المعلن والمضمر في النووي الإيراني

مفارقة المفاوضات في البرنامج النووي بين طهران والغرب، تكمن في ازدواجية الصور التي يطلقها الطرفان، إن كان في الجانب المعلن منها، أو المضمر إيحاءً وتأويلا. وفي كلتا الحالتين ثمة صور نمطية باتت مألوفة لدى الجانبين وهي بمثابة الإشارات التي يُحسن كل طرف استثمارها والبناء عليها لمراحل لاحقة، وان اختلفت الأهداف والغايات منها إن كانت مباشرة أو غير مباشرة.

انتهت مفاوضات مسقط في سلطنة عمان وكأنها الفرصة الأخيرة قبل قيام الساعة، فيما الواقع غير ذلك تماما، كان الجانب التقني للملف شبه منجز وهو ما يهم الغرب عامة وإسرائيل خاصة، فيما الجانب المتعلق برفع العقوبات هو أيضا متفق عليه بصرف النظر عن حجمه وكمه النوعي والزمني، في وقت انتقلت فيه المفاوضات إلى جنيف لتختتم في الرابع والعشرين كما هو متفق عليه في إطار الاتفاق الثاني.

والمفارقة هنا أيضا اتفاق الطرفان على قاعدة "واقضوا حوائجكم بالكتمان"، في المعلن إعلان نوايا متمم لما سبق، وفي المضمر اتفاق على إغلاق ملف هذه الجولة في تموز المقبل، ضمن آلية محددة لمسار وآليات التفاوض الفرعية تبدأ الشهر المقبل، على أمل التوصل لنهايات محددة أكثر دقة في آذار القادم قبل الوصول إلى خواتم واضحة في تموز.

في الجانب التقني المضمر، لم تتخل طهران عمليا عن التخصيب، لكن تم تحجيم العملية بكميتها وأيضا بنوعيتها. وهو أمر لا يشكل خسارة إستراتيجية لطهران، خاصة وان التفاوض هو على عدم زيادة أجهزة الطرد المركزي التي هي بمجملها تصل إلى التسعة عشر ألف جهاز، وهي علميا وعمليا من الوسائل التي باتت تقليدية مقارنة مع وسائل أخرى كما هو الحال مثلا في مجمع أراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة لإنتاج البلوتونيوم، وهي الوسيلة الأسرع والاهم تكنولوجيا مقارنة بتخصيب اليورانيوم. وهو ما تحاول الدول الست وبخاصة فرنسا التوصل إلى اتفاق محدد بشأنه. إضافة إلى ذلك ثمة جوانب متعلقة بآليات التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بادعاءات غربية حول منشأة في جنوب غرب إيران يجرى فيها تجارب وصلت إلى مراحل متقدمة وتشكل قلقا إسرائيليا شديدا. وفي هاتين المسألتين تمكنت إيران من تقديم بدائل مقنعة للغرب تخفف الهواجس والمخاوف الأمر الذي سيعمل على تظهيره بصوره النهائية في حدود آذار المقبل.

وفي جانب إنهاء العقوبات المفروضة على إيران، قدمت الدول الست عرضا يبدو مجزأ لكنه يوصل إلى أهداف طهران العملية. لا رفع للعقوبات دفعة واحدة، وإنما على مراحل زمنية متقاربة ضمن كميات مالية تصل الواحدة منها إلى 700 مليون دولار، مترافقة مع حوافز تجارية ونفطية تراها طهران ضرورية في المجال الاقتصادي الراهن الذي بدأت آثاره تشكل امرأ ينبغي التوقف عنده.

وفي الواقع تثار الأسئلة حول الدوافع التي جعلت واشنطن تبدي استعدادها للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي حتى لو أدى ذلك إلى تبرم حلفائها من العرب والإسرائيليين، في الواقع لا بد من ملاحظة أن الإدارة الأميركية لم تتمكن من إحباط مساعي إيران في المجال النووي من خلال العقوبات، كما أن العمل العسكري يبدو غير مضمون النتائج، في ضوء الحسابات العسكرية المعقدة والتداعيات المحتملة لذلك. كما لا تستطيع الإدارة الأميركية الاستمرار في الحفاظ على تماسك المجموعة الدولية 5+ 1، بخاصة أنها أخفقت مرة أخرى في العودة إلى مجلس الأمن لمتابعة البرنامج النووي، في ضوء معارضة موسكو وبكين، بل إن روسيا أعلنت مواقف واضحة بشأن استعدادها لرفع العقوبات عن طهران من جانب واحد إضافة إلى عقد صفقات طويلة الأجل معها في الشقين النووي والاقتصادي.

في المقلب الإسرائيلي الآخر، تبدو القراءة لما تم التوصل إليه قراءة متوترة يغلب عليها طابع التوجس كالعادة، باعتباره ملفا لا ينبغي التوصل لحل فيه على قاعدة دبلوماسية، وتعتبره في أحسن الأحوال إعلانا أفضل من اتفاق سيئ يمكن التوصل إليه، وهذا ما ظهر واضحا عبر تصريحات كثيرة للقيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية خلال المفاوضات وبعدها.

في أي حال، تشكل القترة القادمة فترة بالغة الأهمية على المنطقة وملفاتها الملتهبة، وهي بمثابة بداية تشكل إطار لنظام إقليمي، فيه الكثير من المتغيرات التي سادت العقود الماضية، ويبدو من الواضح حتى الآن أن ترتيبات كثيرة ستظهر وتعيد النظر بالكثير من الصور التي سادت مؤخرا.