الميكانيكا الكمية .. الغوص في أعماق الذرة

عمل عبقري

الآن سنصاحب الميكانيكا الكمية في رحلة إلى الأعماق، إلى قلب الذرة، إلى نواتها. لا يزال عالم الذرة مليئا بالغرائب والعجائب. فمن أين نبدأ؟ سنبدأ من البداية، لكي نحكي الحكاية من أولها.

في القرن العشرين، لم يكن أحد يتخيل من علماء الفيزياء الوصول إلى ما وصلوا إليه من أسرار عالم الذرة. كانوا علماء يتملكهم حب الاستطلاع، لا أكثر ولا أقل. إذا كنت تعتقد أن الإلكترون أمره عجب، فانتظر حتى ترى بعضا من أسرار النواة.

في ذلك الوقت، كانت الميكانيكا الكمية تحتفل بانتصارها المجيد في أول غزوة من غزوات عالم الذرة. لكن لم يكن معروفا لنا أي شيء عن القلب الداخلي للذرة المسمى بالنواة. المعروف كان مجرد معلومات بدائية غير دقيقة، لكن سنبدأ بها على أي حال.

في نهاية القرن التاسع عشر، وجد الفرنسي بيكيريل عن طريق الصدفة البحتة، أن بعض المواد لها تأثير ضوئي على اللوحات الفوتوغرافية (أفلام تصوير).

بعد ذلك الاكتشاف، جاءت ماري وزوجها بيير كوري ليكتشفا أن هذا بسبب إشعاع يصدر من ثلاثة عناصر كيميائية، هي الراديوم، البولونيوم، واليورانيوم. هي معادن مثل النحاس أو الرصاص، لكنها أثقل وتقع في آخر جدول مندلييف لترتيب العناصر الكيميائية. فضلا عن كونها تشع أضواء. أو كما نقول بالبلدي، "تنور في الضلمة". واسمه العلمي إشعاع. لكنه إشعاع أصاب علماء الفيزياء بالحيرة والاحباط. بحثوا في كتبهم ودفاترهم الخاصة بالفيزياء الكلاسيكية فلم يجدوا أي تفسير لهذه الظاهرة.

لكن مجتمع العلماء مليء بالعناد والفضول. لا بد أن يعرفوا ما الحكاية؟ لماذا وبكم ومتى وأين؟ التجارب أثبتت أن هذا الإشعاع، ليس نوعا واحدا، وإنما ثلاثة أنواع. النوع الأول، أشعة ألفا، والثاني أشعة بيتا، والثالث أشعة جاما. ألفا وبيتا وجاما، هي ألف باء تاء الحروف اليونانية.

دراسات أخرى أثبتت أن: أشعة ألفا تتكون من جسيمات موجبة الشحنة الكهربائية. أشعة ألفا، عبارة عن جسيمات. جسيم ألفا تبلغ شحنته ضعف شحنة الإلكترون. لكنه موجب والإلكترون سالب الشحنة. كتلة جسيم ألفا تبلغ أربعة أضعاف كتلة ذرة الهيدروجين.

أشعة بيتا، لا تختلف بالمرة عن الإلكترونات.

أشعة جاما، عبارة عن إشعاع كهرومغناطيسي مثل الضوء، لكنه قوي جدا، متعادل الشحنة، له قدرة كبيرة على اختراق الأجسام. تعادل قوة نفاذ أشعة جاما أضعاف الأشعة السينية. تسبب أضرارا بالغة للأحياء إذا لم تستخدم بعناية. الغلاف الجوي يحمينا منها.

بعد ذلك بعدة سنوات، بينما كان العالم الإنجليزي راذرفورد يعمل مع تلميذه بور الدينماركي، قدما لنا نموذجا لتركيبة الذرة يشبة تكوين المجموعة الشمسية. النواة في الوسط، والإلكترونات تدور حولها. وبالتدريج، بدأ العلماء يكتشفون أن الإشعاع الغامض الذي نتكلم عنه، يأتي من نواة الذرة.

فمن أي جزء من الذرة تأتي أشعة ألفا موجبة الشحنة؟ لا بد أنها تأتي من النواة. لا يوجد مكان آخر به شحنة موجة إلا النواة. النواة تحتوي على معظم كتلة الذرة.

من أي مكان في الذرة تأتي أشعة بيتا؟ الإلكترون خفيف جدا تقترب كتلته من الصفر أو (مفيش). كلمة (مفيش) غير علمية، لكنها تعطيك فكرة عن كتلة الإلكترون الصغيرة جدا. كما إن الإلكترون يوجد في الغلاف أو القشرة الخارجية للذرة.

