العلاقات العراقية-الخليجية: نحو افاق للتعاون المثمر

ادت التطورات في الساحة العراقية وتداعياتها على الصعيد الداخلي منذ غزو الكويت في اب-اغسطس1990 وما تبعها من تدخل غربي عام 1991 لتحرير الكويت والتفاعلات الداخلية والخارجية التي رافقتها وتبعتها وصولا الى القرار الاميركي باحتلال العراق في ربيع عام 2003 والتداعيات التي واجهت العراق ولازالت في ظل التدخلات الاقليمية والدولية، والتي انعكست على علاقاته بدول الجوار ومنها الدول الخليجية التي تمثل مشتركات عربية وتاريخية وحضارية وتجارية واقتصادية واجتماعية لا يمكن ان نتغاضى عنها او نهمل مرتكزاتها التاريخية في اي حال من الاحوال.

تعد منطقة الخليج العربي من ابرز مناطق الشرق الاوسط والعالم نظرا لما تتمتع به من اهمية جيوستراتيجية واقتصادية على الصعيدين الاقليمي والدولي، ترافقت معها حالة التغييرات العربية التي شهدتها بعض الدول العربية والحملة الاخيرة على الارهاب وتأثيراته على جميع دول المنطقة. ولعل ادراك الدول الخليجية بضرورة البحث عن اطار خليجي امني لها، وبناء جسور الثقة بينها وبين الدول الاقليمية ومناقشة التحديات الامنية والسياسية معها، واستيعاب ان الدول العربية كمصر والعراق وحتى سوريا هي صمام امان للمنظومة الخليجية وداعم لها.

وبعد ان تم الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة على انسحاب جميع القطعات العسكرية الاميركية والاجنبية من الاراضي العراقية في نهاية العام 2011، القت هذه الخطوة بظلالها على علاقات العراق بدول مجلس التعاون الخليجي في الراهن السياسي والمستقبل القادم. نظرا لتخوف العواصم الخليجية من الاثار المحتملة للانسحاب الاميركي على الاستقرار السياسي والامني في العراق نظرا للجوار الجغرافي والعلاقات التاريخية بين دول المجلس الخليجي والعراق اذ وضعت الدول مهام اساس لها من ابرزها الوضع في العراق بعد الانسحاب الاميركي والبحث عن توافق خليجي للأمن والاستقرار في المنطقة بعيدا عن التجاذبات الاقليمية والدولية.

وعقدت قمة دول مجلس التعاون الخليجي في 18 ديسمبر-كانون الاول 2011 ومن اهم ملفاتها الخشية من الفراغ الامني في العراق وتأثيراته على منطقة الخليج العربي اذ كانت دول الخليج العربي تعول على الوجود الاميركي في العراق فضلا عن تخوفها من تصاعد التنافس والنفوذ الاقليمي في العراق بين تركيا وايران مثلا. واعتقدت دول مجلس التعاون الخليجي ان العراق سيقترب اكثر من جارته ايران في ظل غياب دور لدول اخرى مثل تركيا والسعودية عن المشهد العراقي، والتخوف من جانب اخر الى ان يؤدي الانسحاب الى اضطرابات في المنطقة نتيجة فشل العملية السياسية في العراق ولجوء البلد الى التحالف مع دول اخرى مجاورة قد لا تنسجم سياساتها مع توجهات السياسات العليا الخليجية. ودعا العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز قادة دول مجلس التعاون الخليجي الى التعاون الاكبر واكد ان امن السعودية من امن دول المجلس الاخرى وان يتم توحيد الصفوف في كيان واحد وتجاوز التعاون الى الاتحاد وفسر ذلك من قبل المراقبين الى مخاوف المجلس بشان الوضع الاقليمي رغم ان السنوات الاخيرة شهدت ترتيبات لاتفاقيات امنية خاصة في السنوات الاخيرة لمواجهة اية تهديدات اقليمية لدول المجلس، وان خيار الامن الخليجي ينطلق من حقيقة بلورة توافق امني يجنب المنطقة المفاجآت او الصراعات التي تهدد العيش المشترك لكل شعوب المنطقة.

