الأحزاب السياسية وفشل الديمقراطية

تعد الأحزاب السياسية أحد أهم الوسائل المؤدية للتحول الديمقراطي الناجح ورسوخ الديمقراطية في أي مجتمع من المجتمعات وخاصة في المجتمعات التي تتسم بتنوع شديد في الجماعات الإثنية فيه. فالأحزاب السياسية والتي يمكننا تعريفها بأنها تنظيم يتكون من مجموعة من الأشخاص تربطهم روابط معنوية وفكرية ومصالح مادية مشتركة، ويعمل هؤلاء الأفراد على التنافس بطريقة سلمية مع الآخرين من أجل الوصول إلى الحكم والسلطة وتنفيذ برامجهم وأهدافهم.

وتلعب الأحزاب السياسية دورا هاما في انجاح أو افشال عملية التحول الديمقراطي في أي بلد من البلدان وخاصة في الدول ذات التعددية الإثنية الشديدة وذلك للأسباب التالية:

السبب الأول: أن الأحزاب السياسية خاصة في حالة عدم قيامها على أساس اثني أو طائفي، وفي حالة كون عضويتها مفتوحة بدون شروط أمام كل أعضاء المجتمع ستعمل على خلق ما يسمى في علم السياسة الإنتماءات المتقاطعة والتي تعني انتماء الأفراد إلى عدد من المجموعات المنظمة أو غير المنظمة ذات المصالح المتنوعة مما يقلل من حدة الإنقسامات الإثنية في المجتمع الواحد ويخلق مصالح مشتركة بين أفراد المجتمع الواحد، وهذا الدور هو من أهم الأدوار التي تقوم بها الأحزاب السياسية في المجتمعات المتقدمة حيث نجد أن العضوية في هذه الأحزاب لا تكون قائمة على اعتبارات اثنية أو طائفية ولكن على اعتبارات موضوعية وهذا يساعد في أن تلعب هذه الأحزاب دورا فاعلا في عملية التحول الديمقراطية ورسوخ الديمقراطية في هذه المجتمعات.

السبب الثاني: تلعب الأحزاب السياسية دورا هاما في تشكيل الثقافة السياسية في أي مجتمع من المجتمعات، فإذا امتلكت هذه الأحزاب ثقافة ديمقراطية حقيقية ورغبة حقيقية في انجاح عملية التحول الديمقراطي فإنها ستقوم بنشر الثقافة الديمقراطية بين أعضاء المجتمع، وستقوم بغرس مجموعة من المبادئ القائمة على الإعتراف بحقوق كل الأحزاب للتجمع والتنافس والتعبير عن وجهة نظرهم في قضايا السياسات الوطنية، كما تساعد الأحزاب في ترسيخ ثقافة قومية موحدة وذلك عبر إيجاد وخلق نظام للقيم والإتجاهات يوائم المتطلبات السياسية وعليه ففي ظروف التغيير الراديكالي تعد الأحزاب السياسية بدائل سياسية امنة لتجميع افراد الجماعات الإثنية المختلفة والتوفيق بين مطالبهم المتعددة.

السبب الثالث: إن وجود الأحزاب السياسية يرتبط بصورة عكسية مع العنف وعدم الإستقرار السياسي، فوجود الأحزاب السياسية خاصة في حالة عدم قيامها على أساس اثني يساعد على دمج هذه الجماعات في المجتمع، ويساعدها في ايصال مطالبها للنظام دون اللجوء إلى العنف، كما ستساعد هذه الأحزاب على زيادة المشاركة السياسية وانتفاء أسباب شعور بعض الجماعات الإثنية في المجتمع بالاغتراب السياسي والظلم والتهميش.

السبب الرابع: إن وجود الأحزاب السياسية القوية والمؤثرة في الشارع السياسي سيؤدي إلى محاربة الممارسات الفاسدة والإنتهاكات الإنتخابية والتزوير وبالتالي ستكون نتائج صندوق الإنتخابات معبرة بدرجة كبيرة عن إرادة الناخبين ورغباتهم.

السبب الخامس: أن الأحزاب السياسية القوية والفاعلة تلعب دورا هاما في التجنيد السياسي وتأهيل وإعداد الأعضاء الجدد المؤهلين نتيجة للتدريب والخبرات في تولي المناصب الحزبية على تولي المناصب الهامة في الدولة والقيام بعملهم وفقا لأسس الكفاءة والخبرة والشفافية.

السبب السادس: أن الأحزاب السياسية القوية هي القوى المؤهلة لممارسة دور الرقابة الفعالة على أعمال الحكومة، والقادرة على محاسبة هذه الحكومة وفق الطرق الدستورية التي يحددها القانون في حالة وجود تقصير في أدائها لعملها.

وتتوقف قدرة الأحزاب السياسية على أداء كل المهام السابقة على مدى ايمانها بالديمقراطية وتطبيقها للديمقراطية في تنظيمها الداخلي وفي تبادل المراكز القيادية داخل الحزب بوسائل ديمقراطية، كما تتوقف قدرة الأحزاب السياسية على أداء المهام السابقة على مدى امتلاكها للموارد المادية التي تساعدها على التواجد بقوة في مختلف أرجاء الدولة من خلال المقرات الحزبية، والأنشطة الحزبية المختلفة القادرة على الوصول إلى كافة أرجاء الدولة.

ولو نظرنا إلى واقع أحزابنا السياسية لوجدنا أنها تفتقد لكل ما سبق وهو ما يجعلها تساهم بصورة أو بأخرى في افشال عملية التحول الديمقراطي، فهي غالبا ما تقتصر العضوية فيها على اعتبارات اثنية أو دينية أو حتى فكرية واحدة، وهذه الأحزاب في أغلبها تنادي بالديمقراطية كشعارات رنانة فقط ولكنها غير مؤمنة بها ويتضح ذلك أن القيادات الحزبية فيها تظل قابعة على قمة الهرم التنظيمي إلى أن تموت هذه القيادات أو أن يحدث انقلاب داخلي في السلطة فيها، كما أن هذه الأحزاب في أغلبها لا تقوم بما يفترض بها أن تقوم به وهو التثقيف السياسي وتدريب الكوادر الحزبية وكل ما تفعله هي أن تلقن أعضائها مبادئها هي وأفكارها وأهدافها هي ولا تتسامح مع المعارض لها من الأعضاء المنتمين لها، كما أن هذه الأحزاب تتزكز قواعدها عادة في مناطق محددة بعينها ولا تسعى للوصول إلى غيرها من المناطق مما يجعل الأساس الإثني أو الطائفي في تكوين وقوة هذه الأحزاب يزداد وبالتالي لا تصبح معبرة إلا عن الجماعات الإثنية المكونة لها مما يزيد من حدة الإستقطاب والذي يصل في بعض الحالات إلى النزاع المسلح، كما أن هذه الأحزاب غالبا ما تعاني من الفساد وتفشي المحسوبية والواسطة والرشاوى مما يجعلها غير قادرة على لعب دور الرقيب على الحكومة أو غير راغبة في القيام بهذا الدور نظرا لأن الحكومة هنا تزيد من فساد هذه الأحزاب وقياداتها باعطائهم بعض المكاسب المادية والمعنوية والتي تجعلهم يفضلون الإحتفاظ بهذه المصالح ويتجاهلون المصلحة العليا للدولة.