الميكانيكا الكمية .. القفز من فوق الأسوار

دعنا نراقب الإلكترون

ماذا نريد من أجهزة القياس؟ أولا، إمدادنا بما نريد معرفته. فهي ليس لها رأي خاص بها. إنما تطيع فقط أوامرنا. أجهزة القياس في عالم الذرة، لها جانبان. مدخلات، ومخرجات.

المدخلات، تطيع قوانين الميكانيكا الكمية. أما المخرجات، فتعطينا معلومات بلغة الميكانيكا الكلاسيكية. حتى تفهمها حواسنا. مثلا، نطلب من أجهزة القياس معرفة مكان وسرعة الإلكترون في نفس اللحظة. فتقول لنا الأجهزة: "آسف، لا أستطيع فعل ذلك" لكنني أستطيع أن أدلك على إحداها فقط.

وتساءلنا سابقا، أيهما يستحق اللوم: أجهزة القياس، أم طبيعة الإلكترون. واقترحنا أن يكون اللوم مناصفة. ونسينا لوم أنفسنا. لأننا نطلب معرفة سرعة الإلكترون ومكانه في نفس الوقت، بينما هاتان المعلومتان لا رابط بينهما ولا علاقة من أي نوع.

هنا نجد أحد أعاجيب عالم الذرة. أعجوبة الطبيعة الموجية للجسيمات. باختصار شديد، مقاييس ومفاهيم الميكانيكا الكلاسيكية، والتي تعودنا على استخدامها مئات السنين، لم تعد تصلح لعالم الذرة والجسيمات الدقيقة متناهي الصغر.

فهل معنى ذلك أن الميكانيكا الكلاسيكية لم تعد صالحة للاستخدام الآدمي، مثل معلبات الأغذية والأدوية منتهية الصلاحية؟ ليس بالضبط. مفاهيم الميكانيكا أو الفيزياء الكلاسيكية، لازالت موجودة في الميكانيكا الكمية. لكن استخدامها يكون بحذر وحدود. الحدود هنا، هي حدود مبدأ هيزنبرج، مبدأ عدم اليقين.

يمكن اعتبار الإلكترون جسيما، له مكان في هذا الوجود مثلي ومثلك، إذا لم يكن له موجة مصاحبة (موجة دي بروجلي). لكن الموجة تجعل مكان الإلكترون باهتا ممسوحا. لأن مكانه يمكن أن يكون على أي جزء من الموجة، وهذا لا يمكن معرفته.

الإلكترون الساكن، تمتد موجته إلى مالانهاية، أي تصبح غير موجودة. هذا أيضا من معادلة دي بروجلي، عندما نضع فيها السرعة مساوية للصفر. لأن أي مقدار مقسوم على صفرا، يساوي مالانهاية. محاولة إيجاد الإلكترون عند مكان معين ستفشل بالتأكيد. حتى لو كانت سرعته كبيرة، سيظل طول موجته أكبر من حجمه، فلا نستطيع تحديد مكانه.

ليس فهمنا للموضع والسرعة فقط، بالنسبة لعالم الذرة، هو الذي قد تغير، ولكن أيضا فهمنا للزمن والطاقة وغيرها.

أنت لا تتخيل مدى صعوبة المشكلة؟ لأنها تخص طبيعة الفهم الإنساني. أي تغيير في مفاهيمنا الأساسية في أي فرع من العلوم، يأخذ وقتا طويلا. خذ على سبيل المثال نظرية التطور لداروين التي ظهرت منذ قرن ونصف من الزمان، لا يزال هناك من يعارضها بشدة ويرفض تصديقها بالرغم من الحجج الدامغة التي تسوقها.

آلاف السنين مرت قبل أن يبدأ فهم الإنسان لهذا العالم الذي يعيش فيه وطبيعة الأحياء والجماد وتركيب الذرة وسلوك جسيماتها العجيب. ولنا أن نتخيل كم سيكون فهمنا الحالي للعالم وأنفسنا، بالنسبة لفهم أجيال قادمة بعد عدة قرون قادمة؟

في القرن العشرين، تقدمت المعرفة الإنسانية بخطوات جبارة. ولازالت أبحاث العلماء على قدم وساق للبحث عن عالم جديد وتفسيرات أفضل وفهم أعمق لما يحدث في هذا الكون. لكن الأبحاث والأفكار، بدأت تتزايد في صعوبتها وتتعارض مع بعضها وتستغلق على الفهم. أو كما وصفها أينشتاين يوما: "دراما الأفكار".