في بعض الأحيان، نجد فوتونات (مفردها فوتون)، وهي فتافيت الطاقة الهرومغناطيسية (الضوء). هذه الفوتونات، تتطاير من الغلاف أو القشرة الخارجية للذرة. ربما تكون أشعة بيتا وجاما، هي الأخرى طاقة كهرومغناطيسية مثل الضوء، وتدخل في تركيب الذرة.

لا، هذا مستحيل. عندما تشع الذرة أشعة بيتا، لا تتأين. بمعنى أنها لا تصبح موجبة الشحنة، لأنها فقدت شحنات سالبة من الغلاف الخارجي. لكن دراسات أخرى على طاقة الإلكترون، ثبت أنها جزء ضئيل لا يقارن بطاقة أشعة جاما. هذا يدل على أن بيتا وجاما، هما أيضا يأتيان من النواة. كل أنواع الأشعة الثلاث، تأتي من النواة، ولا غير النواة.

مرت السنون. ثم جاء راذرفورد ليضع في طريق أشعة ألفا أنوية عنصر النيتروجين. قام بتسجيل تصادم أشعة جاما بأنوية النيتروجين على ألواح فوتوغرافية. فماذا وجد؟

عند فحص ألواح التصوير الفوتوغرافي للتصادم، وجد راذرفورد آثار أنوية غاز الأكسوجين. حلم البشرية في تحويل النحاس إلى ذهب يمكن تحقيقه. تحويل العناصر الكيميائية إلى عناصر أخرى أمكن تحقيقه بالتجربة. لكن ليس بالطرق الكيميائية المعروفة.

في نفس السنة، اكتشف راذرفورد أن نواة العنصر الواحد، قد يكون لها كتلات (جمع كتلة) مختلفة. الفرق بين هذه الكتلات للعنصر الواحد، عبارة عن مضاعفات كتلة ذرة الهيدروجين. الكتلات المختلفة هذه تسمى نظائر العنصر.

الآن لدينا إشعاع وتحول للعناصر، ثم نظائر لنفس العنصر. هذا هو أفضل وقت للنظر في بناء نواة الذرة. خصوصا أنه لدينا الميكانيكا الكمية التي ثبت نجاحها. وهي بالطبع لن ترفض النصيحة.

لكن علماء الفيزياء لم يكونوا في عجلة من أمرهم. ظلوا واقفين على أطراف الغابة، يخافون الغوص في أعماقها. لم يكونوا مستعدين لتعريض طفلهم الوليد، الميكانيكا الكمية، لتقلبات الطقس في البيئة الجديدة. كانوا ينتظرون طريقا ممهدا واحدا على الأقل، يمكن أن يبدأوا به. في عام 1932، تم اكتشاف النيترون عن طريق تشادويك الإنجليزي. الآن يمكنهم البدء.

الشيء الذي لم يكن واضحا في ذلك الوقت هو تركيبة النواة. نحن نعرف بالتجربة أنها ليست جسما صلبا لا يتفتت. واضح أنها تتكون من أجزاء. بدليل أنها تشع جسيمات، ألفا وبيتا وجاما، ومع ذلك تظل موجودة. بالإضافة إلى أن جسيما من جسيمات النواة تم اكتشافه، وهو البروتون.

بيت القصيد هنا هو أن النواة تتكون من جسيمات، تظهر في النشاط الإشعاعي لبعض العناصر، مثل جسيمات ألفا والإلكترونات. فهل هذا التخمين في محله؟

جسيمات ألفا لها نفس خواص أنوية ذرات الهيليوم. فهل نواة الهيليوم هي مادة البناء الأولية للنواة التي نبحث عنها؟ ولماذا لا يكون بدلا منها، نواة ذرة الهيدروجين، الأخف والأبسط؟ لذلك أطلق اسم "بروتون" على نواة ذرة الهيدروجين، لأنها أبسط أنوية الذرات تركيبا.

الآن يمكننا بناء نموذج للنواة. كما يجب مراعاة أن شحنة النواة الكهربائية تكون موجبة، لكي تعادل الشحنات السالبة لكل الإلكترونات الموجوده في الذرة. هذا حتى نضمن أن تظل الذرة محايدة الشحنة.

نفترض أن النواة تتكون من بروتونات وإلكترونات فقط، (وهو فرض سيتضح خطأه فيما بعد).

كل شيء يبدو أنه على ما يرام. لكن في الظاهر. صحيح فقط بالنسبة للأنوية الخفيفة. لكن بمجرد ذهابنا للأنوية متوسطة أو معقدة التركيب، ينهار كل شيء. لا بد من وجود شيء خاطئ في تصورنا لتركيبة النواة.

الإلكترونات التي نفترض وجودها في النواة، والتي تظهر في الإشعاع، لها من وجهة نظرنا وظيفتان: الوظيفة الأولى هي جعل الذرة ككل متعادلة. الوظيفة الثانية، هي جعل البروتونات تتماسك وتتغلب على قوة التنافر فيما بينها.

