عصام عبدالشافي يحلل البعد الديني في العلاقات الدولية

عوامل واعتبارات

انطلاقا من كون الدين يشكل أحد أهم الدعامات الأساسية في بناء ونشأة واستمرار وتقدم الحضارة الإنسانية في ظل ما يقوم به من دور رئيسي في صياغة حياة الإنسان وسلوكياته ومعاملاته وأخلاقياته، كانت هذه الدراسة "البعد الديني في العلاقات الدولية.. الماهية والتأثير" لأستاذ العلوم السياسية د. عصام عبدالشافي، والصادرة أخيرا عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الاسكندرية ضمن سلسلة "مراصد"، حيث رأى د. عبدالشافي أنه أمام ما شهده العالم من تحولات وتطورات، سار معظمها فى اتجاه ترسيخ الأبعاد الدينية والثقافية والحضارية فى مختلف التفاعلات الدولية، فقد أصبحت العلاقة بين الدين والسياسات الخارجية للدول، وخاصة الفاعلة منها، أحد أهم قضايا العلاقات الدولية.

وقال إن "معظم الصراعات والحروب فى العقد الأخير من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحادى والعشرين، أصبح الدين يشغل موقعاً محورياً فيها، وتحولت العودة إلى الدين إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية وأمنية، وأصبح العالم المعاصر يشهد بعثاً دينياً يؤثر فى مختلف جوانب الحياة، ويعيد تشكيل الدول والمجتمعات، وصارت الحركات الدينية فى معظم أنحاء العالم تطرح شعوراً جديداً بالهوية والانتماء، وأضافت العولمة وتقنيات الاتصال فرصاً وتحديات جديدة حيث بدأت الدول تتخلى عن كثير من وظائفها وسيادتها لمصلحة العديد من الأطراف الأخرى داخلياً وخارجياً".

ولفت عبدالشافي إلى أنه عند رصد أدوار الدين وتوظيفاته فى العلاقات الدولية، يبرز دوره فى التعبئة السياسية، وكمصدر من مصادر الشرعية السياسية، وأداة لتبرير الخطاب السياسى والاجتماعي، كما تم ‏استخدامه كأداة للتغييرات السياسية،‏ وتحقيق التوازن السياسى بين الجماعات المختلفة، وأيضاً كإطار أيديولوجى وأداة لبعث الحيوية السياسية والاجتماعية للشعوب فى إطار مناهضة التحلل والتفكك والفساد والانهيار، ‏هذا بجانب دوره كحائط صد دفاعى فى مواجهة نفاذ القوى الخارجية‏.

وأوضح أن ما أفرزته التحولات الدولية التى شهدها العالم فى الربع الأخير من القرن العشرين، من تفكك المجتمعات إلى تفريعات جديدة تدور حول هويات دينية ومذهبية وقومية ولغوية وعرقية مختلفة، ترتب عليه "دعم الدور الذى يلعبه الدين فى العلاقات الدولية،‏ باعتباره مكونا رئيساً فى السياسة الخارجية للعديد من الدول، كالمملكة العربية السعودية، وباكستان، وإسرائيل، كما تزايدت عمليات توظيف الدين ورموزه وتفسيراته فى العلاقات الدولية‏.‏ وخاصة فى النزاعات والصراعات حول الهوية والمصالح والحدود والقيم، ‏وأيضاً فى بناء التحالفات الدولية".

وفي ضوء ذلك فإن الأطر النظرية والمنهجية التي تثير الدراسة ترتبط بالدرجة الأولي بمفهومي "الدين" و"السياسة الخارجية"، وأنماط التفاعل بينهما، وما يثيره هذا التفاعل من قضايا ومتغيرات وأبعاد تحليلية ومنهاجية، هذه الأبعاد تناولها عبدالشافي عبر ثلاثة مستويات: يتناول الأول مفهوم الدين والمفاهيم التى يتداخل معها والتي كانت محلاً للاهتمام في إطار حقل العلاقات الدولية، والثاني يتناول موقع الدين في العلاقات الدولية وتأثيره في تطور الحقل، بينما يتناول المستوي الثالث، تأثير الدين في دراسة وتحليل السياسة الخارجية، باعتبار هذه السياسة أحد المستويات الفرعية للعلاقات الدولية".

