الميكانيكا الكمية .. الإلكترون سحابة حول النواة

الإلكترون ليس نقطة

لا يوجد فرع من فروع الفيزياء، في تاريخها الطويل، شاهد تطورا سريعا مثل الميكانيكا الكمية. بعد ظهور فكرة دي بروجلي عن الموجة المادية، كانت المعادلات الرياضية والأجهزة الخاصة بالميكانيكا الكمية تعمل على قدم وساق لدراسة التفاصيل واستيعاب النتائج.

في عام 1928، كانت الميكانيكا الكمية صرحا شامخا. أصبحت علما ناضجا، له أساسياته وتفريعاته وقوانينه. لا يقل في رصانته وصلابة بنيانه عن الميكانيكا الكلاسيكية.

الميكانيكا الكلاسيكية، أخذت مئة عام لكي تبلغ أوجها، بينما الميكانيكا الكمية، لم يتطلب الأمر سوى خمس سنوات. تلك كانت سرعة خطى التقدم العلمي في القرن العشرين.

مثل السيل الجارف، الذي يتخطى الحدود والسدود، فيفيض ليغمر ربوع الوادي. كذلك كانت الميكانيكا الكمية، بعد خمس سنوات. أصبحت لها تفسيراتها وتطبيقاتها الجديدة. أول من استفاد من أبحاث الميكانيكا الكمية، هو عالم الذرة متناهي الصغر.

الفيزياء الجديدة، عن طريق بلانك وبور، بدأت بالذرة. الذرة كانت أول موضوع عالجته الميكانيكا الكمية. البداية، هي تصور جديد لتركيبة الذرة. بور قدم لنا مدارات الإلكترون حول النواة. وهو تصور يتفق تماما مع الفيزياء الكلاسيكية.

الميكانيكا الكمية، لا تتعامل مع المدارات. إنها ترفضها بصراحة ووضوح. المدار، هو في الواقع مسار لحركة الإلكترون حول النواة. طريق سريع للمركبات أو خط سكة حديد يسير عليه القطار. لكن الميكانيكا الكمية، تقول لنا بصريح العبارة، إن المسارات في عالم الذرة، ليس له معنى أو مبنى.

إذا كان مسار الإلكترون حول النواة، مجرد كلام فارغ، فما هو البديل؟ الموجود هو توزيعات احتمالية لوجود الإلكترون في مكان ما حول النواة. نحن نعرف أن طاقة الإلكترون في الذرة، تتحدد ببعده عن النواة.

إذا كان مسموحا له بحمل عدد معين من الطاقات، فكل طاقة يحملها، يناظرها مسافة معينة من النواة.

لكننا يصعب علينا التخلي عن فكرة مسار الإلكترون حول الذرة. إنها فكرة تسهل علينا فهم تركيبة الذرة وتشبيهها بالمجموعة الشمسية ودوران كواكبها حول الشمس.

هنا تقول لنا الميكانيكا الكمية: حسنا، إذا كنت معجبا بفكرة المدارات، احتفظ بها. ارسم بالقلم الرصاص خطا يمر بالنقاط التي عندها يكون احتمال وجود الإلكترون أكبر ما يمكن. واعتبر هذا الخط، هو مدار الإلكترون.

لكن لا يجب أن تنسى أن الإلكترون ليس نقطة. موجته تجعله ينصهر ويسيح، وبذلك يصبح المدار من أساطير الأولين التي لا نريد التخلي عنها.

هنا لا يسعنا إلا شكر رجال الميكانيكا الكمية. ونقوم برسم مدار الإلكترون. ونعجب جدا بشكله على الورق. ثم تقول لنا الميكانيكا الكمية: هل تعرف ماذا يجعل هذه المدارات ملفتة للنظر؟

هو أنها تمثل عدد من موجات دي بروجلي، مرسومة فوق بعضها. المدار الأول والقريب من النواة، به موجة واحدة. المدار الثاني، به موجتان. الثالث به ثلاث موجات، وهكذا. مما يثبت خطورة موجة دي بروجلي وعالميتها.

تصورنا لمدارات الإلكترون شيء جميل، لكنها لا توجد في الواقع. بدلا من وجود إلكترون في المدار، تصور سحابة احتمالات. السحابة تزداد كثافة، مع زيادة احتمالات وجود الإلكترون، وترق وتقل كثافة مع نقص الاحتمالات.

