تونس في انتظار الدخان الأبيض

عندما ينقضي هذا الأسبوع ويتنفس التونسيون الصعداء بعد انقضاء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بحلوها ومرها، بكل مفاجأتها المنتظرة أو غير المنتظرة فان النتيجة الوحيدة التي ستكون واضحة بالنسبة للسواد الاعظم من التونسيين أن طي الصفحة الانتخابية لن يطوي معه صفحة المخاوف والترقب لما سيكون عليه الغد، وأن المرحلة القادمة ستكون الأشد على البلاد قبل أن يتحقق الانفراج المطلوب وتتغير الأحوال الاقتصادية وتنتعش قفة المواطن وظروفه الحياتية المتأزمة .

الأيام المتبقية والى حلول موعد الصمت الانتخابي ستفرض على الناخبين، لا سيما تلك الفئة المترددة حتى الان في الاقبال على المشاركة في العملية الانتخابية ان ترصد ما يدور من حولها وأن تتطلع الى بحر الحملة الانتخابية الهائج عسى أن تجد بين الامواج ما يدفعها الى تحديد خيارها وعدم الاستسلام الى الورقة البيضاء أو الغياب عن المشاركة.

لا شك أن الامر لن يكون هينا لمن لم يحددوا خيارهم بعد وهم يتقلبون بين رقصات المتنافسين على قصر قرطاج وهما يستعرضان مع أنصارهما أفكارهما المثيرة للجدل بعد أن تحولت المعركة الرئاسية الى معركة بقاء ووجود بدل أن تكون معركة أفكار وبرامج للمرحلة القادمة. على أن الحقيقة أن هذا الأسبوع الأخير من الحملة يبدو وكأنه تجاوز ما سبق من حروب كلامية ومن اتهامات بين هذا الطرف وذاك ومن إصرار للجذب الى الأسفل وكأن مهمة كل طرف رد التهم الموجهة له من الجانب الاخر وتأكيد براءة الذمة إزاء ما يروج له الطرف الاخر.

لقد كان بالإمكان أن تنظم الدورة الثانية من سباق الانتخابات الرئاسية في الرابع عشر من الشهر الجاري ولكن الطعون التي قدمها الرئيس المؤقت محمد المرزوقي أدت الى هذا التأجيل الى حين انتهاء المحكمة الإدارية من النظر في مختلف الطعون وهي مسألة وان أثارت الكثير من التونسيين الذين أصابهم الملل من طول فترة الانتخابات، فانها يمكن أن تتنزل في اطار مقولة رب ضارة نافعة وقد سمحت بوضع الدستور طي الاختبار وتطبيق ما جاء في بنوده وهو ما لم يكن ليحدث لولا تلك الطعون حتى وان كان الامر محسوما بأنه لا مجال لتغير النتائج المعلنة في الدورة الأولى من الانتخابات.

ولعله من المهم الإشارة الى أنه وبرغم ما رافق هذه الانتخابات من طول انتظار وملل وضجر بالنظر الى الفشل الذي رافق ومنذ بداية سباق الانتخابات التشريعية في تنظيم حوار سياسي يرتقي الى تطلعات المواطن المراقب ورغم هيمنة التشنج والحسابات الضيقة على أغلب اللقاءات التلفزية ورغم كل الخروقات والانتهاكات الحاصلة ورغم رائحة المال الفاسد وكل ما اقترن بهذا الاختبار من مساوئ أو محاسن فقد منح التونسيين الإحساس وللمرة الأولى بأهمية أصواتهم وبأهمية مشاركتهم في العملية الانتخابية التي ستظل وحتى اللحظات الأخيرة قيد السرية ولن تعرف قبل أن تبوح صناديق الاقتراع بسرها حسابات وأخطاء.

لقد كان واضحا وقبل حتى اعلان نتائج الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية أن المرحلة التي ستفصلنا عن الموعد النهائي لن تكون مجرد حملة انتخابية تتنافس فيها الأفكار والمبادرات السياسية بقدر من الاحترام المتبادل وبما يستجيب لتحديات المرحلة والواقع أنه لولا دعوة رئيس هيئة الانتخابات لكلا المترشحين بالانضباط وخاصة التنبيه الموجه للرئيس المؤقت بسبب التشكيك في نزاهة الانتخابات لربما استمر السباق كما بدأه على وقع الحرب الكلامية والاستفزازات والاتهامات المتبادلة التي لا تقف عند حد أمام إصرار كل طرف على استغلال الحملة لتصغير الاخر وتقزيمه وما كاد يؤدي اليه ذلك من صراعات جهوية بين انصار المترشحين.

اليوم ومع بدء العد التنازلي لموعد الحسم وفيما يتجه المحللون والخبراء في تونس وخارجها الى استقراء ميول الناخب التونسي حاضرا ومستقبلا يبقى الترقب الممزوج بالقلق والحيرة سيد المشهد في انتظار أن تكشف الانتخابات عن ساكن قرطاج الجديد وما اذا سيكون القادم اليه المحامي والسياسي والديبلوماسي المخضرم رئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي، أو الرئيس المؤقت الحقوقي المنصف المرزوقي على أن ما يمكن الإشارة اليه أن كل من المترشحين وان لا ينتميا، لجيل واحد فان كلاهما تجاوز السبعين وبالتالي فقد لا يمثل كلاهما بالضرورة تطلعات وأحلام تلك الفئة الواسعة من الشباب الذي صنع ثورة ووجد نفسه على هامش الاحداث. ولعل هذا أيضا ما سيفرض على المترشحين الرهان على استمالة هذا الشباب وبالتالي الحرص على تجنب الوقوع في الخطأ والسعي الى صياغة خطاب قادر على الاستئثار باهتمام من يمسك فعلا بمفتاح قصر قرطاج .