تقول لي إن الطبيعة الموجية شيء عجيب؟ انتظر حتى أخبرك بالمزيد من العجائب والغرائب. فلماذا نترك عالم الذرة العجيب، ونذهب للفرجة على ألعاب الحواة والسيرك؟

الأطفال تقفز من فوق الأسوار للهرب من المدرسة. فماذا يفعل مدير المدرسة (كان يدعى الناظر في أيامنا). أيقوم بتعلية السور؟ شيء طبيعي. فيقوم الأطفال بالجري والقفز، أو بالتسلق على شجرة مجاورة للسور، أو بستخدام سلم خشبي وجد بالصدفة، أو بطريقة أخرى.

أطفال اليوم لم يعودوا يعتقدون في قصص أمنا الغولة والشاطر حسن. لكنهم مجبرون، عندما يكبرون ويواجهون عالم الذرة، على تخيل جسيمات تنفذ من خلال جدران صلبة. مثل فيلم الممثل القدير سعيد أبوبكر، "السبع أفندي". هو أيضا كان ينفذ من الحيطان.

دعنا نفحص حكاية الشعبطة والقفز من فوق الأسوار حتى نصبح خبراء فيه. نعرف أنه كلما انخفض الجسم واقترب من سطح الأرض، كلما قلت طاقة وضعه.

لأن طاقة الوضع، تساوي حاصل ضرب وزن الجسم في ارتفاعه عن سطح الأرض. وأنت واقف على الأرض، طاقة وضعك أقل من طاقة وضعك وأنت جالس فوق السور.

إذا وجدت مصدرا للطاقة، يكون في امكانك القفز من فوق السور. هذا يأتي عن طريق العضلات، أو مساعدة أحد الزملاء. المهم هنا هو زيادة طاقة وضعك. الباقي أمر سهل.

النزول من فوق السور إلى الحرية المنشودة والعالم الوردي، لا يتطلب مشقة. بل العكس. يجب بذل بعض الجهد للتغلب على جذب الأرض للجسم. الآن أصبحت طاقة الوضع، كما كانت من وراء السور قبل القفز. السور في هذه الحالة يسمى "حاجز الوضع".

عالم الذرة، ملئ بمثل هذه الحواجز. المعادن بها العديد من الإلكترونات شبه الحرة، وضعيفة الارتباط بذراتها. لكن بالرغم من حريتها النسبية، لم نسمع بأنها تركت المعدن بمحض إرادتها.

الفكرة هنا هي أن الإلكترون ليس له كامل الحرية. الإرتباط هنا ضعيف. لا يزال مجذوبا بالنواة موجبة الشحنة. الإلكترون يشبه الكرة التي سقطت في حفرة. داخل القطعة المعدنية، يتحرك الإلكترون بسهولة. لكنه لا يستطيع أن يترك القطعة المعدنية، مثل الكرة التي لا تستطيع بمفردها الخروج من الحفرة. لهذا السبب، حالة الإلكترونات في القطعة المعدنية تسمى "بئر الوضع".

ومع هذا، الإلكترونات ليست مربوطة بسلسلة في القطعة المعدنية طول الوقت. في بعض الحالات، يمكنها القفز من فوق السور إلى العالم الخارجي. هذا ما يحدث عند تسليط ضوء بطول موجة مناسبة على سطح معدني. هذه هي فكرة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.

فوتون الضوء ذو الشحنة المناسبة، يستطيع نزع الإلكترون من حاجز بئر الوضع وإطلاق سراحه. وهو أمر لا يختلف كثيرا عن تسلق الأطفال سور المدرسة والهرب إلى الخارج.

لكن الحاجز، في حالة الإلكترونات داخل القطعة المعدنية، ليس بالضبط مثل سور المدرسة. الحاجز هنا له داخل، وليس له خارج. هو يشبه درجة في سلم العمارة.

بالنسبة للكرة داخل الحفرة، يمكن أن نجعلها تواجه أسوار، إذا قمنا بالحفر حول الحفرة من الخارج. بالنسبة لحالة الإلكترون، يمكننا فعل ذلك عن طريق تسليط مجال كهربي قوي. الآن الحاجز بالنسبة للكرة في الحفرة والإلكترون في المعدن، متشابهان. إلا إن التشابه ينتهي هنا. تذكر هنا سبب المجال الكهربي.

بالنسبة لقوانين نيوتن، الكرة ستظل في الحفرة إلى ماشاء الله، ما لم تؤثر عليها طاقة خارجية. الكرات لا تقفز بنفسها من الحفر هكذا. كما إن الأطفال لا تتسلق الأسوار العالية بدون مساعدة أو بدون قفز.