لكن الحسابات على الورق تتطلب عددا أكبر من الإلكترونات لأداء هذه الوظيفة. هناك مشاكل أخرى سنذكرها فيما بعد لهذا التصور. الآن بدأ الشك يتسرب لفكرة أن النواة تتكون من بروتونات وإلكترونات فقط.

بينما نحن في حيرة من أمرنا بالنسبة لتركيبة النواة، إذا بالنيترون يهل علينا بطلعته البهية عام 1932. هو جسيم يوجد في أنوية الذرات فيما عدا ذرة الهيدروجين. كتلته تساوي كتلة البروتون تقريبا، ومتعادل الشحنة.

لا يستطيع العيش خارج النواة أكثر من 15 دقيقة تقريبا، بعدها يتحلل إلى بروتون وإلكترون. له دوران مغزلي حول نفسه، مثل البروتون والإلكترون. اكتشفه جيمس شادويك، عالم الفيزياء والحاصل على جائزة نوبل.

إذن النواة تتكون من بروتونات ونيترونات، ولا وجود للإكترونات بداخلها. كل مرة يضاف بروتون إلى النواة، يضاف نيترون حتى لا تتحطم النواة من قوى التنافر بين البروتونات.

بالنسبة للعناصر الخفيفة، عدد البروتونات يساوي بالتقريب عدد النيترونات. بعد عنصر الكالسيوم في جدول مندلييف لترتيب العناصر، نجد تزايد عدد النيترونات عن عدد البروتونات في الذرة الواحدة. ذرة اليورانيوم 238، بها 92 بروتونا و146 نيترونا.

عدد البروتونات ثابت بالنسبة للعنصر الواحد، لكن عدد النيترونات قد يختلف من ذرة إلى ذرة بالنسبة للعنصر الواحد. النتيجة هي كرنفال النظائر المختلفة للعنصر الواحد. العنصر إذا غير عدد البروتونات بالزيادة أو بالنقصان، تحول إلى عنصر آخر مختلف تماما. أما إذا غير عدد النيترونات، فيبقى نفس العنصر ولكن يعتبر نظيرا مختلفا.

لكن لماذا قمنا استبدال الإلكترون بالنيترون في تركيبة النواة؟ الإلكترون يستطيع على الأقل أن يحافظ على تماسك النواة بما له من قوى جذب بينه وبين البروتونات الموجبة. فكيف تيسر للنيترون وهو متعادل الشحنة القيام بهذه الوظيفة؟

ثم نكتشف هنا أن قوى الجذب والتنافر الكهربائية، غير كافية لتماسك جسيمات النواة. النواة بنيان صلب عنيد متماسك كالأسمنت المسلح غير المغشوش. جعلها تتحمل كميات ضغط وحرارة ومجالات كهربائية رهيبة دون أن تنهار أو تتفسخ.

لا بد من وجود سر دفين في وجود النيترونات داخل النواة؟ فهي لا توجد خارج النواة ولا تستطيع البقاء أكثر من 15 دقيقة قبل أن تتفسخ. إذن النيترونات هي الأسمنت المسلح الذي يبقي البروتونات المتنافرة والمتناحرة مع بعضها داخل النواة، بالرغم من كون النيترونات متعادلة الشحنة الكهربائية.

ظل علماء الفيزياء النظرية يبحثون هذه المشكلة لمدة سنتين بعد اكتشاف وجود النيترون في النواة. ثم جاء عالمان، تام الروسي وياكاوا الياباني، بفكرة عبقرية تقول بوجود قوة شديدة جدا نووية، تعمل على مسافات قصيرة جدا، تجعل البروتونات والنيوترونات تتبادل قوى الجذب مع بعضها.

نحن نعرف أن الذرات لا تحب الوحدة. الوحدة صعبة. فنجد غاز الهيدروجين على سبيل المثال، تتحد كل ذرتين لكي يكونا جزيئا من الهيدروجين. وذرة كلور تتحد مع ذرة صوديوم لكي تكون جزيئا من ملح الطعام.

فما يجعل الجزيء يتماسك؟ الجزيء يتماسك لأن الذرات المكونة له تتبادل الإلكترونات على الدوام. مثل تبادل الزيارات والهدايا بين الجيران، تزيد من روابط الود والحبة بينهم.

