وثيقة الأزهر... في التنوير والإرهاب

الاعتراف بالآخر

في تقديري أن العدو الأول للإرهاب بكل أشكاله وأشكاله متعددة هو التنوير بكل ألوانه وأنواعه . وألوانه وأنواعه أيضاً متعددة . والوطن العربي أو بالأدق الغالبية من أقطاره تمر بأنواع من الارهاب المدمر المتخلف الذي يستربل بلباس الدين ولم يكن الدين الصحيح يوماً من الأيام أيا كان هذا الدين سواء الإسلام أو المسيحية داعية من دعاة الارهاب. ولكن للأسف المر ظهرت جماعات كثيرة تدعي أنها تعمل لنصرة الإسلام وتحت رايته وكل الذي تعمله يصب في النهاية ضد الاسلام وتصوره في نظر الذين لا يعرفونه وهم كثر على أنه دين ارهابي.

حسنا فعل الأزهر الشريف القلعة الدينية السنية التي يتربع على رأسها الإمام الفاضل العالم الدكتور/ أحمد الطيب حسنا فعل الأزهر عندما دعا إلي مؤتمر دولي لم يقتصر على العرب فقط وإنما امتد إلي أمم أخري ولم يقتصر على المسلمين فقط وإنما ضم أيضاً عدداً من الأساقفة والمطارنة .

إن بيان مؤتمر الأزهر كان وثيقة تنويرية بامتياز. عندما أصدر الأزهر وثيقة عن الدولة المدنية الديمقراطية في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير إن هذه الوثيقة تستحق أن تعتبر واحدة من أهم ما صدر من وثائق في النصف الأول من القرن العشرين. ويأتي هذا البيان الصادر منذ أيام لكي يقدم عملا تنويريا رائعا يرد على ما ذهب إليه أهل داعش ومن شابههم من جماعات تسمي نفسها إسلامية وكلها جماعات ارهابية لا أستبعد أن بعضها مأجور للإساءة إلي الإسلام ذلك الدين السمح العظيم الذي لم يدع لشر قط .

الدين الذي تكلم عن السيدة مريم كلاما لم يذكره كتاب قط حتي الأناجيل نفسها لم تكتب مثله ويكفي أن نعرف أن سورة السيدة مريم في القرآن الكريم هي السورة الوحيدة التي تحدثت عن سيدة. لم يأت في القرآن ذكر للسيدة خديجة ولا للسيدة عائشة ولا لسيدة قط إلا السيدة مريم التي اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين .

هل هذا الدين يمكن أن يحرض أتباعه على قتل المسيحيين ؟ هل هذا يقبل من أي إنسان عاقل؟ القرآن الذي يقول "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاري ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون".

لماذا بالله ننسب إلي ديننا الحنيف ما ليس فيه إلا أن نكون مجردين من العقل أو أن نكون عملاء لمن يريدون الإساءة إلي الإسلام وهم يعلمون ما يفعلون .

وأعود الآن إلى وثيقة التنوير التي صدرت عن مؤتمر الأزهر الأخير لأناقش بعض ما فيها والتي أعلن أنني أعجبت بكل كلمة فيها وأؤيد كل كلمة فيها من كل قلبي وعقلي ووجداني .

ولا أجد مانعاً من ايراد بعض نصوص هذا البيان التنويري الرائع الذي اعتبره أحد أهم الوثائق التي صدرت عن الأزهر أو من أي جهة فكرية يعنيها شؤون العالم الذي نعيش فيه .

انظر إلي البيان واصفاً الجماعات الإرهابية التي ترعرعت في السنوات الأخيرة "بأن هذه الجماعات آثمة فكرا وعاصية سلوكاً". وجاء في نص البيان التأكيد على أن المسلمين والمسيحيين في الشرق هم أخوة ينتمون معا إلي حضارة واحدة وأمة واحدة . والعبارة دقيقة . تأمل عبارة "حضارة واحدة وأمة واحدة ".

وقد أكد المطارنة الذين شاركوا في المؤتمر وفي مقدمتهم الأب جورج صليبا على أن الإرهاب كيان طارئ على المنطقة كما أكد هو وغيره من المطارنة والقساوسة وحدة وتماسك المسلمين والمسيحيين في المنطقة العربية وأكدوا أيضاً براءة الأديان السماوية من العنف والإرهاب. إذا كان جوهر الدين يقوم على المحبة والسلام فكيف يلتقي الدين في عمومه بالإرهاب .

وأكدت وثيقة الأزهر التاريخية هذه التي نعرض لها على أن الحل لما يسود المنطقة من إرهاب يكمن في أن تسود المحبة واحترام الآخر ومعرفة كيف نتحاور ونختلف ونتفق ولكن لا نتحارب. وتحت يدي كتاب قيم من إصدارات مكتبة الأسرة في العام 2014 أي العام الذي نعيش في شهره الأخير الآن للأب جورج قنواتي بعنوان "المسيحية والحضارة العربية".

وهذا الكتاب بالغ الأهمية لمن أراد أن يستزيد ولكن من الصعب بل قد يكون نوعاً من عدم التقدير أن نشير إلي هذا الكتاب القيم الذي يستحق الدراسة إشارة عارضة.

ولعل الظروف تسعدني ذات يوم أن أقدمه للقارئ التقديم الذي يليق به.

يحيى الجمل

كاتب مصري