المرأة والعنف

تتعدد وتتنوع مصادر العنف الموجه ضد المرأة وفاعليه، فهناك الفعل اللفظي وهو المتمثل في الإهانة اللفظية والسب وتحقير المرأة وتعنيفها بكلمات نابية تهدف إلى الإقلال من شأنها وافقادها الثقة بنفسها، وكذلك التحرش اللفظي بالمرأة، وهناك العنف المعنوي والذي يلحق ضررا نفسيا بالمرأة وهذا العنف تتنوع أشكاله وصوره، فهناك العنف المتمثل في إهمال المرأة وعدم الإلتفات لاحتياجاتها ومطالبها ومشاعرها وهناك العنف المتمثل في حرمانها من الحب والرعاية والإهتمام، وهناك العنف المتمثل في الخيانة وعدم احترام وجود المرأة في حياة الرجل، وكل الأنواع السابقة تتضمن أشكالا معنوية تلحق ضررا نفسيا بالغا بالمرأة قد يصل إلى درجة المعاناة من بعض الأمراض العضوية والتي في أساسها هي أمراض نفسية، النوع الأخير من العنف هو العنف الفعلي أو البدني والذي يهدف إلى إلحاق الضرر الجسدي بالمرأة، كالضرب، والتعذيب، والتحرش الجنسي اللفظي والإغتصاب أو حتى محاولة اغتصاب المرأة وأعمال السخرة والتي يتم اخضاع المرأة فيها لأعمال شديدة القسوة بمقابل مادي زهيد أو بغير مقابل في كثير من الأحيان.

إن التنوع في العنف الموجه ضد المرأة لا يقتصر على التنوع في أشكال العنف وإنما يشمل التنوع في المرتكبين لفعل العنف، وهنا يمكننا التفرقة بين العنف الفردي والعنف المجتمعي فالعنف الفردي هو ذلك النوع من العنف الذي يقوم به رجل بمفرده تجاه المرأة (أب، أخ، زوج، حبيب، صديق أو في بعض الحالات ابن). وهذا العنف يختص بمن يقوم بفعل الإضرار وبمن يقع عليه الضرر ولا يصل الضرر هنا إلى المجتمع، وتتنوع أشكال العنف هنا ويمكننا الحديث عن التعذيب والضرب والإهانات اللفظية التي تتعرض لها المرأة من الرجل كنتيجة لقيامها بفعل أو امتناعها عن فعل معين، أو ربما في بعض الأحيان يحدث نتيجة لحالة مزاجية سيئة يمر بها الرجل أو نتيجة لتعاطيه الخمر أو المواد المخدرة، والضرر الذي يلحق هنا بالمرأة يكون واضحا للعيان في أغلب الأحيان ويمكن رؤيته بالعين المجردة وقد يصل في ذروته إلى إلحاق عاهات مستديمة بالمرأة التي ترفض غالبا ولاعتبارات أسرية بحته أن تلجأ للشرطة والقضاء من أجل ايقاع العقوبة بالفاعل.

كما يتضمن العنف الموجه ضد المرأة أفعالا معنوية يقوم بها الشريك أو الأبناء مثل الحرمان العاطفي من الحب والإهتمام بها وبمشاعرها والتقدير، فكثيرا من الأحيان يقوم الشريك بنسيان أن هناك امرأة في حياته لها حقوقا معنوية هامة ويجب عليه أن يقوم بها، ويتصور أنه وحده الأحق بالرعاية والإهتمام وتلبية رغباته واحتياجاته ويمنح نفسه الحق في ارتكاب ما يشاء من أفعال بما فيها في الحالات المتطرفة الخيانة ويجب على المرأة ألا تحاسبه أو تغضب لكرامتها أو ترفض هذا الوضع أو تناقشه معه وإن فعلت فعليها أن تتوقع العقوبة التي يراها الشريك مناسبة وهي تتدرج من الإهانات اللفظية والإستهزاء بها وبمشاعرها والتهديد بالهجر أو بالهجر الفعلي لترغم المرأة على قبول ما لا يمكن أن يقبله حر ذو كرامة ومشاعر ترفض الإذلال.