لكن النواة ليس بها إلكترونات تستطيع مكونات النواة تبادلها كعربون محبة فيما بينها. كما إن الإلكترون يعطينا، كما تقول حسابات تام، قوة لصق صغيرة لا تصلح للنواة. إذن ماذا يتبادل البروتون والنيترون فيما بينهما للحصول على قوة لصق كبيرة؟

لم يبق أمام الشاطر حسن سوى طريقين. طريق السلامة والرجوع بخفي حنين والتخلي عن فكرة تبادل الجسيمات. أو الطريق الآخر، وهو الغوص في هذه الفكرة إلى أعماقها، والإعلان عن أن التبادل يحدث بين البروتونات والنيترونات نفسها رغم اختلاف خواصهما الكهربائية. هذا لأن البروتون يمكنه أن يتحول إلى نيترون، والنيترون إلى بروتون.

الفكرة جريئة جاءت عام 1934. قبل ذلك بعامين، ثبت تحول الإلكترون والبوزوترون، إلى أشعة جاما. لكن هذه الخاصية تختلف تماما عن حالتنا.

البوزوترون، له كتلة الإلكترون ولكن موجب الشحنة.

إذا كان البروتون يتحول إلى نيترون، والعكس صحيح، فلا بد أنهما يتبادلان شيئا أثناء هذا التحول. البروتون يحصل على هذا الشيء فيتحول إلى نيترون، والنيترون يعطي هذا الشيء، فيتحول إلى بروتون. ويمكن أن يكون هناك شيء آخر، يحصل عليه النيترون ويعطيه البروتون.

هنا قال العلماء إن هذا الشيء، إما أن تكون له شحنة البروتون الموجبة أو الإلكترون السالبة. لا نعرف بالتأكيد. كما أن كتلته يجب أن تكون بين 200 و300 ضعف كتلة الإلكترون. أطلق على هذا الشيء اسم "ميزون" وتعني باليونانية، الوسيط.

البروتون يشع ميزون موجب الشحنة، يفقد البروتون شحنته ويصبح نيترون. فيتلقف النيترون الميزون، لكي يتحول إلى بروتون. لكن الميزون يمكن أن يكون سالب الشحنة. في هذه الحالة سيكون المشع هو النيترون والمتلقي هو البروتون، ليتحول كل منهما إلى الآخر.

لكن أين هذه الميزونات؟ تجاربنا على الأنوية المشعة مستمرة، فلماذا لم يصادفنا وجوده؟ الإجابة هي أبدا لن نجده خارج النواة. إنه يفضل القيام بهذا العمل الجبار في الخفاء بدون اعلان عن هويته.

ثم يتجه انتباه العلماء إلى جسيمات الذرة المعروفة بالأشعة الكونية. بعدها بأقل من سنة، تم اكتشاف الميزون. وثبت أن كتلته تتفق مع حسابات يوكاوا، وهي تبلغ 200 كتلة الإلكترون.

إذن وجب على علماء الفيزياء النظرية أن يحتفلوا بانتصارهم الخاص بالتصور الجرئ لعلاقة البروتونات والنيترونات، واكتشاف وجود الميزون داخل النواة. هذا حقا يعتبر من أعظم الاكتشافات في تاريخ الفيزياء.

لكن الاحتفال ومزيكة حسب الله لم تدم طويلا. الميزون يرفض التلامس مع أنوية الذرات. لا يبالي بوجود النيترون، ويتأثر قليلا بالبروتون في حدود التفاعل الكهربي.

هل الميزون هو الشيء الذي يتداخل بين البروتون والنيترون ويحول كل منهما إلى الآخر؟ واضح أنه ليس هو الشيء الذي نبحث عنه. فليستمر البحث على قدم وساق.

هذه المرة، الطبيعة تلعب مع العلماء لعبة الاستغماية أو لعبة عسكر وحرامية. اكتشافات رهيبة في عالم الذرة قد تمت. أسرار الطاقة الذرية تم اكتشافها. أول مفاعل ذري تم بناؤه. القنابل الذرية تم تصنيعها. لكن هذا الشيء الذي نبحث عنه لم نعثر له على أثر.

فقط عام 1947، قام باول، الباحث في الأشعة الكونية، باكتشافه. هذا الشيء الجديد، هو أيضا ميزون. لكنه ميزون مختلف كل الاختلاف. كتلته ليست 207 كتلة الإلكترون، ولكن 273 كتلة الإلكترون. لا يوجد هناك خطأ هذه المرة.

الميزون الجديد أطلق عليه اسم باي - ميزون، للتفرقة بينه وبين ميو- ميزون القديم. يتفاعل بشدة مع جسيمات النواة، البروتون والنيترون. ويستطيع إذا كانت له طاقة كبيرة، أن يفتت أنوية الذرات التي يقذف بها.

افتراض أن هناك قوة نووية، تجعل نواة الذرة متماسكة، عن طريق تبادل الميزون بين جسيمات النواة، هو عمل عبقري من أعمال الميكانيكا الكمية. جعل العلماء يبحثون عن الميزون وكلهم ثقة بأنهم سيجدون ما يبحثون عنه.