'أوشام سرية' .. الخيال واللغة والفن وتلقي القصص

عتبات الذاكرة

ينمازُ كلُّ فنٍ بخلق عوالمهِ الخاصة والمنسوجةِ في خيالٍ خصبٍ، والتي تأخذُ المتلقي إلى شواطئ النص بعيداً عن نفسه، فكلُّ مَن يقرأُ مجموعةَ القصصِ القصيرة "أوشام سرية" للقاصةِ هيام الفرشيشي، ينسى نفسَهُ بعيداً عنهُ قريباً من عوالم هذه القصص، هذا النسيانُ لا يتأتى بسهولة لمتلقي اليوم في عصرِ توافرِ المعلومات بكثافةٍ عاليةٍ أكثفُ مِن نخيلِ العراق، مما توفرُ مخيالاً واسعاً في ذهن المتلقي يُمكْــنهُ مِن توقع ما تؤل أليه القصة القصيرة.

في هذه المنطقة من وعي التلقي تولدُ صعوبةُ الانغماس في عالم القصة المعاصرة، وعلى قدر هذه الصعوبة ينبلج فن القاصة هيام الفرشيشي ببناء قصصها حيث ينشط الخيال وتزداد كثافة اللغة ويرتفع ضغط العبارة فيغدو المزج بين الحلم والواقع، وبين الأسطورة واليومي المعاش في عفوية الفن وعناقِ اللغة للغة لتُولد لغة ثرة مكتنزة بالمعاني في صياغات جديدة للجملة تتماهى من اللغة الشعرية، تاركةً في ذهن القارئ بصمة الإبداع، ومن مثل هذه الجمل في قصة "أرملة العنكبوت": "تغزل النسوة خيوط حكاية العنكبوت الأرملة كلما تجمعن وسط الدار، كل واحدة بيدها المغزل لفتل ألياف الصوف مع بعضها لتشكل خيطاً من خيوط حكاية .. العنكبوت المسخ" حيث يحتال السياق الدلالي على المتلقي بنقله من عالم حكائية النسوة المُتوقع فيما بينهن عن العنكبوت الأرملة وسط الدار في أجواء قد تكون للسمر مثلاً أو لمناسبة اجتماعية ما؟

هذا الاحتيال الدلالي ينقل المتلقي إلى عمل أيديهنَ والغزل اليومي الذي يقرب للذهن كيفية عمل العنكبوت لنصب شراكها من اجل الضحية القادمة وهذا التقريب يتأتى من فرض طوق محكم بالمعنى المُراد على ذهن المتلقي من خلال الجملة الفعلية في نهاية السياق "لتشكل خيطاً من خيوط حكاية.. العنكبوت المسخ"، ومثل هذا السياق الكثير في قصة "أرملة العنكبوت" مما يمنحُها أنساقاً تسرق المتلقي من نفسه حتى ينساها تماماً، إما في قصة الخنفساء الهرمة: "يستيقظ الحنين إلى المعنى .. قطة تتثاءب يتفتح بين أهدابها شعر مزعوم.. كلمات قدت من صخب العدم كسحب تتفرق وتتباعد، واصل سيره إلى شاطئ البحر، وقد تفتح الشعر لؤلؤة في صدفة ملقاة على الشاطئ، روح تشق الصخر، تنام بين مرايا الموج وتنهض على حلم قديم. جال بين الحروف يقرأ صوره".

بين لغة الشعر والنثر هنا شعرة من لزوجة الخيال، أنْ سحبتَها إلى منطقة أعمق من هذا، أرختِ الدلالةُ النثرية نفسها لتتحول إلى مدلول شعري، وأنْ تركتها فضحتْ سرها الدلالي المبني على الفصل دون الوصل في الجملة مما يُزيد انغماس المتلقي بعالم القصة، باستعمال النقط المتتالية حيث: الجملة الفعلية "يستيقظ الحنين إلى المعنى .." وتأتي نقطتا التوالي (..) هاهنا يذهبُ ذهن المتلقي إلى أي دلالة يستيقظ الحنين؟ ثم تأتي الجملة الاسمية التالية: "قطةٌ تتثاءب يتفتح بين أهدابها شعر مزعوم" مُكثفةً دلالة غير مألوفةٍ في سياقها النثري البتة، وفيها من الشعرية الكثير خصوصاً عندما أردفت القاصة هذه الجملة بجملة فعلية غير متوقعة للمرة ثانية وبلغة أكثر جدة وحداثة "كلمات قدّت من صخب العدم كسحب.. تتفرق وتتباعد" للتعبير عن حالة نفسية وهي الحنين.

