قائد السبسي يقتحم معاقل النهضة والجماعات السلفية

الباجي بلا مزايدات

تونس ـ في تحد شجاع اقتحم بنجاح الباجي قائد السبسي مرشح القوى الوطنية والديمقراطية في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية المعاقل التقليدية لحركة النهضة الإسلامية والجماعات السلفية التي صوتت بكثافة في الدور الأول لمنافسه منصف المرزوقي، في وقت عجز فيه حليف النهضة على عقد اجتماعات في الجهات المحرومة حيث يطالبه الأهالي بالرحيل وسط حالة من الغضب والسخط، فيضطر إلى العودة متدثرا برداء هزيمة يقول السياسيون أنها "مؤكدة".

وبحسب مصادر قيادية في حزب حركة نداء تونس، فإن قائد السبسي قرر إنتهاج خطة اتصالية جديدة في حملة الدورة الثانية للانتخابات تقضي بـ"الاتصال المباشر" مع أهالي الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة ومع أهالي الجهات الداخلية المحرومة لتوضيح برنامجه الانتخابي الذي يرمي إلى "إنقاذ تونس" من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعي التي تتخبط فيها جراء تداعيات ثلاث سنوات من حكم نهضة المرزوقي الفاشل.

كما تقضي الخطة الاتصالية بتحسس المشاكل الحقيقية للمواطنين والتعرف على مشاغلهم المعيشية، في مسعى جدي لمعالجتها بعيدا عن المزايدات السياسية وخطاب التحريض على العنف وتقسيم التونسيين وهو الخطاب الذي ينتهجه الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي وكان من نتائجه تأليب بعض المناطق على قائد السبسي.

وبعد اقتحامه لحي "الملاسين" الشعبي الواقع شمال تونس العاصمة الذي يعتبره الإسلاميون "منطقة معلقة" وحكرا عليها، اقتحم قائد السبسي "حي هلال" الشعبي الذي يعد من أهم معاقل النهضة والجماعات السلفية التي استغلت حالة الفقر المدقع والبؤس الاجتماعي لتجعل منه قاعدة للتغرير بالشباب وتسفيره إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

وبعيدا عن أية بروتوكولات أو استعدادات مسبقة مثل تلك التي يلجإ إليها المرزوقي مستعينا بميليشيات النهضة والمجموعات السلفية، حظي قائد السبسي باستقبال شعبي كبير، حيث التف حوله المئات من سكان الحي ليعبروا له عن مساندته ودعمه وليطلعوه على أوضاعهم المعيشية الصعبة ومعاناتهم وحالات البؤس الاجتماعي على الرغم من أن الحي لا يبعد سوى بضع مئات الأمتار عن قلب العاصمة.

وفي مشهد أعاد للتونسيين صورة الزعيم الحبيب بورقيبة الذي جعل من "الاتصال المباشر بالشعب" الطريق المثلى لتحسس مشاغل الناس جلس قائد السبسي بينهم في مقهى شعبي وأعرب عن تضامنه معهم متعهدا بأن يعمل على "القضاء على مظاهر الفقر والبطالة لأنه من حق كل التونسيين أن يعيشوا حياة كريمة تعزز انتماءهم لتونس".

وكان قائد السبسي قد أدى زيارة إلى الجنوب التقى خلالها بأهالي محافظة توزر وبدت تلك الزيارة رسالة واضحة إلى نهضة المرزوقي مفادها أن زعيم النداء ينتهج سياسة توافقية لا تقسم البلاد إلى شمال يدعم نداء تونس وجنوب الرئيس المنتهية ولايته.

وتأتي خطوة قائد السبسي لاقتحام معاقل الإسلاميين، وفق ما يذهب إليه كثير من المحللين، اقتناعا منه بأنه ما كان لجماعات الإسلام السياسي لتعشش في الأحياء الشعبية وفي الجهات المحرومة لولا الأوضاع المعيشية الصعبة وتدني القدرة الشرائية واستفحال الفقر والبطالة وهي أوضاع وجدت فيها حركة النهضة والجماعات السلفية أرضية خصبة لمقايضة الناس من خلال تقديم بعض المساعدات مقابل شراء أصواتهم في الانتخابات.

