ثقافتنا وهجاء الأنثى... 'حبائل الشيطان'

الإسلاميون يروجون لدونية المرأة بحجة تكريمها

تفاجأ طلاب البحث وطالباته حين قلت لهم: إنّ التراث الذي ورثناه عن أسلافنا، ونُقل إلينا في بطون كتبهم، كله من قبيل "الدراسات السابقة"، وعلينا نحن أهل هذا العصر، وكذا أهل كل زمن، أن ننظر إلى ما تقدّمنا من هذه الزواية؛ فهو دراسات سابقة أُريد لها أن تُحقق هدفاً ما، وتنتهي إلى ثمرة مُرْتجاة؛ لكنّ ظروف الإنسان، وقصوره، وعجزه، تمنعه أن يصل إلى ذاك الهدف، وتمنعنا من أن نظن به غير ذلك!.

لا يقول باحث هذا الكلام ثقة في شخصه، ولا سوء ظن في سلفه، وإنما هذا دأب من يريد الصواب، ويسعى له، وأصبح من يقينه أنّ المتقدم، مهما حاول، فلن يُؤتى الحقيقة كاملة، ولا الصواب تاماً، وذاك هو الشيء الوحيد الذي ورثناه عن أسلافنا، واشتركنا معهم فيه؛ إذ هم جميعاً لم يرضوا بما كان عليه من تقدّمهم، ولا اكتفوا بما وجدوه عندهم، فرأيناهم وقد شرّق منهم فريق، وغرّب آخر، وما كان لهذا أن يحدث لو كانوا ينظرون إلى من تقدّمهم نظرة من ينتظر منهم أن يتّبعوا ما عنده، ويسيروا على وقع أقدامه.

هذا التراث الذي نقرؤه، ونقلّب صفحاته، يكشف ضعف صانعه، ويُظهر سهواته؛ لكننا انشغلنا بجوانب الصحة فيه، ومكامن الروعة منه، وأخذتنا تلك المشاهد، فرأينا أن غاية ما نُقدّمه له هو أن نمدحه، ونُثني على أهله، ولو أنّنا بحثنا عن نقاط ضعفه، ومواطن خلله؛ لكان لنا معه، ومع منتجيه، شأن آخر؛ وهو الشأن الذي كان ينتظره منا التراث، ويتوقعه منا منتجوه، وتفرضه علينا سنة الحياة.

التراث يمثل زمنه

أكدّت للطلاب والطالبات أن التراث الذي تلقفناه عن أسلافنا يُمثّل عصورهم، ويحكي لنا حال التفكير في أزمانهم؛ فلا يستطيعون هم، ولا نستطيع نحن، أن نخرج في عطائنا الفكري عن محددات العصور التي عشنا فيها، وأطر الثقافة التي نشأنا داخلها، وتلك هي حال الإنسان، تُشكّل ثقافة عصره خلفيةً له، كما تقدّم في المقال السابق، تُؤثر عليه، وتقود عقله، وتُضلله في كثير من جهوده.

كان ابن كثير والشنقيطي في المقال المتقدم خاضعين للصراع التأريخي الطويل بين الذكر والأنثى، وهو صراع، كما يعلم القراء، قديم جداً، بل يُمثل ثاني أقدم صراع في حياة الإنسان، بعد صراع الإنسان مع الشيطان. لقد كان هذا الصراع خلفية ذهنية للإنسان الذكر، يُؤثر عليه في قبول النصوص المروية، ويُوجّه ذهنه في فهم المتون الدينية، فيجعله سريع القبول لها، والاقتناع بما فيها، ويمنعه من الشك عند سماعها، والارتياب عند ذكرها، وكذلك كانت حال ابن كثير والشنقيطي في النقول المذكورة عنهما.

هذا الصراع القديم بين الذكر والأنثى يُعدّ من أشد المؤثرات في سرعة قبول الذكر للمرويات، وتساهله في نقلها، وتسامحه معها، ولست أرى فرقاً بين أصناف الذكر؛ فسواء كان الذكر مفسراً ومحدثاً وفقيهاً أم كان رجلاً لا تربطه بالعلم والمعرفة رابطة، فهؤلاء وغيرهم من الذكور يخضعون لهذه الخلفية الصراعية، ويستسلمون لها، وتُسلس قيادهم في قبول كل ما يطعن في الأنثى، ويغتابها، ويشينها، ويُظهرها في المنزلة الثانية بعد الشيطان، ويضعها سلاحاً من أسلحته في إضلال الذكر، وإغرائه، وفتنته!

هكذا ينظر الذكر إلى الأنثى، وعلى هذه النظرة بُني كثير من التراث، وبسببها تُسومح مع كثير من الآفات في الروايات والمنقولات، فتشوّه الدين، وتشوّه مبلغه -عليه الصلاة والسلام- إلى الناس، ولهذا الأمر شواهده التي تُؤكده، وتدل عليه.

ففي كتاب ابن عبدالبر "بهجة المجالس وأنس المجالس" (3/ 32) يحكي هذا المحدث والفقيه المالكي الروايات قائلا:"قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "..وإياكم والعجائز"، يعزو بصيغة الجزم، وهو المحدث، إلى الرسول أنه كان يُحذر أصحابه من العجائز، ويأمرهم بالأبكار، وكأنّ رجل العجوز لم يصبح عجوزاً مثلها!