لا تنس أن هذه السحب لا يمكن تصويرها، فلا يمكن التغلب على مبدأ عدم اليقين لهيزنبرج. هي مجرد سحب لتوزيعات احتمالية لمكان الإلكترون. لا أكثر ولا أقل.

سحب الإلكترون حول النواة، لها عدة أشكال مختلفة. بعضها في شكل كروي. وبعضها مستطيل، أو في شكل السيجار. السبب في تنوع الأشكال، هو أن الإلكترون لا يعتمد فقط على المسافة بينه وبين النواة.

فمثلا، ذرة غاز الهيدروجين، هي أبسط الذرات بناء. تشبه في بساطتها العلم الياباني. تتكون من إلكترون واحد سالب، يتواجد في مجال النواة الموجبة الشحنة. التفاعل هنا بين شحنتين مختلفتين، لكن متساويتين في المقدار.

هنا التفاعل يعتمد فقط على المسافة بين الإلكترون والنواة. لهذا يكون شكل سحابة الإلكترون، بالنسبة لذرة الهيدروجين، في شكل كروي. كل نقطة على سطح الكرة، تبعد نفس المسافة عن النواة. لذلك، كل نقط السحابة لها نفس طاقة الإلكترون.

لكن في حالة أكثر من إلكترون واحد في الذرة، صورة التفاعل الكهربائي بينها وبين النواة ليست ببساطة ذرة الهيدروجين. الإلكترونات لا تتجاذب فقط مع النواة المختلفة الشحنة، ولكن تتنافر أيضا مع بعضها.

في الذرات معقدة التركيب، كل الإلكترونات تتجاذب نحو النواة، وتتنافر وتتشاجر مع أخواتها الإلكترونات. لكن الطبيعة تعالج هذا التوتر بحكمة، وتفرض النظام والامتثال بين العائلة الواحدة. سحابة الإلكترونات لها أشكال معقدة. تتداخل مع بعضها بزوايا مختلفة.

سحابة الإلكترونات قد تشبه الكرة، الحلقة، حرف ثمانية بالإنجليزي، شرنقة دودة القذ، شكل الفراشة برأس وجسم وجناحين أو أربعة أجنحة، شرنقتان ملتصقتان، إلخ.

دعنا نلقى نظرة على تركيبة الذرة هذه، المتناهية الصغر، والتي تعتبر أعجوبة الأعاجيب في هذا الكون. مواد البناء هي إلكترونات ونواة. الأسمنت الذي يربط الإلكترونات مع النواة، هي قوة الجذب بين الإلكترون سالب الشحنة والنواة موجبة الشحنة. الشحنات المختلفة تتجاذب، والمتماثلة تتنافر.

لكن كيف قامت الطبيعة بالتخطيط لبناء هذه الذرات المختلفة؟ أولا يجب إلقاء نظرة على الجدول الدوري للعناصر الكيميائية، المعروف بجدول مندلييف، 1869. هو عبارة عن جدول لترتيب العناصر الكيميائية، 118 عنصرا حتى الآن. ثلاثة منها غير مؤكدة، وعشرون مصنعة. الباقي من صنع الطبيعة. كل منها له بناء خاص به.

نواة الذرة تتكون من نوعين من الجسيمات الصغيرة تسمى بروتونات ونيترونات. البروتون له شحنة موجبة تعادل شحنة الإلكترون السالبة. والنيترون متعادل الشحنة. كتلة النيترون تزيد قليلا عن كتلة البروتون. وكتلة البروتون تعادل 1836 ضعف كتلة الإلكترون.

كم عدد البروتونات والنيترونات والإلكترونات في الذرة؟ هذا يتوقف على نوع العنصر الذى نتكلم عنه. بعض العناصر مثل غاز الهيدروجين, ذرته بسيطة التكوين ومكونة من: بروتون واحد فى النواة، وإلكترون واحد. ذرات بعض العناصر معقدة التركيب، مثل ذرة اليورانيوم.

اليورانيوم عنصر ثقيل، أثقل من الذهب. يوجد نوعان أو نظيران منه فى الطبيعة. اليورانيوم 235، واليورانيوم 238. اليورانيوم 235، يرمز له بالرمز U-235. هو مكون من 92 بروتونا و143 نيترونا و92 إلكترونا. أما اليورانيوم 238، ورمزه U-238، فيتكون من 92 بروتونا و146 نيوترونا و92 إلكترونا.