وترتفع نسبة الفقر في الأحياء الشعبية وفي الجهات المحرومة إلى ما يناهز 70 في المائة فيما تصل نسبة البطالة إلى أكثر من 60 في المائة خاصة في صفوف الشباب.

ويخوض قائد السبسي الدورة الثانية من الانتخابات على أساس "برنامج انتخابي يجعل من الحق في التنمية والعيش الكريم والقضاء على الفوارق الاجتماعية وتشغيل العاطلين أولويات ملحة" خلال الخمس سنوات القادمة.

وإزاء نجاح المترشح الأوفر حظوظ في اقتحام معاقلها التقليدية رأت جماعات الإسلام السياسي في ذلك النجاح "تهديدا خطيرا" لقاعدتها الانتخابية غير الثابتة التي تتكون من المتعاطفين وهي قاعدة قابلة لتغيير موقفها في وقت تصاعد فيه الغضب الشعبي على المرزوقي نتيجة انتهاجه لخطاب الكراهية الذي يسعى إلى الزج بالبلاد في حالة من الفوضى.

فقد عمدت تلك الجماعات إلى حرق مقر نداء تونس في القيروان معقل جماعة أنصار الشريعة التي يتزعمها سيف الله بن حسين الملقب بأبوعياض الفار إلى ليبيا في محاولة لإرباك الخطة الاتصالية التي ينتهجها قائد السبسي وتحذيره من الاقتراب من "مناطقها المغلقة".

وعلى الرغم من أن الندائين أنفسهم يقرون بأن المرزوقي سيتقدم في الدور الثاني من الانتخابات على قائد السبسي في معاقل الإسلاميين في نتائج مشابهة لنتائج الدورة الأولى إلا أنهم يشددون على أن طبيعة المشروع الوطني الذي يقوده زعيمهم من شأنه أن يقلل من حظوظ الرئيس المنتهية ولايته وهم يرون أن قطاعات واسعة من التونسيين في الأحياء الشعبية وفي الجهات الداخلية المحرومة مرشحة للتصويت لفائدة قائد السبسي خاصة بعد أن أصبح مرشحا للقوى الوطنية والديمقراطية ويحمل مشروعا سياسيا وتنمويا يستجيب لإنتظارات الناس وإنقاذ تونس.

وفيما اخترق قائد السبسي بؤر المتشددين ويمد جسرا من التواصل مع الفئات الشعبية عجز المرزوقي على تنفيذ مخططا يقضي بتركيز حملته الانتخابية على الأحياء الشعبية وعلى الجهات الداخلية المحرومة.

فقد فشل المرزوقي في عقد اجتماع انتخابي في منطقة وادي الليل الواقعة شمال تونس العاصمة وأجبره الأهالي على الرحيل وسط حالة من الغضب على ثلاث سنوات عجاف من رئاسته للبلاد.

كما اضطر المرزوقي إلى الاستنجاد بالحماية الأمنية خلال زيارته لمحافظة سليانة بعد أن طوقه الأهالي وأجبروه على مغادرة المحافظة محملينه مسؤولية تهميش المنطقة وإجهاض انتفاضتها على حكومة القيادي في حركة النهضة علي لعريض التي استخدمت البارود ضد المحتجين.

ويقول المتابعون للشأن التونسي أن قائد السبسي لا يراهن على أصوات الإسلاميين من خلال اقتحام معاقلهم وإنما يراهن على قواعد انتخابية شعبية ساخطة على ثلاث سنوات من حكم النهضة الفاشل.

ويضيف المتابعون للشأن التونسي أن اقتحام تلك المعاقل يعد في حد ذاته انتصارا سياسيا لا لقائد السبسي فقط وإنما أيضا لمختلف القوى الوطنية والديمقراطية التي توحدت حول مشروع حداثي أجهض أجندة الإسلاميين.