الخيانة هنا فعل معنوي يراه الرجل حقا له يجب أن تتقبله المرأة وتخضع له أو لترحل عن حياته، فهو حق يكفل له لمجرد كونه رجل في مجتمع ذكوري يرى في تعدد علاقات الرجل انتصارا ذكوريا ودليل رجولة ولا يتناقض مع حقوق المرأة التي يجب أن تخضع وتصمت.

ومن العنف الفردي الموجه للمرأة وخاصة المرأة المسنة هو اهمال وجودها وتركها بمفردها وعدم الإهتمام بها من قبل أبنائها الذين يتناسون في هذه الحالة أن هناك أم قد تعبت من أجل أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، وفي بعض الأحيان نرى أن العنف يشمل ضرب هذه الأم أو حرمانها من النقود والمأوى.

من أنواع العنف الفردي الجسدي الموجه تجاه المرأة وهو فردي بالدرجة الأولى ولكنه مجتمعي في العقوبة هو الإغتصاب والتحرش الجنسي، فهذا النوع من الفعل يقوم به فرد أو مجموعة أفراد ولكن المجتمع بأسره يعاقب المرأة عليه وينظر لها على أنها امرأة قد دفعت بسلوكياتها أو بسبب ما ترتديه من ملابس الرجال للتحرش بها والإعتداء عليها ولهذا يجب أن تعاقب مجتمعيا وأسريا ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى قيام أسرة المعتدى عليها بقتلها للتخلص من عارها، وقد تجبر المرأة على الزواج ممن قام بالإعتداء عليها وهو نوع أخر من القتل ولكنه نفسي ومعنوي.

من أنواع العنف الفردي الموجه للمرأة والذي يلقى ترحيبا مجتمعيا ما يسمى بجرائم القتل من أجل الشرف، ففي بعض المجتمعات يحق لبعض أفراد أسرة المرأة أن يقوموا بقتلها لمجرد الشك في سلوكها وينظر لهم في هذه الحالة على أنهم أبطال صانوا العرض وثأروا له.

ولا يقتصر العنف كما سبق القول على العنف الفردي ولكن هناك العنف المجتمعي والذي يكون في الأغلب عنفا معنويا، يتمثل في نظرة المجتمع الدونية للمرأة والإقلال من شأنها وإعلاء شأن الذكر، المجتمع وخاصة في الدول النامية يسلب المرأة كثيرا من حقوقها ويمنح الرجل أكثر من حقوقه ومن ترفض ذلك ينظر إليهاعلى أنها امرأة بلا أخلاق يجب أن تعاقب وتختفي من المجتمع حتى لا يمتد سلوكها هذا إلى قطاع أكبر من النساء، المجتمع الذي يتقبل كل ما يفعله الرجل ويراه حقا مقدسا له لا يجب انتزاعه أو مناقشته هو شريك أساسي في العنف الموجه للمرأة.

وتبقى المرأة التي تقبل بأن تتعرض لكل ما سبق وتسكت فاعلا أساسيا وشريكا في الجرم الموجه لها، فالعنف لن ينتهي مالم تقتنع المرأة بأنه يجب أن ينتهي وأن يتوقف وأنها يجب أن تفعل شيئا من أجل ايقافه ومعاقبة مرتكبيه، غالبا ما تصمت المرأة خوفا من العقوبة التي ستوجه إليها إن قامت بالإحتجاج على ما يحدث لها، أو حاولت أن توقف هذا العدوان وهذاما يشجع على زيادة عنف وشدة الأذى الموجه لها.

عزيزتي المرأة أنتِ البداية في أي محاولة لإيقاف العنف الموجه ضدك، فأنتِ من تقومين بتربية الأجيال الجديدة وأنتِ من يجب أن تبدأ بمحاولة تغيير هذه الثقافة الموجهه ضد المرأة وبغير ذلك سنبقى نكتفي بأن نحتج كلاميا على ما يحدث لنا دون أن نوقف ما نتعرض له.