لبنان وشروط التفاوض لاسترجاع عسكرييه

ليست سابقة أن يدخل لبنان في متاهات الأزمات المتلاحقة التي لا أفق واضح لها، لكن أزمة العسكريين المخطوفين لدى تنظيم داعش وجبهة النصرة، جعلت من الحكومة اللبنانية لقمة سائغة في أتون المفاوضات التي لا مثيل لها في تاريخ مفاوضات الدول مع الجماعات الإرهابية.

وعلى الرغم من كثرة السوابق التي تمت لاسترجاع أسرى لبنانيين إن كان مع إسرائيل مثلا أو تلك المتعلقة بالأزمة السورية حاليا، إلا أن ثمة تخبط وضياع واضحين في السلوك التفاوضي اللبناني، الذي يمكن تبرير بعض أوجهه لظروف ذاتية وموضوعية تتعلق بالأزمة نفسها، وبالأطراف الداخليين والخارجيين المعنيين فيها.

في المبدأ، إن تفاوض الدول مع جماعات إرهابية يعتبر من اعقد وأدق طرق وأساليب المفاوضات على الإطلاق، بالنظر لطبيعة كل طرف، وقدرته على المناورة والمساومة تجاه القضايا المطروحة، إضافة إلى انعدام الضوابط الواجب توفرها لحسن سيرها والوصول فيها إلى نهايات محددة.

فلبنان بدأ مفاوضاته بقنوات متعددة مع الخاطفين، يعكس كل منها وجهة نظر سياسية خاصة استغلها الخاطفون بدقة، فاستعملها وسيلة للتفلت من أي التزام لطرف ضد طرف آخر، والمضحك المبكي في لبنان أن الجهات السياسية المتصارعة استعملت خلافاتها ونزاعاتها في اطر وسياقات المفاوضات نفسها، حتى أن عضوية خلية الأزمة التي شكلت لهذا الغرض جمعت مختلف الأطراف اللبنانية المتنازعة.

ثمة شروط وشروط مضادة وضعها الخاطفون، وهي بمعظمها شروط من النوع التعجيزي الذي يلغي ما تبقى من هيبة الدولة، ويجلها أسيرة مزاج وسلوك إرهابي لا يعرف احد كيفية التصرف معه، أو كبح جماحه أو احتوائه، سيما وان الشروط التي تدفع بوجه الدولة يقابلها تهديد بذبح عسكري وهو أمر نفذ بخمسة من العسكريين تباعا وبطرق وحشية ومرعبة، تعبر عن همجية يستحيل التفاوض أو التعاطي معها بطرق اعتيادية.

إضافة إلى ذلك إن شروط الخاطفين ليست مرتبطة بقرار أو إجراء تحدده الحكومة اللبنانية، بل ربطه الخاطفون بسوريا عبر الإفراج عن معتقلين لديها، وفي ظل انقطاع التواصل الرسمي اللبناني السوري، يبدو هذا الأمر أكثر من تعجيزي، الأمر الذي يضطر معه لبنان لولوج قنوات خاصة لذلك بعيدا عن القنوات الرسمية المفترضة، ما يزيد الأمور تعقيدا.

في الواقع ليس بمقدور لبنان مواجهة هذه القضية منفردا، للعديد من الاعتبارات المتعلقة أصلا بالجماعات الإرهابية نفسها وطرق تعاملها مع قضية المخطوفين. صحيح أن لبنان يمتلك بعض الأوراق التفاوضية الوازنة إلا انه غير قادر على استثمارها بشكل جيد. فمثلا نفذ الإرهابيون تهديداتهم بذبح بعض الجنود، إلا أن الدولة اللبنانية عجزت عن تنفيذ أحكام بالإعدام صادرة بحق إرهابيين موقوفون لديها لأسباب كثيرة من بينها خلافات السياسيين اللبنانيين على ذلك.

إن مجمل الأوراق التي يمتلكها الطرفان لا تسمح الاستثمار فيها إلى نهايات محددة تتعلق بالإفراج عن العسكريين، ما يستدعي البحث عن مسارات أخرى من بينها إدخال دول وقوى خارجية يمكن أن تؤثر على سلوك الخاطفين لإجبارهم على إطلاق سراح العسكريين المخطوفين.

وعلى الرغم من اختلاف الظروف ونوعية القضايا، ثمة سوابق انتهجت في السابق، وأدت إلى الإفراج عن مخطوفين كقضية الـ 19 لبنانيا الذين احتجزتهم فصائل سورية مسلحة في اعزاز، وتم إطلاق سراحهم بعد إدخال عناصر خارجية إلى الأزمة، مما وفر البيئة المناسبة لعملية التبادل.

طبعا، يمتلك لبنان أوراق قوة يمكن الاستفادة منها بشكل كبير، إذا تم الاتفاق عليها بين اللبنانيين أولا، إلا أن ذلك يبدو متعذرا في الوقت الراهن، ما يعزز فرضية السلوك باتجاه إدخال العناصر الخارجية إلى الأزمة للمساعدة في تفكيك طلاسمها إذا جاز التعبير. فالخاطفون لم ولن يستجيبوا لأي ضغط لبناني وفي أي ورقة يتم التعامل فيها والتفاوض عبرها، سيما وان الخاطفين يستعملون الرهائن كوسيلة ابتزاز يومية للبقاء على قيد الحياة في ظروف جبلية قاسية، وهم غير مستعجلين على إيجاد حل طالما أن المخطوفين بمثابة الأوكسجين الذين يتنفسونه عبرهم. إضافة إلى ذلك أن عامل الوقت يبدو حادا في آثاره على الخاطفين، ما يفسر ظاهرة الإرباك الواضح والمتمثل بالتهديد بالذبح وهذا ما نفذ بكل برودة أعصاب، الأمر الذي سيتكرر إذا لم يتم التعامل معه بجدية ووضوح وحزم.