وهكذا تتواصل هذه الجمل بخلق وإبداع عالم جديد على المتلقي، عالم لا يستطيع توقعه في هذه اللغة الثرة التي حازتْ على الدهشة والغرائبية بعفوية الكتابة لهذه التراكيب اللغوية الصادمة للذهن، أكيد ستخرجهُ من عالمهِ إلى عالم قصة الخنفساء الهرمة، وهنا أشير إلى أن أغلب قصص المجموعة اعتمدت الفصل بالنقاط المتتالية أو الفارزة مع تراكيب لغوية جديدة الصياغة أسهمتْ ببناء هيكلة السرد القصصي بفنيّة جمالية احترمتْ عقل المتلقي، ومثلُ القصتين السابقتين قصةُ "عرس الذيب" وقصة "عتبات الذاكرة" من حيث الفن واللغة والخيال وتراكيب الجملة، وكذلك الموضوع في هذه القصص الأربعة "أرملة العنكبوت": صراع القيم الإنسانية والسلطة، وقصة "الخنفساء الهرمة": أزمة الثقافة العربية اتجاه الواقع، و قصة "عرس الذيب" وقصة "عتبات الذاكرة": المرأة في المجتمع العربي، حيث يتماهى أسلوب هذه القصص من سرد "رواية المسخ" لكافكا.

ومن القصص الواقعية: قصة "ظلال القرية"، وقصة "البحث عن المعنى المفقود" المرتكنة إلى لعبة تشغيل ذاكرة الشخوص في النص القصصي وهذا النوع من التشغيل يساعد المتلقي على انفلاته من نفسه باتجاه شاطئ الفن اللغوي في القصتين، ومثلهما قصة "عتبات المدينة" حيث ارتكنت القصة على الذاكرة المشحونة بالأسطورة للشخصية كما اعتمدتْ حركة اليوم الواقعية، وهي تشابه قصة "عتبات الذاكرة" من حيث هذا الارتكان إلى الذاكرة في بناء القص على الرغم من اختلاف انتمائهما إلى مدرستين متباينتين، وهذه القصص مِن ذات الخيال واللغة المكثفة والفصل في الجملة بل من ذات الفن لذلك لهما نفس التأثير في سحب المتلقي إلى شواطئ القص وما دمنا نتحدث عن اللغة لا بد من الإشارة إلى أن استعمال بعض المفردات الشعبية في قصص هذه المجموعة من مثل أسماء الأطعمة، قد أعطت هذه المفردات نكهة تونسية للقصص، كما كان للفضاء الزمكاني فيها طعما تونسياً، أما مِن القصص الواقعية أيضاً والمختلفة عن سابقاتها، فقصة "مدارج العودة" حيث ينتقل المتلقي إلى شوارع اسكتلندا وأثارها كما بدأت القصة بهذه السطور:

"عند انطلاق السيارة نحو مطار ادنبورغ فجراً إذ الضوء يغمرُ السماء في مثل هذه الفترة من السنة في الشارع الهادئ، استنشقت رائحة العشب المغسول بالندى في ذلك الهدوء الآسر، وبدأت صور المكان ووجوهه تطل أمام عيني من الشوارع التي تتفرع عن المدينة والتي أغادرها مع الساعات الأولى لليوم الجديد.. حين جبت هذه الشوارع عادت إلى ذاكرتي مقولة المؤرخين الذين رأوا في القصر الشامخ في المدينة تاريخ اسكتلندا. كرسي مرتفع شيد فوق ربوة يمكن ملوك اسكتلندا من مشاهدة المدينة".

