داعش في الموصل... مجرد خطأ في التقييم الاستراتيجي!

لم يكن مفاجأً ظهور داعش بهذه القوة والامكانيات المتسارعة الخطى باتجاه الهيمنة على المدن العراقية والسورية لتشكيل مجالات نفوذ خالصة لها. فقد كانت هنالك معارك تدور في الاراضي السورية بدعم تركي – خليجي وبهدف معلن اساسه اسقاط الحكومة السورية لتحقيق مكاسب جيوبولتيكية في رقعة الشطرنج الشرق اوسطية التي تشكل فيها ايران لاعبا مهما وندا قويا.

سنوات الصراع تلك كان يتم فيها تغذية التطرف بعدة طرق ابتداء من تمويل الارهاب ماديا وفكريا وصولا الى تسهيل انتقال الانتحاريين وبقية المتطرفين من اوروبا وشمال افريقيا التي تحولت الى منبع جغرافي مهم في تشكيل خريطة ومسار العمليات الارهابية وبالطريقة التي كشفت الى العالم اجمع زيف شعار الخطر الاسلامي الذي يستخدم في اوربا للاشارة الى اكذوبة القنبلة الاسلامية التي تنمو سكانيا بطريقة هندسية، اتضح فيما بعد بان تلك القنبلة كان يتم اعدادها تحت مرأى ومسمع اجهزة الاستخبارات الغربية ليتم تفجيرها في بلداننا المقاومة للمشاريع والتيارات التي تهدف الى مصادرة مصيرنا لمصلحة الغرب والمتحالفين معه.

تركيا كانت حجر الزاوية في كل هذه التطورات فهي المهد الجديد الذي يشكل جسرا للتواصل الجغرافي بين مرتكزات هذا المشروع الذي بات احد اهم المؤشرات عن نشأة تركيا الاخوانية المرتدية لثوب السلطان الاردوغاني الحالم باعادة تشكيل مملكته العثمانية في اعادة احياء مذلة لتاريخ يمتلأ بالصفحات السوداء في حياة شعوب هذه المنطقة. لذلك لم تكن تحركات داعش في سوريا والعراق بمعزل عن العين التركية الراصدة والمتعطشة للنطاقات الجغرافية المهمة التي يمكن ان تشكل منصات انطلاق لحملات لاحقة بهدف فرض المكانة والنفوذ عبر آلية الهيمنة المكانية والثقافية التي تمارسها الجماعات المتطرفة.

في ظل هذه الرؤية لم تكن الموصل، المدينة العراقية ذات الدور والمكانة الجيوبولتيكية المؤثرة، ببعيدة عن هذا المشهد. فهي المدينة التي لازالت دوائر السياسة التركية تعبر حيالها بصراحة عن الرغبة في استعادتها بكل الطرق المختلفة باعتبارها مدينة تركية اقتطعت جغرافيا عنها بفعل اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى. فهي المدينة ذات الامتداد المساحي الواسع التي تتميز بغناها الزراعي والاقتصادي فضلا عن مواردها النفطية وجغرافيتها التي تسمح لاي جهة تهيمن عليها بالعمل على تهديد اقليم كردستان وبقية النطاقات ذات التماس مع المركز او على الاقل تسمح بحرمان المركز من عنصر مهم من عناصر ديمومته الاقتصادية.

الموصل بتنوعها السكاني ايضا ستسمح للقوة المهيمنة عليها بالافصاح عن حقيقة استراتيجيتها السكانية التي تكشفت معالمها بوضوح في عمليات التطهير التي لحقت بالسكان على اسس دينية، مذهبية وقومية اسهمت بشكل كبير في افراغ المدينة من العناصر التي اعتبرها التنظيم بانها غير موالية عقائديا لتوجهات داعش. اعقب ذلك كله عمليات استعباد ورق بحق الكثير من الابرياء الذين تمسكوا برفضهم للغة الهيمنة العقائدية التي مورست ضدهم والتي تكللت فيما بعد بمحاولة تشكيل فضاء ثقافي غارق في معتقدات التطرف عبر تغيير المناهج الدراسية والتركيز على الغاء ما يسهم من بينها في تنشيط فكرة التنوع والاختلاف كما هو الحال مع تحريم وتجريم تدريس الجغرافيا مثلا.

