الجزائر تغامر بافتعال قضية 'صحراء شرقية' في ليبيا!

محاولة لتصدير الأزمة؟ ربما

الجزائر ـ ذكرت مصادر ليبية مقربة من حكومة الانقلابيين في طرابلس أن وزير الطاقة والمناجم الجزائري يوسف يوسفي قدم اعتذارا رسميا لماشاء الله الزوي وزير النفط والغاز الليبي في ما تسمى بـ"حكومة الإنقاذ بطرابلس" عن عدم استدعائه لحضور مؤتمر أوبك الأخير في العاصمة النمساوية فيينا.

وزار الزوي الجزائر بدعوة رسمية من الحكومة الجزائرية لتمثيل ليبيا في مؤتمر صناعة النفط والغاز في شمال إفريقيا الذي عقد بالجزائر العاصمة، ما بين 7 و9 ديسمبر.

وقال مصدر اعلامي ليبي مقرب من الحكومة غير الشرعية إن الوزير الجزائري اجتمع مع الزوي الثلاثاء بالعاصمة الجزائر وعبر له عن أسفه الشديد من عدم السماح له بحضور مؤتمر أوبك الأخير، مؤكدا له أن الجزائر لا دخل لها في ما حصل وأن السعودية لتي تهيمن على القرار في المنظمة البترولية الدولية هي التي سعت الى تغييب ممثل "حكومة الإنقاذ".

ونقل المصدر عن وزير "حكومة الإنقاذ" ماشاء الله الزوي أن حكومته "سوف تتخذ الإجراءات اﻹدارية والقانونية حيال ذلك، ومنها عدم دفع اﻻشتراكات السنوية لمنظمة اأوبك والتي تقدر بـ2 مليون يورو".

وقال محللون إن دعوة الجزائر لوزير من حكومة عمر الحاسي غير الشرعية والمقيمة بطرابلس بدلا من وزير النفط والغاز في حكومة عبدالله الثني في طبرق لحضور المؤتمر الإقليمي تمثل إشارة إلى أن الجزائر تعترف عمليا بـ"حكومة الإنقاذ" في طرابلس بعد قرار المحكمة الدستورية في ليبيا حل مجلس النواب في طبرق.

وذكرت مصادر مقربة من الحكومة غير الشرعية في طرابلس في وقت سابق أنها تلقت وعدا من السلطات الجزائرية بالاعتراف بحكم المحكمة الدستورية القاضي بحل مجلس النواب المنتخب وما ترتب عنه من قرارات، دون ان تعلن عن موعد محدد لهذا الاعتراف.

ويطرح ملاحظون أسئلة عديدة عن هذا التوجه الديبلوماسي الجزائري الخطير ضد السير الطبيعي لتطورات الوضع الليبي، وعن السرّ الذي يجعلها بموقع الرافض والمعارض للشرعية في ليبيا بل ولموقف دولي مجمع على أن ما قامت به الحكومة الليبية الانقلابية مرفوض نهائيا ولا مجال للقبول به وبها بديلا عن حكومة طبرق.

وقال مصدر جزائري يرفض الكشف عن اسمه في وسال الإعلام إن الجزائر، بإعلانها لمثل هذا الموقف السياسي غير السوي، فهي تتجه لخلق بؤرة صراع معقدة جديدة في المنطقة التي لم تعد تحتمل اختلافات عميقة بين أي من دولها، خاصة إذا وجد في الطرف المقابل دول تدعم السلطات الشرعية في ليبيا مثل مصر، التي تعهدت بعدم ترك ليبيا للفوضويين والإرهابيين تحت أي ظرف.

وتاريخيا لم تطور الجزائر نفوذا سياسيا قويا في المنطقة يجعلها بموقع الجارة الكبرى التي يلجا اليها عند الشدائد، رغم قدراتها الاقتصادية الهائلة وموقعها الجغرافي المتميز.