يذهب المتلقي إلى هناك بهذه اللغة الآخذة والصور الحيّة، حتى يتسع الخيال المخلوط فيه الحلم بالواقع كنهر متدفق ..، منه نهاية القصة: "فدبت الحركة بعيني وصارت تجذب الشريط الروحي فتتفصد الحركة في الجسد وتهرب الكائنات العزرائيلية الصفراء بعيداً.. لكزني أحدهم بمرفقه، صرخت وقد شعرت بالطائرة تتدحرج. تراءى لي وجه المسافر الذي يجلس بجانبي وقال بلغة انجليزية: "ـ أفيقي، لقد وصلنا إلى بلدك"، وهنا يمرّ ببالي ما قرأتُ من قصص مصطفى لطفي المنفلوطي التي ترجمها عن الفرنسية، وروايات يوسف إدريس وغيرها، حين كانت تنقلني تلك القصص والروايات إلى باريس، نعم مازالتْ تلك المدن وطباع شعوبها المتحضرة تُغري بما نقرأ فننسى أنفسنا نحن الذين لم نصلها، أما مَن زارها أو عاش فيها ،فسوفَ يجد نفسه تذهب به إلى ذكرياته الأولى هناك، وفي الحالتين فأنّ المتلقي لهذا النوع من القصص سوف ينسى نفسه خصوصاً إذا كانت اللغة ناضجة وأتت أكلها بأسلوب رشيق وقوام أهيف للجملة كما قرأتُ في قصة "مدارج العودة"، وفي قصة "طائر الأحياء الخلفية" يتكاثف الخيال واللغة معبران عن واقع حلم الفقراء بالحرية والخبز في معاناتهم اليومية، يريدون أن يكونوا كالعصافير حين تزقزق بحرية، حيث يأخذك أكثر من صوت في هذه القصة إلى شواطئ زقزقة العصافير والمطربة فيروز والى صوت الريح وصوت النفس المكبوتة الحالمة بغدٍ أجمل، فتداخلتْ تلك الأصوات في إيقاع منسجم للغة كأنك تسمعها فعلا ولا تقرأها، أنها قصة مزيج الحلم بالألم الواقع.

أما قصة "الموج والصخرة" فقد كانت من الواقعية التي لبست ثوب الرومانسية في طبيعة ثرة بالمطر والفناء، واحتفال الخيال الفني بلغة الشعر وتتابع مزدحم لحركة الشخوص مما يؤكد انزياح ذهن إلى الانغماس في القصة.

وفي جميع هذه القصص ينشط الخيال وتمطرُ كثافة اللغة ويرتفع منسوبها فيغدو الحلمُ واقعاً، وتختلط الأسطورة باليومي المعاش بعفوية الفن المُعبر عن ألم الواقع الحياتي نتيجة اهتزاز منظومة القيم الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية حتى يكون "الفنُ لعبٌ لكنهُ لعبٌ مؤلمٌ" فهذا الألم الذي فرضه وعي القاصة هيام الفرشيشي مثـْل معادلاً موضوعياً في فنها القصصي، هو ذات الألم الذي كبتتُ عن مثله دراسات الشعر والقصة في العراق، وأعيشهُ كلَّ يومٍ، هو نفسهُ الذي دفع الفنانة القاصة الفرشيشي إلى كتابة قصصها "أوشام سرية" بأسلوب كافكا مرةً، وبأسلوب المدرسة الواقعية...، عن صراع القيم الإنسانية مع اللإنساني في واقعنا الاجتماعي الذي تغير من مجتمعات كانت محكومة بالدكتاتوريات إلى مجتمعات مفضوحة باللإنساني في تعامل أغلب قواها السياسية الاجتماعية مع الثروات الوطنية وكأنــها غنـائم حرب! وأفرادٍ يلهثون خلف السلطة والأضواء والأرباح في أغلب وطننا العربي، لهثٌ وركضٌ يسحق أي شيءٍ أمامه! وأنظمة عربية أخرى مازالت قائمة تتدخل في مصير شعوب وأفراد بل تقتل الإنسان في كثيرٍ من الأحيان، والإشكالية ها هنا أن جميع هؤلاء القتلة جماعات وأفراد وأنظمة، يدّعون أنهم مسلمون!

لكن السؤال: الشعوب التي تُقتل والإنسان الذي يُقتل يومياً في وطننا العربي أليس مسلماً؟! ولمحصلة مَن هذا الخراب كلــه؟! بهذه المرارة هذا الألم نعيشه يومياً. وقد قرأتهُ هنا بفنِ هذه القصص، وهذا الكشف الجلي الذي أقدمهُ هو دعوة إلى مراجعة وقراءة الذات العربية حاكماً ومحكوماً، أفراداً ومجتمعاتٍ، قراءة بصدقٍ وأمانة، في البحث لإيجاد حلول ناجعة بطرق علمية، لجميع مشاكلنا مع أنفسـنا، ومع الآخر أيـّــاً كان الآخر مختلفاً معنا فهو بشـرٌ مثلـنا فـ "البشر سواسية كأسنان المشط" هذه كلمات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الأولى في أول أيام دعوته.