 25 يناير 2011 العظيمة، رغم أنف الكارهين. فهي الثورة الفريدة التي يكفيها فخراً أنها كانت كاشفة في وقتها، وحتى الآن، هي كاشفة حين استسلمت لها الحقائق وعن سترها تخلت، وتعرت أمامها شخصيات طالما تدثرت بوريقات التوت التي سقطت وولت.

بعد أن نجحت تلك الثورة في إجبار مبارك على التخلي عن الحكم، وفي عز فرحة الأمة بهذا الإنجاز الكبير، قرر المشير حسين طنطاوي أن يجرب حظه بارتداء البدلة المدنية والتجول في وسط البلد، وذلك بالتأكيد كان بهدف جس نبض الشارع وما إذا كان سيقبله كرئيس مستقبلي يحل محل مبارك وكفى الله المسيطرين شر التغيير. ولكن رد فعل الثوار كان عنيفاً على هذه الخطوة التي رأوا فيها محاولة انتهازية للالتفاف على الثورة ومطالبها، وتعالت الهتافات منذ تلك اللحظة ضد المشير طنطاوي ما دعاه إلى التراجع مؤقتاً عن الفكرة مع الانتقال لخطة أخرى.

والخطة الأخرى ببساطة شديدة كما يفهمها أي مواطن يقرأ الواقع، هي السيطرة على مسيرة الثورة بشتى الوسائل، مع العمل على احتواء أي ثورة مستقبلية من خلال شعار المرحلة القاضي بتلاحم الشعب والجيش في لحظة معينة ثم الشعب والجيش والشرطة في لحظة لاحقة، لمواجهة أعداء الوطن، وليس أعداء الثورة، وبذلك يتم استدراج الغالبية العظمى من الشعب لجانب الدولة تحت زعم الحفاظ عليها وحمايتها من السقوط لضمان عدم انضمامهم لأي ثورة تلوح بشائرها في الأفق. ولتحقيق ذلك، وضع من خلفوا مبارك في الحكم، نصب أعينهم عدة أهداف، أهمها عدم السماح لثورة 25 يناير أن تجني أي مكاسب، بل على العكس من ذلك، كلما كانت الخسائر فادحة كلما كان ذلك أفضل، فتمت الاستعانة بإعلاميي زمن مبارك، والذين هم بالمناسبة يمثلون الآن بجدارة وجرأة زمن السيسي، وأطلق لهم العنان لينهشوا لحم الثورة والثوار.

انتشرت ظاهرة التسريبات التي طالت كل من كانت له أدنى صلة أو علاقة بثورة يناير، واستمر تشويه سمعتهم والطعن في وطنيتهم، ورغم ذلك، وهو ما يثير العجب، لم يتم توجيه أي اتهامات لهم من الجهات القضائية. الأمر الذي جعل الناس يتوصلون إلى نتيجة واحدة وهي أن كل ما قيل عن تسريبات منسوبة للثوار ما هو إلا أكاذيب مقصود بها تشويه الثورة ذاتها، وإلا لكانوا جميعاً في السجون. كما توصل الناس أيضاً إلى أن التنصت على المواطن بعد أن تحول من عادة إلى عبادة، فتح الطريق أمام من يمتلك التقنيات الحديثة لممارسة التنصت غير القانوني على من يريد دون حساب أو عقاب، فشاعت في المجتمع حالة من الفوضى التي باركتها الدولة لإلهاء الناس في أنفسهم.

ومن ضمن الأهداف التي وضعها خلفاء مبارك أيضاً، هدف لا يقل أهمية عن تشويه ثورة يناير، وهو الحفاظ على قواعد النظام القديم وهياكله دون أن يمسسها سوء. فالاستراتيجية العقيمة التي تشبثت بها الدولة العميقة لا يمكن أن تتبدل، أقصى ما يمكن القيام به هو التضحية بالوزراء بين فترة وأخرى. أما القوى الرهيبة الخفية التي تدير الدولة، فلا يمكن الاقتراب منها مطلقاً، ولتحقيق هذا الهدف تم الاستعانة أيضاً بإعلاميي زمن مبارك الجاهزون دوماً لمثل هذه المهام غير الطاهرة، فأشاعوا أن أميركا والعالم أجمع يهدفون إلى تقسيم الدولة المصرية وتحطيم جيشها، الأمر الذي مس شغاف قلوب المصريين خوفاً وهلعاً على وطنهم، فلم يجدوا أمامهم غير جيشهم الوطني درعاً وسنداً لهم وللوطن، فكان لجوئهم إليه تلقائياً، فقبلوا بما لم يكن من الممكن قبوله في ظروف أخرى.

وقد كان مجيء الإخوان لسدة الحكم في مصر، وتولي مرسي الرئاسة، ومسارعته هو وجماعته في حالة من النهم والجوع السياسي الشديد إلى التهام الوطن، الشرارة التي أدت إلى سريان إحساس شعبي جارف بأن أدعياء الإسلام هو الحل ليسوا بأفضل من أصحاب التوريث هو الحل، وكان ما كان من مقاومة شعبية لحكم الإخوان تلك المقاومة وإن كانت شعبية، إلا أنها خدمت بدرجة عالية خطط خلفاء مبارك بلا أدنى شك.

