القيم الغربية تزحف على ضيَع لبنان

شتان بين الامس واليوم

بيروت - غزت الحضارة الغربية أكثر القرى اللبنانية التي طالما احتفظت بطابعها التراثي والتقليدي المتعارف عليه لتحدث في صلبها تغييرات اجتماعية واقتصادية ومعمارية جوهرية.

وفي الريف اللبنانيّ يرافق تمدن القرى إرتفاع أسعار الأراضي فتتراجع النشاطات الزراعيّة مقابل الغزو العقاري، وتتحول الأرض إلى قيمة عقاريّة، ليتلف غطاؤها النباتي بإنتظار من يشتريها.

فمن يتجول في ربوع لبنان اليوم يلاحظ موت روح القرية، بسبب امتداد شبكة الطرق الحديثة وتدميرها للصخور والمناظر الطبيعيّة.

واللافت أن الكثير من مظاهر الحياة الريفية اللبنانية البسيطة اختفت، فلم تعد هناك مغازل أو مناسج يدوية، ولا تربية تقليدية للدواجن، وحتى الفلاحة غزاها الجرَّار والآلة الحاصدة والبيوت البلاستيكية والأسمدة الطبيعية لتحل محل المحراث الخشبي والمنجل.

كما اختفت الكثير من المأكولات التقليدية المحلية وغزت المعلبات والمصبرات والمأكولات الجاهزة مختلف المحال التجارية وانتشرت محال البيتزا، وغزا البرابول أسطح معظم البيوت وانتشر المحمول وقاعات الإنترنت على نطاق واسع.

ومع غزو الملابس العصرية وفي مقدمتها الجينز للقرى والضيع اللبنانية خفت نجم الملابس التقليدية الاصيلة على غرار الشروال الذي يرتبط بلباس الطربوش الأحمر والعباءة لدى السيدات المصنوعة من الحرير المستخرج من دود القز.

كما اصابت العلاقات الاجتماعية موجة فتور بعد ان غزت التكنولوجيا العصرية جميع البيوت وأصبحت الهواتف والذكية وأجهزة الكمبيوتر وسيلة للتواصل والتخاطب بين ابناء الضيعة لا سيما في صفوف الجيل الجديد.

ورغم ان بعض القرى اللبنانية مازالت تحتفظ بتراثها اللبناني في طابعه القديم وبيوتها وعاداتها واعيادها ومواسمها وأكلها ولبسها الان ان المعمار الحديث والعصري غير شكل معالم ضيع اخرى لقربها من المدن، أو الساحل، أو لانتشار الحركة التجارية والسياحية فيها.

ولبنان كان بلدا ريفيا بامتياز في اوائل القرن التاسع عشر، حيث ارتبط الريف اللبناني بانتاج الحرير وغزله وتوجهه تدريجيا نحو التصدير الى فرنسا.

وتختصر البيوت التراثية حكاية تاريخ وجغرافيا وحضارة دولة وشعب باكاملها.

ولطالما كانت بيوتها التراثية القرميدية العتيقة التي تنتشر على مداخلها أشجار الزنزلخت أمام الكنائس والباحات، تعكس جمالا وأناقة في تصاميمها، لكنها اليوم تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعد أن غادرها أهلها ظنا منهم أن الحداثة أجمل.

فبلدة حاصبيا على سبيل المثال (جنوب لبنان) لطالما كانت شبيهة بإيطاليا بأزقتها الضيقة وبيوتها المتلاصقة وأدراجها العملاقة، التي تحملك من حي إلى آخر أكثر جمالا.

وعلى الرغم من إدراج وزارة السياحة البلدة، ذات المعالم التاريخية والفن العمراني المميز، على لائحة المناطق اللبنانية الأثرية، فإن أبنيتها الأثرية لا تزال تتخبط في دائرة الإهمال والنسيان.

ومن هنا ولد مشروع "ستوب رجعني" التراثي في وقت سابق بهادف إعادة رونق واشعاع تلك المنازل.

والمشروع يقوم على التقاط الصور، يؤرشفها، ويظهر جماليتها، في بلد تناسى قيمة المنازل التراثية.

وقالت المهندسة المعمارية اللبنانية مروة علوان، صاحبة المشروع "بيوت حاصبيا شاهدة على جمالية العمران وإهمال المواطن، لقد باشرنا بحماية المواقع والمنازل التراثية وبأرشفة الصور الفوتوغرافية وإدراجها في ملصقات، لأننا بتنا على مشارف فقدان أثر الجدود وقيم التاريخ".

واضافت: "مشروعنا يهدف إلى حفظ إرث الأجداد، ووقف هجمة التدمير المتصاعدة للمعالم الأثرية والأبنية القديمة، لا سيما الحجرية والقرميدية".

وشدد رئيس جمعية محترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون بلبنان شوقي دلال، أن العمارة التراثية في لبنان وضرورة المحافظة عليها، كانت ولا تزال من أولويات عملنا وأهدافنا منذ سنوات عدة.