بين الطبيب والمحامي هل تكون الكلمة الفصل للخبرة السياسية؟

تقدم زعيم حركة نداء تونس على منافسه بنحو مائتي ألف صوت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية ليس بالضمان الكافي لكسب الرهان بالنظر الى تدخل النهضة على الخط للانتصار للرئيس المؤقت. وربما يتكرر الامر بالنظر الى ما تعيشه الحركة من تجاذبات بعد قرار مجلس الشورى بشأن حياد الحركة والذي قد لا يكون سوى خيار لتجنب الاحراجات التي وقعت فيها النهضة حتى الان.

أنصار السبسي وهو المحام والسياسي المخضرم يعولون على ما في جرابه من تجربة طويلة وخبرة في مقاليد السلطة منذ الاستقلال وهو الذي يعد من تلامذة الزعيم بورقيبة ويحسب له أنه تولى رئاسة الحكومة في مرحلة تاريخية حساسة وأنه أمن أول انتخابات تعيشها البلاد بعد الثورة وضمن أول عملية الانتقال السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، وكان صرح في حينه بأنه لن يترشح مجددا وسيترك السياسة قبل أن يختار العودة مجددا ويؤسس حزب نداء تونس مبررا خياره في أكثر من مناسبة أنه لو وجد على الساحة من يواصل المسيرة ويقود البلاد الى بر الأمان لكان اختار الانسحاب نهائيا.

أنصار المرزوقي الطبيب والحقوقي الذي لم يمارس السياسة ولم يختبر دواليب واسرار السلطة قبل الثورة يعولون على مسيرته النضالية ضد الدكتاتورية ويعتبرون أن الأخطاء التي وقع فيها طوال السنوات الثلاث الماضية لا تبرر الابتعاد عنه. لقد أثار المرزوقي منذ توليه السلطة في نطاق التوافق الحاصل في صفوف الترويكا المثير من الجدل بسبب مواقفه وتصريحاته الارتجالية وغير المحسوبة في أحيان كثيرة، وربما كانت كفة المرزوقي بالنظر الى مواقفه العدائية من الاعلام والاعلاميين ومواقفه من المعارضة وانسياقه الى افتعال الازمات ترجح أن تميل الى الانحدار لولا حرص النهضة على اسعافه في الساعة الأخيرة وإنقاذه من تكرار نتائج التشريعية قبل ساعتين على غلق مراكز الاقتراع عندما خرجت حركة النهضة عن حيادها المعلن ودفعت بقاعدتها الى التصويت بكثافة لاجل الرئيس الذي يصر عديد الملاحظين على وصفه بالامل المتبقي للاسلام السياسي في تونس بعد سلسلة الأخطاء والانتكاسات.

خلال الأيام القليلة القادمة سيتعين على التونسيين الاختيار بين المحامي والطبيب وكلاهما له قدرة خطابية لا يستهان بها وكلاهما في رصيده ما يمكن أن يجلب له الدعم أو التأييد لدى شريحة من التونسيين قد تلتقي وقد تختلف في عديد الملفات والقضايا الداخلية المرتبطة أساسا بالمسألة الأمنية والسيادة فضلا عن القضايا الاقتصادية وملفات البطالة المتفاقمة والفقر والتهميش.

ان نظرة متأنية في الأرقام التي كشفتها الدورة الأولى من سباق الانتخابات وان لم تحمل في طياتها مفاجأة تذكر، فانها عززت ما ذهبت اليه مختلف استطلاعات الرأي والقراءات بشأن تقدم الباجي قايد السبسي مع اختلاف مهم وهو أن الفارق بين المتنافسين قد تقلص بما سيجعل الفترة المتبقية من الحملة على درجة من التنافس وسيجعل للماكنة الانتخابية للسبسي والمرزوقي أن لا تعرف الراحة قبل الصمت الانتخابي بكل ما يعنيه ذلك من سيناريوهات مرتقبة ومن حسابات وتحالفات ومن تنازلات أيضا لارضاء بعض الأطراف عندما يتعلق الامر بتقاسم الغنيمة وتوزيع الحقائب الوزارية.

هل ندمت النهضة على عدم تقديم مرشح لها في سباق الرئاسية؟ تلك مسألة جديرة بالتقصي رغم النفي المعلن من جانب قيادات النهضة التي تصر أنها اختارت التنازل عن السلطة، والأرجح أن حسابات النهضة هذه المرة لم تكن دقيقة وهي اليوم تقع في فخ القانون الانتخابي الذي فرضته عندما كان لها اليد العليا في المجلس الوطني التأسيسي والذي حرصت معه على تقديم الانتخابات التشريعية على الرئاسية. والأرجح أيضا أن النهضة كانت تتوقع فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية بما سيجعل ساكن قرطاج الجديد لا يخرج عن طوعها. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وجاءت صناديق الاقتراع بغير ما تشتهي حركة النهضة المدعوة اليوم للإجابة بدقة عن سؤال مصيري ما اذا كانت مصلحتها في دعم المرزوقي أم ما اذا كانت مصلحتها وقبل ذلك مصلحة البلاد تقتضي دعم السبسي؟