حدث ما حدث، وتجمع الشعب في 30 يونيو 2012 للمرة الثانية في ثورة سُميت في حينها ثورة تكميلية لثورة 25 يناير، وتلاحقت الأحداث إلى أن وصلنا إلى لحظة اختيار رئيس الجمهورية الذي كانت كل الدلائل والبشائر تشير إلى أنه لن يكون إلا المشير عبدالفتاح السيسي، وقد كان. ولكن ما الذي جعل الشعب يرفض المشير طنطاوي، ليختار بمليء إرادته المشير السيسي؟ السبب بالتأكيد لا يعود لشخص المشير طنطاوي، وعلى الرئيس السيسي أن يدرك ذلك، وإلا لوقع في سوء فهم فظيع. بالتأكيد السيسي يبدو حنوناً وعفيف اللسان، لكن ذلك ليس السبب الوحيد لاختياره، ربما يكون بعض البسطاء أعجبتهم شخصيته الهادئة وأسلوبه الرومانسي فتوسموا فيه الخير فاختاروه بقلوبهم وليس بعقلهم.

ولكن يبقى السبب الرئيسي الذي جعل المصريون يرفضون مشيراً ويقبلون بآخر كامناً في الظرف التاريخي الذي عايش لحظتي الرفض والقبول> فالأول طرح نفسه في ظرف تاريخي كان مفعماً بالآمال التي عقدها الناس على الثورة لتخليصهم من عبودية وذل نظام مبارك، والانطلاق بمصر لتبلغ مكانتها العالية التي تستحقها بين الأمم، فهكذا كان شعور المواطن إبان فورة ثورة 25 يناير، وطرح طنطاوي لنفسه كرئيسٍ في هذا التوقيت كان لابد أن يجابه بالرفض لانتمائه قلباً وقالباً للنظام الذي يريد الناس محاكمته ومحاسبته والتنصل منه إلى الأبد.

أما الثاني وهو المشير عبدالفتاح السيسي، ورغم أنه من نفس المؤسسة التي أنجبت مبارك وطنطاوي، إلا أنه برز في ظرف تاريخي شائك، مليء بالتهديدات والتخوفات على الوطن والمواطن، وقد استغل إعلاميو زمن مبارك هذا الظرف للعزف على نغمة الحاجة إلى زعيم قوي يقدر على تحمل صعوبة تلك المرحلة، فترسخت في العقل الجمعي للناس ضرورة السيسي لاستمرار الوطن، لذلك اختاره نفس المواطن الذي رفض طنطاوي.

والخلاصة، أن الذين اختاروا السيسي لم يختاروه لشخصه، إنما وجدوا فيه حالة ضرورية لإنقاذ الوطن، وإنقاذ الوطن لن يتحقق فقط بمحاربة الإرهاب. فكم من الدول النموذجية تسير في طريق التنمية والتقدم والازدهار في جميع المجالات، وما زال الإرهاب يطل برأسه بين الحين والآخر من أراضيها وسيظل، وإنقاذ الوطن ليس بتوفير الخبز والبنزين للناس بالبطاقات الذكية، وإنقاذ الوطن لن يتحقق بإقامة المشاريع العملاقة ليتم إدارتها بنفس الأسلوب المقيت الذي لم يتغير.

إنقاذ الوطن لن يقدر عليه إلا إدارة غير تلك التي أسقطها الشعب في ثورة 25 يناير، وللأسف فإن الرئيس لا يدرك هذه الحقيقة، أو أن هناك من حوله من لا يريدون إعطاؤه الفرصة ليدرك. فمثلما قرر أن ينتهي مشروع قناة السويس في سنة واحدة بدلاً من خمس سنوات، كان باستطاعته أن يُقرر أن يتم تطوير الجهاز الحكومي خلال فترة ستة أشهر، مع محاصرة الفساد فوراً ولا أقول القضاء عليه، إبعاد الفاسدين على أقل تقدير كان يكفي، وذلك لا يحتاج أي اعتمادات مالية بل على العكس، ولكنه يحتاج إلى إرادة يراها الناس حاضرة ومهتمة. فمحاربة الفساد لن تنجح بالحياد، والفساد لا يقتصر على الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والعمولات والاختلاسات، بل لابد أن نُحدد هل نحن نعيش لحظة فساد الدولة أم دولة الفساد، والإدارة الرشيدة هي التي تتمكن من ذلك.

أتمنى أن يدرك الرئيس أن الإدارة في مصر تحتاج إلى قنبلة معنوية تستهدف الفساد، وبغير ذلك سيظل جالساً فوق البركان. وأتمنى أن يدرك الرئيس أن كل من سبقوه في الحكم كانوا على قناعة بأن اللحظات الحالية هي دوما اللحظات الباقية.