كربلاء: هل عادت الرُّؤوس؟

لا خلل في الاحتفال لكن الخلل أن تعطل المصالح العامة

تُعد زيارة ضريح الإمام الحسين بكربلاء، حيث قُتل ووري جسده الثرى، تقليداً دينياً راسخاً، أخذ منحى الواجبات. وتُعرف بالزيارة، التي تُقام عادة في العشرين من صفر، وهو يصادف اليوم، وهناك مَنْ يعزو هذا التقليد إلى مرور الأسرة المنكوبة على كربلاء بعد أربعين يوماً من عاشوراء، وهي في طريقها من الشام إلى الحجاز. بينما عزتها روايات أخرى إلى مناسبة عودة رؤوس القتلى لتدفن مع أبدانها في المكان المعروف. ولا يُغيب عن البال أن التأبين بعد أربعين يوماً على الوفاة تقليد سائر لدى الشُّعوب والقبائل.

ومع رسوخ الاعتقاد بفضل الزيارة، وارتباطها برد رأس الإمام إلى بدنه بكربلاء، إلا أن تعدد أمكنة مدفن رأس الحسين تبعث على الحَيرة والفضول المعرفي. لذا وجدت نفسي، وأنا أقلب النظر في فضاء ضريح الحسين بالقاهرة، مستفسراً من السادن الشَّافعي: «هل يضم الضريح الرأس الشريف فقط»! أجاب بنفرة: «لا تقول هذا! فيه الجسد والرأس معاً»! قلت: «أنا من العراق، ومن العشيرة التي دفنت جسد الإمام هناك بلا رأس»! قال: «الشِّيعة يكذبون»!

وأردف مفسراً وجوده بالقاهرة: «لما دُفن الرأس هنا بمصر، رغبة من شقيقة صاحبه السَّيدة زينب، حملت الملائكة البدن وألحقته به»! عندها رددت على السادن: «وهل تريد القول إن الضريح الذي نزوره بكربلاء خالٍ من الرأس والجسد»؟ قال: «ما قلت لك هو الصحيح»! وأشار إلى زاوية مقفلة في داخل الضريح قائلاً: «هذه، فيها أسرار لا يعرفها إلا صاحبها»! ولم يدلني مَنْ هو صاحبها! ومثلما تعددت أضرحة رأس الحسين، تعددت أضرحة السَّيدة زينب، فهي بدمشق والقاهرة أيضاً.

حقيقة، دفعتني حكايات سادن الضريح بحي الحسين الشعبي، اليقظ ليل نهار، إلى مراجعة سيرة الرأس لدى المرجع الشيعي محسن الأمين (ت 1952)، والمبثوثة في كتابه «لواعج الأشجان»، ثم «أعيان الشِّيعة»، وردت تحت عنوان «مدفن رأس الحسين عليه السَّلام»، وبعدها «مشهد رؤوس العباس وعلي الأكبر وحبيب بن مظاهر بدمشق». بيد أن السَّيد الأمين بدوره أدخلني في حَيرة بين سبعة احتمالات، ليست تأكيدات السادن المصري واحدة منها.

الأول: إن الرَّأس دفن عند ضريح والده الإمام علي بن أبي طالب بالنَّجف.

الثاني: دفن مع الجسد بكربلاء، ورواية ترى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز (101هـ) تصرف به بعد أكثر من ثلاثين سنةً، ولا يُعلم ما فعل، إلا أن لصلاح الأخير يُعتقد أنه ألحقه بكربلاء.

الثالث: إنه مدفون في مكان ما بظهر الكوفة.

الرابع: إنه دفن بالمدينة عند قبر والدته فاطمة الزهراء.

الخامس: إنه بدمشق، دفنه هناك سليمان بن عبد الملك (ت 99 هـ)، بعد أن طيبه ووضعه بخمسة أثواب من الديباج، حيث مشهده الآن عند الجامع الأموي.

السادس: إنه دفن في تربة مسجد بالرقة على الفرات.

السابع: نقله الخلفاء الفاطميون من دمشق إلى مصر، وقيل أمر الخليفة الفاطمي أن يستخرج الرأس، فاستخرجوا رأساً قالوا: إنه رأس الحسين، حيث الضريح المعروف بالقاهرة.

وما أظنه، أن الاحتمال الخامس هو الأرجح، هذا من الناحية المعرفية، أما من الناحية التقديس فهو في الأمكنة السبعة كافة. أتيت على هذا الاستطراد لكثرة التساؤل حول سر تعدد أمكنة رأس الإمام، ورأيتم كيف حسمها السادن المصري، وقد لا تحمد العواقب لو جرى الحوار مع السادن العراقي!

على أية حال، وفي أي مكان أستقر الرأس، فصاحبه مكتملٌ في المخيلة وفي القلوب. لكن، مهما كانت مناسبة إعادته إلى كربلاء مقدسة، وذات دلالة، تبقى الأنفس أقدس منها. ومثلما بدا أخذت زيارات العتبات المقدسة، وتلبية الشعائر طابع التظاهر بأجساد العراة والحفاة، وعلى وجه الخصوص عندما تحشد الجموع في هذا الظرف الدامي من أجل بلوغ الزيارة (المليونية)! مع أن مسؤولية قتلى جسر الأئمة في آذار 2005، الألف والثلثمئة ويزيد، كانوا ضحايا دعاة زيارة مليونية أيضاً، بل ضحايا الترويج الإعلامي، لا شهداء الشعائر مثلما وُصف الغرقى في حينها!

أما بقية رؤوس القتلى وهم زادوا على السبعين، من ذوي الإمام الحسين وصحبه، فإن هناك مشهداً أو ضريحاً داخل مقبرة تعرف بـ "مقبرة باب الصغير" بدمشق، يعتقد أنه حوىعلى رأس العباس بن علي بن أبي طالب، وعلي الأكبر بن الحسين، وحبيب بن مظاهر الأسدي، أبرز أنصار الحسن، من خارج عائلته. هذا ما شاهده محسن الأمين (ت 1952). هذا وآية الله مرتضى مُطهري(اغتيل 1979) عدَّ يوم الأربعين من المحرفات(الملحمة الحسينية).

رشيد الخيُّون

باحث عراقي