الميكانيكا الكلاسيكية، تقول بأن الكرة لا يمكنها القفز من الحفرة أبدا. احتمال حدوث هذه المعجزة يساوي صفر. هذا يعني استحالة مطلقة. الآن سنقوم بحل معادلة شرودينجر بالنسبة لألكترون في قطعة معدنية، والقطعة موضوعة في مجال كهربائي. تذكر فائدة المجال الكهربائي. سنفاجأ بأن النتيجة على غير ما كنا نتوقع.

هنا، احتمال خروج الإلكترون من المعدن لا تساوي صفر. أو بمعنى أصح، لا تساوي صفر أبدا. الاحتمال صغير، وقد يكون صغير جدا. لكنه لا يساوي صفرا أبدا.

الإلكترونات يبدو أنها قادرة على التسرب عبر الحاجز، أو النط من فوق السور والهرب إلى الخارج. بعكس تنبؤات الميكانيكا الكلاسية. يبدو أن هناك قوة خفية، شيطان رجيم مثلا، خرم نفق، مثل أنفاق غزة على حدودنا، عبر الحاجز لكي يسمح للإلكترون بالتسلل إلى الخارج.

ثم نقوم بسؤال أجهزة القياس، لكن النتيجة غير مشجعة على الإطلاق. نسأل أجهزتنا، كيف تيسر للإلكترون الإسراع والعبور خلال حاجز الوضع؟ هذا عكس قوانين الفيزياء الكلاسيكية التي تربينا عليها. فهل هذا أيضا من تخاريف الميكانيكا الكمية؟

نعرف أن طاقة الكرة في الهواء، تساوي مجموع طاقة الوضع وطاقة الحركة. أي الطاقة المكتسبة من ارتفاعها عن سطح الأرض + الطاقة المكتسبة من سرعتها. لكن الكرة في الحفرة، طاقة وضعها بالسالب. لأنها تحت سطح الأرض. وهي أكبر من طاقة حركتها، لذلك تظل في قاع الحفرة.

لكن الإلكترون، يتسرب من الحاجز. هذا يعني أن طاقة وضعه وصلت إلى الصفر عند الوصول إلى أعلى نقطة في الحاجز. عندها تكون طاقة حركته بالسالب. لأنها دائما أقل من طاقة الوضع.

طاقة الحركة = 0.5 مربع السرعة مضروبا في الكتلة.

طاقة الحركة بالسالب، يعني أن الكتلة كمية سالبة. كتلة جسيم بالسالب شيء لا يمكن فهمه أو تخيله. تخاريف تتفوق على مسرحية محمد صبحي. ولكي نتأكد أن الموضوع تخاريف، سنقوم بإجراء تجربة.

دعنا نراقب الإلكترون. وجدنا الإلكترون وبدأنا في مراقبته. ماذا حدث؟ الإلكترون يقترب من الحاجز الوضعي، لكي نراقب الإلكترون وهو يتسرب من الحاجز، لا بد من معرفة مكانه وسرعته. لكن مبدأ عدم اليقين يمنعنا من معرفة المكان والسرعة في نفس الوقت. وإذا حاولنا إضاءة الإلكترون بالضوء، سيهرب منا ولا نعثر له على أثر. أي طاقة للكشف عنه، سيستخدمها للهرب وتفسد التجربة.

هذا الموقف الذي لا نحسد عليه، يقابلنا كثيرا في عالم الذرة. لكن الميكانيكا الكمية تعطينا نصيحة خالصة لوجه الله، وتقول: يا مولانا، لا تبحث عن الجسيم بجوار الحاجز، لأنك لن تجده. مفهوم تسرب الجسيم في الحاجز الوضعي (الحفرة)، هو شيء خرافي يشبه حكاية أبو رجل مسلوخة في عالم الميكانيكا الكلاسيكية.

لكن يا محترم، الإلكترون من نفسه وبدون مساعدة ينفذ من الحيط، مثل سعيد أبوبكر في فيلم "السبع أفندي". السر هنا، وعالم الذرة ملئ بالأسرار، هو الخاصية الموجة للإلكترون. فدعنا نفحص موجة المادة (موجة دي بروجلي) من جديد.

من معادلة دي بروجلي، التي تقول:

طول موجة الجسيم= ثابت

لابلانك ÷ كمية الحركة،

كمية الحركة = الكتلة x السرعة.

هذا يعني أن سرعته لا تتوقف على مكانه. فلا توجد مسارات في عالم الذرة متناهي الصغر. لا توجد طرق وقضبان سكك حديدية معروفة سلفا تسير عليها المركبات والقطار في أوقات منتظمة.

