الجيولوجيا النفسية لـ'داعش' ومشتقاته

اجتماع النفسي والديني

الانتصارات السريعة التي تحققت لداعش كانت عاملا محفزا للعديد من الشباب المسلم في مختلف دول العالم للالتحاق بالتنظيم، دون التوقف على أسباب عملية لتوسع داعش المفاجئ يتعلق بالظروف المحلية في العراق وسوريا أكثر مما ترتبط بما يعتنقه التنظيم من أفكار أو يطبقه من ممارسات.

عارف مجيد أحد الشباب الذين التحقوا بداعش، هندي الجنسية، كانت تنتظره مهام صغيرة وتافهة ومنها تنظيف الحمامات تكريسا لنبرة عنصرية أصبحت غير خافية في التنظيم الذي يدعي التمسك بأصول الإسلام، بينما لا يفوت أي فرصة لينقضها في أفعاله اليومية والروتينية.

داعش تنظيم متعدد الجنسيات، وقدرته على استقطاب الطبقات المهمشة والدنيا في مجتمعاتهم وتغذية غريزة الانتقام لديهم واضحة كأحد استراتيجياته المطبقة بفعالية، فجنود داعش اليوم هم من الصعاليك والمتسولين الذين تحفل بهم شوارع باريس، ويكفي أن يكونوا من ذوي البشرة الداكنة أو اللهجة العربية ليتم استبعادهم اجتماعيا وبحيث يتحولون إلى فائض يعيش على فضلات المجتمع، تكفي جولة سريعة حول محطة Gare du Nord في باريس لاستكشاف هذا المجتمع، فالقادمون من الضواحي التي شهدت انتفاضة واسعة ضد سياسات ساركوزي قبل سنوات يشكلون وقودا للغضب لا يفوت فرصة للإعلان عن وجوده بوصفه وصمة للمجتمع، ولذلك ينتقل من الضواحي إلى قلب العاصمة الفرنسية ويحمل معه كل غضبه المكبوت.

المشكلة أن مقاتلي داعش يعيدون إنتاج العنصرية من جديد، فالمنبوذ ينقلب على العالم بطريقته الخاصة، ويعتبر العالم كله هو المنبوذ من وجوده الشخصي والأناني، ولذلك لم يتمكن عارف مجيد من الحصول على الحد الأدنى من الكرامة والاحترام بين زملائه، وكانت هذه فرصته لاكتشاف الهوة بين الإدعاء والممارسة.

لم يتعرض مالكوم إكس للاغتيال من قبل المتعصبين البيض أو اليهود أو غيرهم، ولكن الرصاصات التي أردته قتيلا أطلقت من أسلحة يحملها زملاؤه السابقون في جماعة أمة الإسلام لأنه بدأ يكشف أوراق التلاعب بالمشاعر الدينية لتحقيق المصالح الشخصية، فكانت عقوبته السريعة والعاجلة تتمثل التخلص منه، وسيمضي داعش على نفس الطريق عاجلا أم آجلا ليأكل نفسه عن طريق الإعلاء من تناقضاته العنصرية والطبقية داخل التنظيم.

التحليل الطبقي لداعش، ومن قبله القاعدة، يمكن أن يدحض مقولة التهميش شكليا، وتحديدا فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فمثلا بن لادن والظواهري إلى الطبقات العليا، ولكن التهميش ليس مجرد عوامل اقتصادية واجتماعية، ولكنه طريقة للحياة، فالمهمشون أحيانا هم من يصنعون عالمهم الخاص نتيجة فشلهم عن قبول العالم القائم وشروطه، وذلك يمكن فهمه أيضا في التهميش أو الاستبعاد الطوعي الذي يمارسه المقتدرون ماديا من خلال تأسيس أماكن السكن والدراسة والعلاج الخاصة بهم، أنديتهم المغلقة وعلاقات المصاهرة والنسب المحكومة بمدى الانتماء إلى هامشهم الخاص.

داعش، من حيث المبدأ، تقاطع لجميع الهوامش التي تمضي ضد السياق العام في تكثيف لجميع التناقضات القائمة وترافق كامل مع مركبات النقص للطبقات الدنيا، وجميع أنواع الفوبيا والنزوع الوسواسي للطبقات الأعلى اجتماعيا، ولذلك يمكن فهم مقولة أحدهم، «أبو هريرة» الأميركي، قام بعملية تفجير انتحارية لأن قلبه لم يكن مرتاحا في الدنيا!

العامل النفسي لداعش يجب تفهمه ورصده بوضوح لتجنب تكرار تجربة العائدين من أفغانستان والتي ولدت حلقات من العنف المتواصل، ولا يعني ذلك، أن يفلت أحدهم من العقوبة.

سامح محاريق

كاتب أردني