ولأن البعد الديني في العلاقات الدولية، ارتبط بالعديد من التيارات البحثية، بدراسة وتحليل "القيم"، و"الأيديولوجيا"، و"الثقافة"، و"الحضارة". فقد تناول عبدالشافي طبيعة العلاقة بين الدين وكل منها، والتأثيرات المتبادلة، بينها، وذلك من خلال ثلاثة مباحث الأول: الدين وموقع القيم في دراسة العلاقات الدولية، والثاني: الدين وموقع الأيديولوجية في دراسة العلاقات الدولية، والثالث: الدين بين الثقافة والحضارة في دراسة العلاقات الدولية، ليخلص إلى أن يتبنى في دراسته هذه تعريفاً إجرائياً للدين، في إطار العلاقات الدولية يقوم علي أنه "كل ما تعتنقه الفواعل التى تقوم عليها هذه العلاقات ـ رسمية أو غير رسمية، وتؤمن به، من مبادئ وأحكام ومعايير، تضبط ممارساتها ـ فكراً وسلوكاً، قولاً وفعلاً ـ وتحكم توجهاتها، سواء أكانت تلك المبادئ أو الأحكام والمعايير مستمدة من رسالات سماوية أو من رؤى فلسفية وأيديولوجية أو موروثات ثقافية أو تاريخية أو اجتماعية، أو توجهات شخصية". بينما يتمثل "الديني"، في كيفية نقل هذه المعتنقات إلى الواقع الفعلي، ممثلاً في العمليات والقضايا التى تقوم عليها هذه العلاقات".

ورأى د. عبدالشافي أنه مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أصبح "الدين" وتأثيراته أحد أهم قضايا العلاقات الدولية، وتحولت العودة إلى الدين وتوظيفاته إلى ظاهرة عالمية، وأضافت العولمة وتقنيات الاتصال فرصاً وتحديات جديدة، كان من شأنها انتقال التأثيرات وتداخل الأديان والثقافات والحضارات في العديد من التفاعلات والعلاقات. وأصبح الدين يمارس وظائف مهمة في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للعديد من الدول،‏ حيث يتم توظيفه لتحقيق التعبئة السياسية، وكمصدر من مصادر الشرعية السياسية، وتبرير الخطاب السياسي والاجتماعي، وأداة للتغيير السياسي،‏ وأداة من أدوات السياسة الخارجية لبعض البلدان،‏ وإطار مرجعي لسياسات البعض الآخر منها.

وقال إن هناك عوامل واعتبارات دفعت باتجاه تنامى الاهتمام بالبعد الديني/الثقافى فى العلاقات الدولية منها أولا تأثير مراجعة تيارات الحداثة، حيث فشل جهود التحديث التى قادتها الدول الغربية فى دول العالم الثالث مما أدى لتنامى دور الدين، كما أن التحديث وإن كان قد قلل من شأن أساليب الحياة التقليدية، فإنه كان يقف عقبة أمام القيم والأخلاقيات التى تقوم على الدين، وبالتالى فإن هذا التراجع فى دور التحديث وأهمية النظر إليه، كان لصالح إحياء دور الدين. فالتحديث ترتب عليه زيادة تأثير كل من الدولة ومؤسساتها من ناحية، والمؤسسات الدينية من ناحية أخري، وهو ما صاحبه حدوث نوع من الصدام بينهما، كذلك ساعدت الاتصالات الحديثة، وتطور وسائل الإعلام الدولية فى تسهيل نقل الجماعات الدينية لأفكارها، وانتشار تأثير هذه الأفكار على غيرها من الجماعات الدينية الأخرى فى مناطق أكثر اتساعاً عبر العديد من دول العالم، وكذلك تعدد المنظمات الدينية التى تساهم فى النشاط السياسى على المستويات الإقليمية والدولية.

ثانياً: طبيعة التحولات الدولية شهد النصف الثانى من القرن العشرين بروز الدوافع الدينية بروزاً واضحاً فى العلاقات الدولية، وتمثل ذلك فى العديد من المؤشرات، منها: أولا قيام عدد من الدول على أسس دينية (باكستان وإسرائيل)، وكذلك تعدد الجماعات والتيارات الدينية العابرة للقوميات، وثانيا بروز اصطفاف عالمي للديانات الكبرى، في ثمانينيات القرن العشرين، في مواجهة الاتحاد السوفيتي والشيوعية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تحول الاهتمام خلال فترة التسعينيات إلى مجادلة أُطروحات اليمين الأمريكى حول "صراع الحضارات"، و"الإرهاب"، بين "الغرب" و"الإسلام"، وصارت الصراعات الأمنية والعسكرية ذات جذورٍ ثقافيةٍ.

ثالثا: تأثير بعض الأحداث السياسية التي أدت إلى الاهتمام بالخطاب الديني في التعبئة السياسية وفي صنع السياسات الخارجية لبعض الدول، كما حدث فى توظيف العمليات العسكرية الأميركية ضد العراق (1990 و2003)، وأخيرا تصاعد العمليات الإرهابية، واستخدام هذه العمليات لإنتاج المزيد من الصور النمطية السلبية حول الإسلام كديانة وعقائد وشرائع وقيم وثفافة، وحول واقع المسلمين واتجاهاتهم الدينية والفكرية، وكان من أكثر هذه العمليات تأثيراً أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والتي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية. والتي كان لها العديد من الانعكاسات، على تطور العلاقات الدولية.