أمثلة من التاريخ

يمضي في صفحة أخرى (3/ 43) قائلا: "رُوي عن النبي عليه السلام أنه قال: "النساء حبائل الشيطان"، يروي هذا المتن بصيغة التمريض، وروايته على هذه الصورة تدل على أن ابن عبدالبر يشك في صدوره عنه، ويرتاب من نسبته إليه؛ لكنه مع ذلك يقبل بعزوه إليه بتلك الصيغة، ويرضى أن ينسبه بها إليه، ولم يفعل هذا ابن عبدالبر إلا لأنه اعتمد في الحكم على المروي السند وحده؛ إذ لو نظر إليه من خلاله متنه؛ لأدرك أنه موضوع، لا يصدر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز لمثله أن ينميه إليه؛ فهذا المتن يصطدم بغيره من المتون القطعية الثبوت والدلالة؛ فالله تعالى يقول: "ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه"، فمن المحال أن ينهى الله تعالى عن الغيبة، وينهى رسوله عليه الصلاة والسلام عنها، ثم نجد نبينا يغتاب جنساً، وليس فرداً!

هذا المروي غيبة صريحة لجنس، بل هو عندي بهتان بيّن، وتكييفي له على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم، وحاشاه أن يقول، تكلم في غيبة الجنس، وهو غائب عن مجلسه؛ لأن الجنس الأنثوي يشمل النساء كلهن منذ قامت الحياة على هذه الأرض إلى أن تنهي أيام العيش فيها، ومن يقبل بنسبة مثل هذه الروايات، صحّت سنداً أم لم تصح، فهو يقول لنا: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينهى الناس عن غيبة الأفراد، ويُشدّد في بُهتهم؛ لكن هذا لم يمنعه من أن يغتاب جنس النساء، ويخوض في أغراضهن، وهنّ عنه غائبات! ولست أرى ذماً وغيبة وبهتاناً لجنس النساء أعظم من أن يقال فيهن مثل هذا المتن.

"حبائل الشيطان"

إذن اجتمع على هذا المتن "النساء حبائل الشيطان" أمران؛ روايته بصيغة التمريض، ومخالفته لصريح القرآن الكريم؛ فكيف مرّ من بين يدي ابن عبدالبر، ووجد له مكاناً في كتابه الأدبي؟

الذي يُفسّر هذا الخطأ الشنيع الذي وقع فيه ابن عبدالبر، ويكشف عن سر تساهله في نسبة المروي، هو أنّ هذا المروي يدعمه سياق كامل من المرويات، ويعضده إجماع ذكوري وأممي، فهذا السياق الكبير كان مقويّاً لهذا المتن عند ابن عبدالبر، وسهّل عليه قبوله، وهوّن عليه أمر إيراده معزواً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك بصيغة التمريض؛ فلولا هذا السياق المتنامي في ثقافة الذكر عن الأنثى لما اندفع الرجل إلى عزو المروي، وإثباته في كتابه، وتلك صورة من صور دور الخلفيات الذهنية في قبول الإنسان الشيء، واقتناعه به.

وليس يغيب عن القارئ الكريم أنّ بعض المحدثين يُقوّي الضعيف بمثله إذا تعددت طرقه! ومثل هذا الصراع بين الذكر والأنثى ستعظم فيها الروايات الضعيفة، وتتكاثر؛ لأن الذكور كلهم متفقون تقريباً على هذا الموقف من الأنثى، وسيدفعهم قبولهم بهذا الموقف، وإيمانهم به، إلى تساهلهم في رواياته، فتكون النتيجة أن تكثر المرويات، وتتساعد في إقناع الناس بها؛ إذ من غير المقبول في ثقافة تعتمد عالم الأشخاص أن يتفق الرجال على التساهل في أمر، وليس له أصل ديني!

ومثل هذا قوله حاكياً عن عمر: "قال عمر بن الخطاب رحمه الله: "استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر"، ففي هذا الأثر، وفي المروي المتقدم، يتم الطعن في جنس الأنثى، وهو طعن لا يبقي ولا يذر، ومن غير المستغرب في ظل مجتمعات تتربّى على مثل هذا أن تُحتقر الأنثى، ويُساء فيها الظن؛ فهاهم الأسلاف الذين نعدّهم قدوتنا، ونحتذي طريقتهم، يقولون هذه الأقوال، وتُروى عنهم في كتب يؤلفها المحدثون الذين عرفناهم يُدققون في الروايات، ولا يتساهلون في قبولها، فلو لم تكن هذه الروايات تحمل معنى صحيحا، وتُروّج أمراً مقبولاً؛ لما قبل هؤلاء المؤلفون أن يضعوها، ويتحمّلوا وزر إفشائها!

هجاء الأنثى وغيبتها وبُهتها ظلم تناقله الذكور، وأضحى من كثرة ترديده، حقيقة لا تقبل النقاش، وبدهية لا يُسمح فيها الخلاف، وبلغ من شدة قبول الثقافة وأهلها له أن أصبح شيئاً مألوفاً، وأمراً غير معاب، وفاكهة تُضحك به المجالس، ويأنس أهلها به، وليس هذا بغريب فطالما كان الإنسان عبداً لمألوفه، ومسجوناً في كهوف مرغوباته؛ لكن العجب يتضاعف ويزداد حين ترى الذكور يستنكرون أشد النكير غيبة فرد أوجماعة، ويعدون ذلك عدواناً وظلماً، ثم تراهم يرتعون في أديم الجنس الأنثوي، ولا يبالون به، بل يتفنون في توسيع تجاربهم مع امرأة واحدة على جنس النساء كلهن، فلا يكتفي الواحد منهم باغتياب زوجته، وذمها وبُهتها، بل يجمع إلى ذلك هجاءَ نساء العالمين كلهن، وتلك صورة تكشف عن نفسية هذا الذكر الذي قُدّر له أن يسود في ميدان بناء الثقافات، ويكون معظم قضاة الوعي من جنسه!

إبراهيم المطرودي

كاتب سعودي