'نقل فؤادك'.. رحلة بحث عن الحب في غياهب الماضي

داوود يستمر في خط 'لا طريق إلى الجنّة'

بيروت - اخرج الكاتب اللبناني حسن داوود البيت الشعري "نقّل فؤادكَ حيث شئت من الهوى / ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل" من قرنه الهجريّ الثالث في روايته الحديثة "نقّل فؤادك" الصادرة بطبعتها الثانية عن دار الساقي.

وفي اختياره كلمتين من مطلع بيت أبي تمام "نقل فؤادك" عنوانا لروايته التي تناهز المئة والخمسين صفحة، يدخلنا حسن داوود، من البداية إلى أجزاء روايته الأخيرة "لا طريق إلى الجنة".

وعلى الرغم من اختلاف المضمون عموما، إلاّ أنّ الروايتين كلتيهما تنقلان حالة بطل تخطى عمر الشباب واختلفت مقاييس رؤيته للعالم من حوله، وراح ينظر إلى الأشياء بعين الرجل الذي عاش طويلا ولم يعد يشعر بانتمائه إلى الحياة، وكأنها تسير إلى جانبه وتبتعد عنه مع كلّ خطوة يخطوها.

ويشترك بطلا الروايتين في علاقتهما المضطربة مع الحبّ والحبيبة، وفيما يظهر استسلام رجل الدين الواضح في رواية "لا طريق إلى الجنة"، يحاول قاسم بطل "نقل فؤادك" المقاومة ولو بشيء من الخمول الهادئ والانتظار العبثي والبحث الخجول.

ويبحث قاسم، الصحافي المخضرم، المقبل على عمر الستين عاما، عن دلال التي ضيعها قبل ما يزيد على أربعين سنة، تساعده في ذلك صديقته سعاد. في هذه الأثناء يستلم عمله الجديد، بصفة رئيس تحرير لمجلة قيد الإنشاء. خلال سيره إلى عمله يمرّ، كل يوم، بثلاث مستخدمات يجلسن أمام محل للألبسة، فيحييهن بإيماءة من رأسه. وبين حين وآخر يرتشف القهوة مع صديقه وائل في مقهى لا يرتاده أحد وعلى وشك الإغلاق.

في خلفية هذا الروتين اليومي الرتيب، بطيء الإيقاع، تجري الحياة سريعة متغيرة في الأسواق والشوارع. بل المدينة كلها تتغير: الأبنية الجديدة تحل محل البيوت القديمة التي هجرها سكّانها، المقاهي تقفل أبوابها...

ويعيش بطل حسن داوود حالة فراغ وانحطاط على الرغم من أنه في الثامنة والخمسين من عمره ولا يزال يتمتّع بشيء من حماسته الشابّة وحبّه للفكاهة وحسّ النكتة.

ويبقى الفراغ الأكبر هو فراغ الحبّ، فراغ غياب الحبيبة. يبقى الثقل الأساسي في حياة البطل، الهوّة السوداء التي لم يعرف كيف يملأها منذ أكثر من سبعة وعشرين عاما. فقاسم، البطل المشارف على الستّين، يبحث عن حبيبة عرفها وأحبها بصمت أيّام المدرسة.

وهذا الحبّ العتيق العالق في دوامة الماضي قائم على أحلام شاعريّة رومنطيقيّة، هو حب يعرف قاسم أنّه سينكسر عندما يلتقي دلال، فالحلم دوما أجمل من الواقع، ودلال الشابّة اليافعة التي أحبّها ويحبّها ما زالت الفتاة اليافعة نفسها ويرفض أن يتخيّلها امرأة ناهزت الستّين من عمرها.

وتمثل رواية "نقل فؤادك" في المحصّلة رواية عن الحنين المقيم داخل الكاتب وعودة إلى ماضيه بتفاصيل سردية مختصرة مسكونة بالشعر.