رابعا: توظيف البعد الديني لتحقيق المصالح الإستراتيجية، حيث ارتبط تصاعد الاهتمام بالبعد الديني/ الثقافى وتأثيره على العلاقات الدولية، في جانب منه، بوجود دوافع سياسية، مرتبطة بمصالح القوى الدولية، وفي إطار تحليل هذه الدوافع وبيان تأثيرها علي تطور العلاقات الدولية، برز اتجاهان رئيسان: الأول: يري أن الدوافع التوظيفية للبعد الديني/ الثقافي هي التي تحدد تأثيره: فالحديث عن الثقافة والحضارة والدين فى الخطاب الغربي، اقترن بمراحل التحولات الكبرى في التاريخ، والغرض منها سياسياً، فإذا كان القرنان 15 و16 يشكلان مرحلة التأسيس لأوروبا الحديثة، فإنهما يشكلان أيضاً مرحلة التأسيس للعلاقات غير المتكافئة من العالم الإسلامي والشرق. والتي تطورت إلى رأسمالية توسعية تعتمد على الحروب والاكتساح والسيطرة.

وعلى الرغم من وجود مشروع حضاري عالمي، خلال القرنين 19 و20، فإنه يعبر عن مصالح القوى والدول الرأسمالية الصناعية المهيمنة على العالم. في ظل سيطرة ثقافة الاستهلاك ومعاييرها القيمية الأحادية الجانب. فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية تشكل المرجعية الحقيقية للأحداث الدولية، فهي ليست دلائل على تأثير متزايد لعوامل الثقافة والحضارة والدين. فهذه العناصر اعتبرها الخطاب الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر خصوصيات ثقافية، وتم توظيفها في السياسات الغربية تجاه المجتمعات الأهلية.

وإذا كانت هذه العناصر تتصاعد أهميتها الآن، فإن هذا التصاعد هو تعبير عن توتر ومخاوف وهواجس جماعية، ناجمة عن عوامل كثيرة لا علاقة لها بالثقافة أو الحضارة أو الدين، كالفقر وسوء توزيع الثروة والاختلالات الديموغرافية والبطالة والخلل في توزيع السلطة والصراعات الأهلية، والأزمات الاقتصادية.

الاتجاه الثاني: التأكيد على استخدام البعد الثقافي لحماية مصالح وأهداف القوى الكبرى، فالاهتمام بالعلاقة بين الحضارات وإحياء البعد الثقافي الحضاري، جاء لاعتباره مجالاً تتجسد على صعيده صراعات جديدة للقوة، واختبار توازنات القوى، نظراً لأن دور العوامل الاجتماعية والثقافية قد برز، أو تجدد بروزه، في العلاقات الدولية بالمقارنة بالبروز السابق للعوامل التقليدية السياسية ـ الاستراتيجية، التي حازت الأولوية حتى نازعتها الصدارة، منذ بداية السبعينيات، العوامل السياسية ـ الاقتصادية.

وأكد د. عبد الشافي أنه من واقع هذا التحليل لمؤشرات تصاعد تأثير البعد الديني (القيمي/ الحضاري/ الثقافي)، في تطور العلاقات الدولية، واتجاهات تحليله، هناك عدد من الملاحظات:

أولا أن الانتشار الواسع لمفهوم "العولمة" يعكس اعترافاً بوجود اختراق كثيف من العامل الخارجي للقضايا الداخلية، بحيث تآكلت وتهاوت الحدود بينه وبين الداخلي، ولم يعد هذا الاختراق قاصراً على القضايا السياسية والاقتصادية التقليدية، ولكنه امتد ليشمل القضايا الاجتماعية والثقافية أيضاً.

ثانيا أن واقع العلاقات الدولية الراهن، يطرح تحدياً كبيراً علي العديد من دول العالم، ولا يقتصر هذا التحدي على "الواقع" ولكنه يمتد إلى "الإطار القيمي" الذي يحكمه، والذي ينبثق عن منظومة القيم والمصالح الغربية الرأسمالية فالحديث عن انتشار الرأسمالية والديموقراطية وقيم الثقافة الغربية وسلوكياتها، والربط بين الديموقراطية والتنمية من ناحية، وبين تحقيق السلام والأمن والاستقرار في العالم من ناحية أخري، يتم في أدبيات العلاقات الدولية الغربية من منظور أحادي، على نحو يثير التساؤل عن المشروع الحضاري البديل ومن يمكن أن يطرحه الآن.

ثالثا: إن تصاعد دور البعد الديني في العلاقات الدولية في مرحلتها الراهنة، لا يعني تجاهل الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتأثيرها في إيجاد الظروف التي تشجع صانعي القرار للبحث عن، أو على الأقل التعاون، مع جهود التفاوض المبنية على أسس دينية، كما أنه من الضروري عند تبنى تطبيق المداخل الدينية على العلاقات الدولية، التأكيد علي أن أنماط الجماعات والمؤسسات الدينية يجب أن تؤخذ في الاعتبار، في ظل التنوع في التجارب والقدرات والخبرات التي تقدمها.