رسالة علي الوردي حسبما أعتقد

حاول تسليط الضوء على السلبيات

سألونا يوما ما معنى التاريخ؟ وما مدة تاريخ عقلكم التكويني؟ كم أضفتم عليه وكم أخذتم منه وما انطباعاتكم عنه؟

أسئلة كثيرة طبعها بداخلنا الدكتور علي الوردي من خلال أسئلته ونتاجاته الادبية الاجتماعية الفلسفية، كأنه يقول لا تقبل بما تعرفه فقط .. ابحث واكتشف الجديد، فالجديد حتما سيعطي طريقا آخر للفكر وأسلوبا حديثا يتوافق مع التغيرات الزمنية والفكرية للفرد، اضافة الى الموروث والمتعارف عليه, ليس من السهل الابتكار لكن ممكن، بحيث الابتكار سيضعك في عالم من الاكتشافات المشوقة, البحث غالبا ما يعطي طرقا احيانا قد تكون غامضة واحيانا اخرى قد تكون واضحة يستوعبها العقل البشري بحيث يعطي مفهوما اخر وصورة غير مرئية ومعروفة يحفز فضول الباحثيين ويكثر من استفهاماتهم.

هنا وضعنا الدكتور المتطرف في حب البحث عن سلوكيات الافراد والمغيبات وحقائق تكوين الشخصيات التي غالبا ما تكون ذات علاقة مع البيئة التي ينتمي اليها والابتعاد عن التبعية العمياء التي قد تأخذنا الى الهاوية دون ان نرى الهاوية او نقطة السقوط بعيوننا, لاحظنا في كتابه "وعاظ السلاطين" كيف ينتقد أسلوب التعامل مع الحاكم والطاعة العمياء.

سأطرح انطباعي عن دكتور علي الوردي حسب متابعتي له وقراءتي لمسيرته وبحثه ورسالته الفلسفية عن المجتمع الشرقي والعراقي خاصة وعن نفسية سكانها.

علي الوردي حاول تسليط الضوء على السلبيات التي كان من الممكن ان تتحول الى ايجابيات قبل فوات الاوان، وتكون طباعا وليس صفة الفرد الموروثة جينيا, تسليط الضوء على ان الزمن يتغير ولا يمكن الانحصار ضمن اطار مفاهيم محددة تسير الافراد حسب اعتقاداتها، اضافة الى قراءة واضحة لنفسية الفرد من خلال بيئته الجغرافية ومدة تأثيرها على شخصية الفرد وانطباعه وتسليط الضوء على النمط المعيشي الذي كان يتخذه الفرد من الحيثيات الموجودة دون التطرق الى سلوكيات اخرى، كفكرة تعلم كل ما هو موروث بطريقة مفرطة دون وضع جدليات لهذا الموروث ان يستفسر حول ما اذ كان ما يتعاطاه من قراءته ونتاجاته يلبي حاجاته الفكرية والمعادلة الاجتماعية ام لا.

الوردي وضعنا في فلسفة البحث وعدم القبول بالتبعيات بقدر الاستفادة منها وليس شرطا ان يكون كل ما هو مكتوب صحيح ومتفق عليه.

كان يعرف جيدا نفسية الفرد العراقي وعصبيته الزائدة عن الشعوب الأخرى ومدة علاقتها مع البيئة التي نشأ بها وورثته هذه الطباع.

ماذا لو كان الوردي موجودا الان ويرى ما يحدث في العراق؟

كيف ستكون وجهة نظره فيما يحدث؟

وما تحليله حول النتاجات الطائفية والدينية التي تم زرعها في بنية التكوينية للفرد الشرقي والتعصب المبالغ في شخصه؟

ما الاجابة التي كان يتخذها الوردي على هذا السؤال؟

رأيه فيما يحصل الان في العراق، وهل كانت كتاباته تتكلم عن هذه الفترة، وكانت مخاوفه من نتاجات الفكر الموروث هذه المخرجات التي نراها الآن من ثقافة عدم تقبل الاخر، وجشع الانسان عندما يتحول الى عذر ليبدأ منه اظهار انيابه الطائفية والدينية.

هناك كثيرون من باحثين وكتاب عراقيين كتبوا عن رفضهم لبراثم التبعية الا ان من خلال كتاباته ستجد كلمة في عمق التحليل الفلسفي الذي يتكلم عن التبعية المفروضة دون ان يدرك ذلك الا علي الوردي المؤرخ والباحث عن أسباب تصرفات الفرد وانطباعته وعن النفسية العاطفية التي يملكها كل فرد شرقي يولد في هذه الرقعة الجغرافية.

الوردي حلل أسباب العصبية الزائدة لدى الفرد العراقي وتعلقها بالطبيعة الجغرافية والمناخية إضافة الى عوامل اخرى.

لم يكتب علي الوردي أي كلمة هباء أو مجاملة لكتابته بل كان يقسو على نفسه حتى يطرح ما يريد ايضاحه للقارئ.

حسب ما ادركته من خلال متابعتي للوردي انه في نفس الوقت كان ينتقد من يوافقه الرأي أيضا، كان يبحث دائما عن الجدليات واكتشاف المفروض اكتشافه, هكذا كان علي الوردي حسب رأيي طبعا ولا اعلم مدة صحة ما أراه انا عن هذا الشخص العبقري والمناهض لفكر الموروث والتبعية.

هل حقا كان يعرف علي الوردي نفسية الفرد الشرقي وكان يدرك حجم المخاطر الذي كان يشير اليه خلال كتاباته؟

سؤالي الاخير عن الوردي وفكره الفلسفي في تحليل سلوك الفرد وأطباعه. وهل سيبقى الانسان الشرقي عبدا للماضي وجاهلا بالحاضر؟!