كل ذرة لها رسم هندسي خاص بها. لكن هذه الرسوم الهندسية تتبع نمط واحد في البناء. مبدأ تم اكتشافه عن طريق العالم النمساوي وولف جانج باولي أثناء سنوات تطور الميكانيكا الكمية.

مبدأ باولي يقول: "في أي تجمع لجسيمات الذرة الدقيقة، كل حالة طاقة مسموح بها، لا يمكن شغلها إلا بجسيم واحد."

لقد وجد فيما بعد أن هذا المبدأ لا ينطبق على بعض جسيمات الذرة الدقيقة. لكننا هنا لا نتكلم عن الحالات الخاصة. أما في حالة الإلكترون، فالمبدأ سليم لا اعوجاج فيه.

الآن، لدينا إلكترونات تتجمع في الذرة. ذرة أخرى فيها تجمع آخر مختلف. لكن في كل الذرات، الإلكترونات هي نفسها الإلكترونات بالضبط.

سنتوقف هنا برهة للحديث عن خاصية اللف المغزلي للإلكترون. سنتحدث عن اللف المغزلي للإلكترون لاحقا بالتفصيل. لكن يكفي هنا القول بأن اللف المغزلي للإلكترون شيء غير مفهوم من وجهة نظر الميكانيكا الكلاسيكية. مكتشفو اللف المغزلي للإلكترون كانوا يعتقدون بسذاجة أنه يعني دوران الإلكترون حول محوره، كما يدور المغزل أو النحلة الخشب التي كنا نلعب بها ونحن أطفالا.

الأرض تدور حول الشمس. وهي أيضا تدور حول نفسها. لذلك نتوقع أن يدور الإلكترون حول النواة، ويمكن أن يدور حول نفسه. فهل هذا صحيح؟

لكن، هل الإلكترون حقا يدور حول النواة؟

كلا، بالتأكيد. حركة الإلكترون في الذرة أكثر تعقيدا، وليست بهذه البساطة. تخيل الإلكترون وهو يدور حول النواة هو تشويه لطبيعة الأشياء.

هل الإلكترون يدور حول نفسه كالمغزل؟ لا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك. حاول أن تعرف ما معنى محور الإلكترون الذي يدور حوله. الميكانيكا الكمية لا تعتبر الإلكترون كرة يمكن أن تدور حول نفسها، بل مجرد نقطة (وهذا أيضا غير حقيقي كما سيتضح فيما بعد).

النقطة ليس لها محور يمكن أن تدور حوله. المشكلة هنا أننا لا نستطيع تخيل أو تصور لف الإلكترون حول نفسه كالمغزل. نحن أيضا لدينا صعوبة في تصور الموجة المصاحبة للجسيمات (الإلكترون)، والجسيمات المصاحبة للموجة (فوتونات الضوء). هذه يا حضرات ميكانيكا الكم.

لكن اللف المغزلي للإلكترون داخل الذرة معروف. وهو مقدار لا يتوقف على قرب أو بعد الإلكترون من النواة، حتى لو كان الإلكترون حرا طليقا في الفضاء الرحيب. اللف المغزلي للإلكترون. مقدار لا يتغير، يرافق الإلكترون على الدوام.

اللف المغزلي لإلكترون في ذرة ما، يمكن أن نضيفه إلى كمية الحركة الزاوية للإلكترون (كمية الحركة حول النواة)، ويمكن أيضا أن نطرحه منها. اللف المغزلي يجعل للإلكترون مجالا مغناطيسيا. واللف يكون مع عقارب الساعة، أو عكس عقارب الساعة.

لذلك اللف المغزلي له قيمتان فقط: (0.5) ، (-0.5). ويرمز لهما أحيانا ب: "فوق"، "أسفل".

كمية حركة الإلكترون الكلية = كمية حركته الزاوية + كمية حركته المغزلية.

حكاية اللف المغزلي للإكترون الذي له قيمتان متساويتان، واحدة موجبة والأخرى سالبة، تجعلنا نضع 2 إلكترون في نفس السحابة دون الإخلال بمبدأ باولي.

إلى هنا وأرجو أن لا يكون القارئ العزيز قد تاه مني وغلبه النعاس. لكن أعده بأن يكون القادم أسهل وأخف على القلب.