وبالنسبة للعراق، فان صيغة الحوار المؤسسي وصولا لإنهاء الخلافات وتحقيق الامن الاقليمي والتعاون العراقي-الخليجي واحتواء العراق كطرف مهم وحيوي في المنطقة بات يظهر جليا، ولابد ان تدرك الدول الخليجية ان لها دور ومسؤولية في استقرار العراق وامنه بحكم الجوار الجغرافي والصلات التاريخية والحضارية والاجتماعية وادراك ان ضعف العراق بمثابة تهديد لدول المنطقة. ومن هنا تسعى الدول الخليجية بعد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة الى الاطمئنان على وضع العراق خوفا من استمرار حالة العنف مما يؤثر على الاستقرار والامن الخليجي الى حد كبير،ودعمها اقامة حكومة عراقية منفتحة على العرب والعالم في السياسة الخارجية مع ترقب خليجي لما يجري في الساحة العراقية واستكمال الحوارات الجادة مع القيادة العراقية للتوصل الى تحقيق الامن والاستقرار للعراق الديمقراطي بحيث تشعر العواصم الخليجية بالأمن والاطمئنان تجاه علاقاتها بالعراق على قاعدة اعتمدتها "بان امن العراق هو من الامن الخليجي".

ولعل الخطوة الاخيرة لاسيما بعد سنوات طويلة من حالة البرود في العلاقات العراقية-السعودية جاءت زيارة الرئيس العراق الدكتور محمد فؤاد معصوم الى المملكة العربية السعودية لإعادة الدفء للعلاقات بين بغداد والرياض، وازالة التوتر بينهما لاسيما مع مواقف متضادة منهما تجاه القضايا الاقليمية منها سقوط النظام السابق والازمة السورية وبروز الارهاب في العراق وسوريا وتهديده الشرق الاوسط باسره، مما تحتاج الى نقاشات لإقامة حسن الجوار وبدت خلالها زيارة الرئيس معصوم متفائلة في رغبة لحل القضايا الخلافية بين البلدين والالتفات الى الاخطار التي تهدد دول المنطقة لاسيما انه سبقتها مواقف متبادلة من اجل ترطيب الاجواء بين البلدين واستكمالا للقاءات جرت في جدة وباريس ونيويورك اكدت رغبة جدية في تحريك العلاقات وطي صفحة الماضي والخلافات وبدء التعاون الامني والسياسي مع رغبة الحكومة العراقية الجديدة بالانفتاح على جميع الدول العربية والاقليمية وتصفير الخلافات معها، ودعا الرئيس العراقي الى تنسيق ثنائي عال لمكافحة الارهاب ودعم تحالف اقليمي للتصدي لداعش في العراق وسوريا وتخفيف التوتر العراقي-السعودي، ورغبة الرياض في اعادة فتح سفارتها.

ويبدو ان الاخيرة تريد ان تعطي الحكومة الجديدة مزيدا من الوقت لمعرفة ما ستفعله بعدما رحبت الحكومة السعودية باختيار رئيس الوزراء وفتح الابواب امامه، ولعل الخطوة الاخيرة في زيارة الرئيس العراقي خطوة مهمة وحيوية تعطي المزيد من الدعم والامل والتفاؤل بالتعاون الايجابي والمثمر، وستتبعها الزيارة المتوقعة لرئيس مجلس النواب العراقي الدكتور سليم الجبوري في زيارته الاقليمية التي بدأت بالرياض واستمرت الى الدوحة ايضا ستترك اثرها بالتأكيد على التطور البياني في علاقات العراق مع دول مجلس التعاون الخليجي وتحديدا بين العراق والمملكة العربية السعودية وقطر بالمستقبل القريب.

في حين هناك من جهة اخرى، مسؤولية تقع على العراق في قراءة المستقبل في علاقاته الاقليمية لبناء عراق قوي ربما يستفيد من خلالها العراقيون من تجاربهم الصعبة لكي يستعيد العراق دوره العربي والخليجي بتعاون السياسيين العراقيين كافة في بناء مستقبلهم عبر الحوار والمصالحة الوطنية وبناء عراق لكل العراقيين على اساس روح المواطنة وهي السبيل الامثل لعراق قوي مستقر وموحد له السيادة والامن والاستقرار.