لكن مكان الجسيم يؤثر في طاقة وضعه، وسرعته تؤثر في طاقة حركته. لذلك لا يمكننا قياس بدقة كلا من طاقة الوضع وطاقة الحركة للجسيم. يبقى لنا الطرق التقريبية في حدود مبدأ عدم اليقين.

الجسيم له مقدار احتمالات معين للخروج من البئر بدون مساعدة خارجية. وله أيضا مقدار احتمال لكي يظل سجينا في الحفرة أو البئر. إذا كان لدينا، على سبيل المثال، 1000 إلكترون. ووجدنا عشرة منها استطاعت العبور خلال الحاجز. فاحتمال العبور 1%. واحتمال البقاء في الحفرة 99%.

ما دليلنا العملي على ذلك؟ إذا قمنا بتسخين فتيل معدني، فالإكترونات تتركه بكميات كبيرة. هذا لا يحدث إذا كان الفتيل باردا. لكن، ضع الفتيل في مجال كهربائي، تذكر فائدة المجال الكهربائي، ستجد الإلكترونات تتخطى الحاجز وتخرج بكميات كبيرة أيضا. هذا يسمى الإشعاع البارد، وهو دليل واضح على صحة وجود أنفاق في الحاجز، تهرب من خلالها الإلكترونات. الأنفاق في عالم الذرة، ليست خيال علمي، ولكنها حقيقة واقعة.

المعادلات لا تكتب من أجل التسلية، لكن لكي تساعدنا على فك طلاسم الظواهر الطبيعة. معادلة شرودينجر لا تشذ عن ذلك. المعادلات قد تكون بسيطة رقيقة، مثل معدلة أينشتاين التي تساوي الطاقة بالكتلة، أو معادلة دي بروجلي لحساب طول موجة المادة. وقد تكون معقدة، غاية التعقيد.

معادلة شرودينجر، معقدة غاية التعقيد. لا يستطيع فهمها وحل رموزها إلا المتخصصون. تستخدم المعادلات التفاضلية الجزئية، وهي فرع مهم متقدم من الرياضيات التطبيقية. شرحها بالتفصيل، يخرج عن نطاق هذا الشرح المبسط للفيزياء الحديثة ونظرية الكم. لكن يكفي أن نقول هنا إن مثل هذه المعادلات، تصف العلاقة بين كميات متغيرة بالنسبة للمكان والزمان.

الكميات المجهولة (المجاهيل) في هذه المعادلات، تصف العديد من الحالات. ربما حالة سطح سائل في أنبوبة، أو أبعاد قمر صناعي في الفضاء، أو موجات راديو تنبعث من محطة إرسال إلى جهاز استقبال .. إلخ. العلاقات بين هذه الكميات المجهولة، يسميها علماء الرياضيات "الدوال"، جمع "دالة".

المجهول في معادلة شرودينجر هو "دالة الموجة". معناها بالضبط، لا يزال غامضا غير واضح للعلماء، بالرغم من آلاف الاستخدامات الناجحة لها. لكن هناك شيء واحد، يتفق الجميع عليه. هو، إن مربع دالة الموجة، يعني قيمة احتمالية.

من دالة الموجة، يمكن أن نجد القيمة المناظرة لظهور جسيم في مكان معين في وقت معين. هذه القيمة الاحتمالية، هي نفسها "الموجة الاحتمالية" التي ناقشناها سابقا والتي تقود الإلكترونات لعمل حلقات التداخل.

لكي نقوم بحل معادلة شرودينجر في الحالة العامة، عملية في منتهى الصعوبة. لكن هناك حالات خاصة، تجعل الحل أمرا ميسورا. أحد الحلول الخاصة، هو عندما نعتبر أن دالة الموجة تتذبذب حول قيمة معينة لا تتغير مع الزمن. وتعرف بالحالة الساكنة.

لحسن الحظ، هذه الشروط، تنطبق على الذرات والجزيئات والبلورات وأشياء أخرى كثيرة. كلها تتميز بالاستقرار. لذلك يمكننا استخدام الحالة الساكنة لمعادلة شرودينجر لهذه الأشياء والحصول على نتائج باهرة.

حل معادلة شرودينجر، يستخدم الآن في العديد من التطبيقات، في: الفيزياء، في الكيمياء. وكذلك في تطبيقات هندسية مثل: المواصلات الكمية، فيزياء الجوامد، أشباه الموصلات، الكيمياء الكمية، البصريات، الصوتيات تحت الماء .. إلخ.