العراق الفارسي وسوريا العثمانية

من وجهة نظر رجب الطيب اردوغان فان تنظيم داعش قد أخطأ حين لم يتجه بقوته لاحتلال حلب. كان احتلال الموصل خيارا مريحا بالنسبة للرئيس التركي الذي لا يخفي ارتباطه بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ولكن سعادته كانت ستكون أكبر لو أن ما وقع للموصل كان قد وقع لحلب.

وإذا ما كان الحديث قد كُثر في شأن الاطماع التاريخية التركية في الموصل وحلب معا، فإن تلك الاطماع لا تشكل إلا جزءا من حقيقة الدوافع التي يستند إليها اردوغان في حربه المعلنة على سوريا وحربه غير المعلنة على العراق.

في الحالين هناك صدام بين وهمي امبراطورتين، لطالما دفع العرب ثمنه تاريخيا.

كانت تركيا مضطرة للقبول على مضض بالتمدد الايراني في العراق، لا لشيء إلا لأن ذلك التمدد انما جرى برضا اميركي. وما دامت تركيا لا ترى مصلحة لها في اظهار امتعاضها من تعاظم النفوذ الايراني في العراق خشية أن تُغضب الولايات المتحدة فقد صارت تتصرف في الخفاء من أجل منع وصول ذلك النفوذ إلى شمال العراق وبالأخص إلى الموصل.

اما في ما يتعلق بسوريا فان السلوك التركي كان مختلفا، إذ يدخل الجانب الاقتصادي فيه باعتباره واحدا من أهم الأسباب التي تدفع بتركيا إلى العودة بحلب إلى خيار الصفر. وهو الخيار الذي يمكن تلخيصه في السعي إلى سلب المدينة التي هي عاصمة سوريا الاقتصادية أسباب تفوقها التي هي من أهم مصادر نجاة السوق السورية من تأثيرات تقلبات الاقتصاد العالمي.

كانت حلب دائما سدا منيعا أمام غزو البضائع التركية.

ولأن اردوغان يغطي أهدافه الشريرة المبيتة بجبة السلطان العثماني المنتظر فقد وضع نصب عينيه مسألة التصدي للنفوذ الايراني في سوريا. وهي مسالة ليست جديدة. فمنذ أيام الخميني والاسد الأب هناك حلف استراتيجي بين ايران وسوريا.

فما الذي تغير لكي يشعر الخليفة العثماني باقتراب الخطر الفارسي من حدود امبراطوريته؟

كان لتدويل الحرب في سوريا بدءا من دخول دولة قطر طرفا في تلك الحرب أثره على المزاج التركي الذي وجد أمامه الطريق سالكة إلى حلب. فلولا تركيا ما كان من الممكن أن تشتعل الحرب في سوريا، فهي الممر الوحيد الذي دخلت من خلاله الاسلحة وبمعيتها عشرات الالوف من المقاتلين الاجانب، ومن بينهم طبعا مرتزقة الشركة الأمنية التي صارت تعرف في ما بعد بإسم "تنظيم داعش".

ولكن ايران هي الأخرى ليست بريئة من رعاية داعش وتضخم ممتلكاته على الأرض. فمن خلال خادم مخططاتها في العراق نوري المالكي استطاعت ايران أن تمرر رسالتها إلى تركيا. فلا مانع لدى ايران من أن يمد تنظيم داعش المدعوم من قبل تركيا نفوذه إلى الموصل التي تعتبرها تركيا جزءا من إرث بني عثمان، بشرط أن ترفع تركيا يدها عن حلب. وهو الشرط الذي ظلت تركيا صامتة عنه في انتظار مفاجآت الحرب.

المعجزة الايرانية تحققت في الموصل في الوقت الذي ظلت المعجزة التركية تتعثر في حلب، بسبب اصرار النظام السوري على عدم التخلي عن رئته الاقتصادية.

يعرف الاتراك بحدسهم العثماني أن السوريين قادرون على اعادة الحياة إلى اقتصادهم من خلال حلب وحدها، برغم ما تعرضت له المدينة من خراب مأساوي. لذلك فإن اردغاونهم يصر على أن تشمل الحرب الاميركية على الارهاب ضرب القطعات العسكرية السورية، وهو يفكر في حلب بالتحديد.

فهل كان الايرانيون سذجا حين سلموا الموصل من غير أن يتلقوا ضمانات تركية بتسليم حلب؟

أعتقد أن التفكير الامبراطوري يتجاوز ذلك السؤال إلى لحظة قسمة مضطربة، تكون فيها الولايات المتحدة مضطرة فيها من أجل التخلص من شرور داعش إلى القبول بالنتائج التي تنتهي إليها المفاوضات الضمنية بين الفرس والعثمانيين.

فهل سيرضى العرب بعراق فارسي وسوريا عثمانية؟

الدرس الحوثي لا يزال ساخنا في اليمن. وهو درس انتحاري يمكن أن يجر إلى كارثة.