ويرجع ذلك اساسا الى ان العقيدة السياسة المتسلطة في الجزائر ماتزال محكومة بروح الاستبداد العسكري التي حكمت البلاد منذ الاستقلال. وهي روح متكلسة ترفض الانفتاح داخليا بما يتيح ظهور جيل سياسي حديث يتصرف بمقاييس العصر مع شعبه، وخارجيا بما يجعلها تفهم ان منطق العنجهية والقوة (المقنع في أغلب الفترات) في التعامل مع دول الجوار قد ولّى عهده وانقضى.

ويقول مراقبون ان الجزائر لن تكون قادرة بكلّ المقاييس على أن تفتعل في ليبيا قضية "صحراء شرقية" هذه المرّة كما يحصل مع جارتها الغربية المملكة المغربية.

ومنذ سبعينات القرن العشرين، ورغم انفتاح الرباط وتنازلاتها من اجل حلحلة هذه الأزمة المفتعلة جزائريا، ترفض الجزائر بشكل متطرف أي استعداد حتى لمجرد نقاش المقترح المغربي للحكم الذاتي للصحراء، والذي سيعفي منطقة المغرب العربي من تكلفة باهظة سياسيا واقتصاديا.

وفي هذا الملف تحديدا والمفتوح منذ عقود، لا يكاد المتابع لشؤون المنطقة يفهم سببا جزائريا واحدا للاستمرار في اصرارها على دعم "استقلال" كيان غير قابل للحياة لأسباب عديدة لعل اهمها اصرار مغربي بات على انه لا مجال مطلقا للتنازل عن وحدته الترابية تحت أي سقف.

ويقول محللون إن فهما لطبيعة الموقف الجزائري في ملف الصحراء المغربية المبني على العنجهية، وعلى هدف اساسي ووحيد هو "إثبات القدرة على مجرد قول لا للمغرب حتى وان انتفت الاسباب"، يمكن ان يفسر بشكل كبير أحد اهم اسباب استعداد الجزائر لمخالفة العالم في الملف الليبي.

ويضيف المحللون بأنه ما يزال مبكرا التحقق مما إذا كانت الجزائر قد أعلنت رسميا دخولها في صراع نفوذ مع جارة ليبيا الشرقية مصر، بأوهام أن القاهرة يمكن أن تنازعها مصالحها هناك.

وكانت الجزائر تحتفظ ببعض المصالح البترولية في ليبيا تعود الى عهد القذافي عندما كانت شركة سوناطراك تشرف على بعض عمليات استكشاف النفط أو تشارك في بعضها.

وبالنسبة لهؤلاء المحللين فإنه لن يكون مستغربا أن تغرد الجزائر مرة أخرى خارج السرب وتخيل لها أوهماها انه بإمكانها أن تستغل بعض المغامرين الليبيين بمستقبل بلادهم لتصنع منهم "أحصنة طروادة" للإمساك بعصب الملف الليبي بالغ التعقيد.

ومايزال الوقت مبكرا ايضا لفهم طبيعة التوجه الجزائري في ليبيا وهو توجه قد لا تواصل فيه كثيرا بحسب تطورات الأحداث، ولفهم ايضا من هي الجهة النافذة في البلاد التي تريد صنع معركة جديدة ربما تريد أن تبعد بها الأنظار عن الأوضاع الاجتماعية المتفجرة في الداخل.

وفسرت مصادر جزائرية مطلعة إقدام الجزائر على توجيه دعوة لوزير النفط في حكومة لا يعترف بها العالم بدلا من الوزير الشرعي في حكومة عبدالله الثني المقيمة في طبرق لأسباب امنية، يشكل رسالة احتجاج غير مباشرة على منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" التي تهيمن عليها السعودية، والتي وجهت الدعوة لممثل عن حكومة عبدالله الثني وأقصت وزير النفط والغاز في حكومة عمر الحاسي في طرابلس التي ترفض الاعتراف بشرعية البرلمان المنتخب والحكومة المنبثقة عنه.