اميركيا كانت هنالك العديد من المؤشرات التي تؤكد بان واشنطن كانت تهمل التقارير التي تتحدث عن التحديات التي سيواجهها الجيش العراقي بعد الانسحاب الاميركي وبشكل خاص في الموصل وكركوك المدينتان المعقدتان في بنيتهما السكانية والغنيتان بثرواتهما التي تشكل مصدر صدع مهم في العلاقات بين الاحزاب السياسية العراقية. لذلك اشار العديد من الباحثين الى ضرورة ان تسهم واشنطن في ايجاد حل نهائي لهذه الازمة وغيرها من الازمات قبل انسحابها الذي سيربك الجيش العراقي حديث التشكيل والمفتقر الى التكتيكات والخط والقيادات المناسبة التي تهيئهُ لمواجهة التحديات الكبيرة التي فرضها فيما بعد احتلال داعش لهذه المدينة. وهو احتلال تنبأت به كثير من الدراسات قبل سنوات من حدوثه.

الاهمال الاميركي لم يكن عفويا بل جاء لتمرير مشاريع جديدة تفرضها اولويات المرحلة الحالية بالطريقة التي تخدم مصالح الحلف الاميركي الذي كان يرى في هذه الفوضى امرا مرحبا به طالما انه سيسهم في اعادة خلط الاوراق مجددا بالطريقة التي تسمح لواشنطن بلعب دور محوري في ترتيب الاوضاع بالتعاون مع بقية اصدقائها وفقا لسايكس بيكو جديدة تعزز من مكانة الشركات الاميركية والغربية في النطاقات الحيوية للمنطقة.

لم يكن بالامكان تحقيق كل ذلك بعيدا عن وجود ادوات عراقية داخلية قادرة على تفجير الغضب الجماهيري في النطاقات التي خُدعت لسنوات بخطاب التطرف والعداء للاخر. نجحت هذه الادوات فيما بعد في تمرير داعش الى قلب الموصل وبقية المدن العراقية لتزودها بذخيرة سكانية واقتصادية مهمة في توسعها الذي خرج في كثير من مفاصله عن قاعدة التفاهمات الاقليمية التي انتجته في اعادة لمشاهد تاريخية حصلت في أفغانستان حيث تخلق اميركا الادوات التي تواجه بها الاعداء لتتحول بعدها الى عدو لاحق يتم تشكيل التحالفات الدولية من اجل الاستثمار في سوق تصفيته!

بين واشنطن وانقرة يترنح اليوم المصير المستقبلي لداعش فتركيا الرافضة لتصفية هذا التنظيم والمرحبة بقص اجنحته فقط، ترى بان الهدف الاسمى الذي يجب التركيز عليه هو استخدام داعش لابتزاز الاخرين بهدف مقايضة هذا التنظيم عبر تقليص جغرافيته ونفوذه بصعود حكومات موالية لها في بغداد ودمشق. في حين لا ترى واشنطن في مثل هذا التوجه ضمانة اكيدة لمصالحها التي قد تتقاطع في المدى البعيد مع توجهات هذا التنظيم. لذا تعمل بثقلها الدبلوماسي على تغيير مسار عمل الحكومات المجاورة لتركيا بهدف اقناعها على التضحية بداعش. ليبقى بالنهاية التقدير الاسترايجي الاميركي الذي لم ياخذ بالحسبان تحول داعش الى لاعب جيوبولتيكي مؤثر احد اهم مداخل تشكيل التفاعلات الجديدة في المنطقة.

في ظل هذه الصورة التي تكشفت الكثير من معالمها في الداخل العراقي بات الحديث ضروريا عن الادوات العراقية التي يبدو بان واشنطن تريد هذه المرة اعادة تقديم وجوهها مجددا وتسويقها عراقيا على انها رموز للتحرر في الموصل بشكل خاص وهي ادوات اسهمت بقوة في سقوط هذه المدينة بيد داعش. فهنا يقول محافظ الموصل "لقد تبين فيما بعد أن الخلافة تعني المزيد من سفك الدماء والفقر وغياب الخدمات والنحر والسبي وخطف النساء ونهب ممتلكات المواطنين". وهي رؤية تعبر عن خطأ كبير في الادراك الاستراتيجي للتعامل سياسيا مع المركز والمؤسسة العسكرية اوقعت الموصل في مستنقع الارهاب وحولت سكانها الى رهينة سيتم المساومة عليهم لاحقا من قبل داعش بطريقة مخزية.

ان يخطأ الطبيب في عملية جراحية تودي بحياة مريض واحد فتلك مصيبة. لكن عندما يودي خطأ التقييم الاستراتيجي بحياة ملايين من الناس فتلك خطيئة وفاجعة كبرى لا يمكن الصمت امامها فهي التي تقرر مشاهد النزوح والدمار والتحولات العنيفة التي تصيب المجتمع. وعندها علينا محاسبة كل اولئك الذين اخطأوا في تقييمهم الاستراتيجي الذي ادى الى اغتيال مدننا بهذه الطريقة البشعة. لذلك لا يمكن ان تغتفر مثل هذه الخطايا التي بات اصحابها يعترفون بانها كانت سببا في كل ما حصل.