الشهداء قميص 'عثمان' الجديد

كان ملف الشهداء والمصابين، واحدا من العناوين الرئيسية لثورة يناير، ولعب دورا في جانب مهم من الحراك السياسي، بعدها مباشرة. واحتل أولوية لدى المسئولين وصناع القرار، وكثير من القوى الحزبية والشبابية. كل طرف كان يشده إليه، ويحاول استثماره أو يمنع آخرين من توظيفه لصالحهم.

في لحظات كثيرة بدا هذا الملف "أيقونة الثورة"، وشكلت لجان وجمعيات، ورصدت أموال ومكافآت لأسر الشهداء والمصابين. وفي النهاية لم يحصل غالبيتهم إلا على قدر زهيد منها، وأحبط متطوعون مخلصون، وانهارت طموحات ومشروعات. وأخذ الملف يطفو ويخبو، حسب الحاجة السياسية. كما تعمد بعض الإعلاميين الاهتمام به وإبرازه يوميا في برامجهم المسائية، لدغدغة مشاعر الناس، وأملا في كسب جمهور جديد عن طريق الإمعان في إحراج بعض المسئولين. ومع ذلك اندثر الملف وسط ركام الأزمات والمشكلات، وتراجعت فورة الحماس، وانطفأ بريق التوظيف السياسي، وبقيت بيننا، جراح المصابين، وآلام الثكلى من أمهات الشهداء، كدليل على عقم الحكومات المتعاقبة، وانتهازية الكثير من القوى السياسية.

البراءة التي حصل عليها الرئيس الأسبق حسني مبارك، أعادت هذا الملف إلى الأضواء. ليس لأن مبارك ومعاونيه أفلتوا من العقاب، لضعف في الإجراءات، أو لعجز القوانين عن الحساب، لكن لأن بعض القوى والحركات، تحاول أن تمسك بملف الشهداء والمصابين، لإحراج الحكومة، التي لم تف بحق أسر الضحايا، وتركت قطاعا كبيرا منهم دون أن يحصل على ما تقرر له من تعويضات. ولاحت في الأفق بوادر تكرار لسيناريوهات سابقة، اتخذت من هذا الملف مطية لعدد كبير من التظاهرات. فقد أصبح مثل "قميص عثمان"، الذي لجأ إليه أنصار معاوية بن أبي سفيان، لإحداث فتنة وسط أنصار علي بن أبي طالب، عندما رفعوا القميص المضرج بالدماء، الذي كان يرتديه الخليفة عثمان بن عفان، قبل أن يلقى وجه ربه، فوقع الانقسام واشتعلت الفتنة بين المسلمين.

منذ ذلك الحين، يضرب "قميص عثمان" كمثل حي على المناورة والتحريض والإثارة، لتحقيق أهداف خفية، من وراء أشياء نبيلة ومعلنة. وما تقوم به الآن بعض القوى، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، شيء يشبه إلى حد كبير "قميص عثمان". فالتجاهل الذي وجدته أسر الشهداء والمصابين، أثناء حكم الإخوان، كشف وجه الازدواجية الحالية، وأكد أن الاهتمام المفاجئ يعبر عن طبيعة المتاجرة السياسية بملف يحتل مكانة معنوية في قلوب المصريين. كما أن القوى والأحزاب التي أخفقت في توحيد صفوفها، وإقناع المواطنين بشعبيتها، تسعى إلى الاستفادة منه لحشر الحكومة في زاوية ضيقة وتشويه صورتها وإرباكها سياسيا، والتأثير سلبا على تحركاتها الرامية إلى تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين.

لذلك كان أول رد فعل من رئاسة الجمهورية على حكم مبارك، إعادة الاعتبار المادي والمعنوي لملف الشهداء والمصابين، والتوجيه بسرعة تعديل القوانين، التي سمحت لمبارك ومعاونيه أن يحصدوا براءة قانونية. وقد خففت هذه الخطوة من الاحتقان الذي شاع عقب النطق بالحكم، ونزعت سريعا هذا الملف من أيدي بعض القوى، التي استعدت للتلاعب به، وتصعيده سياسيا وإعلاميا. كما أدى تأكيد مؤسسة الرئاسة على أهمية ثورة يناير بالتوازي من ثورة يونيو، إلى قطع الطريق على فتنة أخرى، أرادها فلول الوطني، ورتب لها فلول الإخوان.

فالفريق الأول، تعامل مع البراءة الجنائية على أنها براءة سياسية، لنظام قال عنه القاضي محمود الرشيدي نفسه، "قاتل على ثروات مصر زمرة من المنتفعين والمتسلقين، مع تزييف الإرادة الشعبية واندثار التعليم وإهدار الصحة وتجريف العقول"، وحاول أنصار مبارك الترويج لانطباعات إيجابية زائفة، وتسابق بعضهم في الحديث عن معجزات الرئيس المعزول، ورموز سبق لهم أن كالوا عليهم التراب، عندما قامت ثورة 25 يناير، وتبرأوا من العمل معهم. والأدهى أنهم أوحوا للناس أن مبارك مظلوم، ويجب تكريمه. وإمعانا في مزيد من التسخين لإحراج النظام الحالي، نشرت صحفهم أن "جمال مبارك مرشح رئاسي عام 2018". وبالتالي يشتعل الموقف، فتتراجع خطوات تصويب المسارات الخاطئة على أصعدة مختلفة، ويبقى هؤلاء في المقدمة، ويصبح من يريد الإصلاح في عين العاصفة، عليه أن يتحمل تبعاتها أو يقبل بوجود أنصار مبارك في الواجهة.

أما الفريق الثاني، والذي يمثله فلول الإخوان، فقد وجد في ما قدمه فلول الوطني عن عمد، فرصة ذهبية، للقفز على المشهد السياسي. فتارة يتحدثون عن ملف الشهداء والمصابين، للتأثير في وجدان البسطاء. وأخرى يشيرون للبراءة التي حصل عليها مبارك، لتسويق فرية أن هناك علاقة بينها ورحيل الإخوان عن السلطة، مع أنهم كانوا سببا رئيسيا في إفلات مبارك من العقاب، جراء التركيز على الأهداف السياسية للمحاكمة، دون التفات إلى طبيعة الإجراءات القانونية، التي قادت إلى حكم القاضي بالبراءة. وفي جميع الأحوال، تعامل فلول الإخوان مع البراءة بانتهازية، لأنها أصبحت بمثابة الباب الوحيد الذي قد يمنحهم قبلة الحياة.

التوافق الضمني بين فلول الوطني وفلول الإخوان، على إرباك المشهد العام، يفرض على الرئيس والحكومة اتخاذ إجراءات طال انتظارها، تؤكد عمليا أن هناك نظاما جديدا يتطلع إلى الأمام، ولن يسمح بإعادة إنتاج رموز، حكم عليها ملايين المصريين بعدم الصلاحية، لأن هذه الورقة ربما تكون محل مزايدة، وعلى خلفيتها يمكن أن تتراص من جديد الكثير من القوى الشبابية، التي أحبطتها النتائج السياسية الراهنة لثورتي 25 يناير و30 يونيو.