دعنا الآن نبحث تركيبة بعض الذرات لعناصر مختلفة.

ذرة الهيدروجين. ذرة بسيطة التكوين جدا. تتكون من سحابة إلكترون واحدة ونواة. السحابة بها إلكترون واحد.

ذرة الهيليوم. بسيطة التركيب أيضا. بها سحابة ضعف كثافة سحابة ذرة الهيروجين. بها 2 إلكترون بدلا من واحد. السحابة أقرب بعدا للنواة من حالة ذرة الهيدروجين.

ذرة الليثيوم. بها سحابتان. الأولى والقريبة من النواة مثل سحابة ذرة الهيليوم. هذا أمر طبيعي لأن مبدأ باولي لا يسمح بكثر من 2 إلكترون في السحابة الواحدة. الساكن الجديد يسكن في الطابق العلوي. الإلكترون الثالث يكون سحابة بمفرده بعيدا عن النواة.

ذرة الكربون. السحابة الأولى من جهة النواة يسكنها 2 إلكترون، الثانية يسكنها 2 إلكترون، الثالثة أيضا 2 إلكترون. وهكذا.

الملاحظ هنا هو توزيع السحب حول النواة بحيث لا يحدث تنافر بين الإلكترونات. لأن الشحنات المتشابه تتنافر. هذا أفضل طريقة لتوزيع الطاقة ممكن. تنافر الإلكترونات يزيد من طاقة حركة الذرة ويجعلها غير مستقرة.

لكن الطبيعة تميل للاستقرار. أكثر الذرات استقرارا هي أقلها طاقة حركة. الوقوع من على الكرسي ليس بالأمر الظريف. لكنك تكون أكثر استقرارا وأنت منبطح على الأرض.

تعاملنا حتى الآن مع مبدأين لهندسة بناء الذرة. مبدأ باولي، ومبدأ التوزيع الأمثل للطاقة، الذي يضع الإلكترونات في أكثر من سحابة، بدلا من جمعها كلها في سحابة واحدة.

بدلا من المدارات، نحن الآن نتكلم عن سحب كهربائية إحتمالية للإلكترون. هل هذا كل ما في الأمر؟ كلا، هناك المزيد. موجة دي بروجلي بالنسبة للذرة، لها خاصية أخرى. إنها تساعدنا في فهم بناء الذرة الداخلي.

سحابة الإلكترون حول النواة، تستوعب عددا كاملا من موجات دي بروجلي. بدون كسر. فيالها من موجة. ولأهميتها، سأعيد التذكرة بها. موجة دي بروجلي هي الموجة المصاحبة لأي جسم يتحرك، كبر أم صغر. طول الموجة = ثابت لابلانك مقسوما على كمية الحركة.

اتحاد سحب الإلكترون، يطلق عليه "الغلاف". سعة الغلاف تمثل أكبر عدد ممكن من الإلكترونات داخل الغلاف (N). سعة الغلاف لها علاقة بنمرة الغلاف (اللوحة المعدنية له). وهي تمثل عدد موجات الإلكترون الكاملة (موجات دي بروجلي). الرمز لهذا العدد هو (n).

العلاقة بين سعة الغلاف ونمرة الغلاف هي:

سعة الغلاف= ضعف مربع نمرة الغلاف. وبلغة الجبر:

N = 2 x مربع n.

كيف نطبق هذا الكلام؟

سعة الغلاف الأول ويسمى K = 2 x 1 x 1 = 2

سعة الغلاف الثاني ويسمى L = 2 x 2 x 2 =8

سعة الغلاف الثالث ويسمى M = 18، وهكذا.

الغلاف الأول، هو أقلها سعة، الغلاف K. في ذرة الهيليوم، الغلاف ممتلئ عن آخره. هذه الذرة مكونة من شقة دور أرضي يسكن فيها اثنان.

الغلاف الثاني، أكثر تعقيدا. لا يشغل فقط الدور الثانى، ولكن له طوابق داخلية ثلاث. يسكن في كل منها اثنان. المجموع 8.

الغلاف الثالث. يسكنه 18 شاغلا. يشغل الطابق الثالث، وثلاثة داخلية، وخمسة طوابق أخرى داخلية. في كل منها إثنان. الناتج 18 شاغلا. وهكذا.