رهان الأوبك على منع تدمير دورها الدولي

شكل النفط أو كما يسميه البعض الذهب الأسود أحد عناصر الصراع الدولي على الثروات في العالم. صراعات تكتسي في الغالب صورة الصدام العسكري، ولكن في أحيان أخرى صورة المواجهة الإقتصادية.

لقد كان النفط ولم يزل المحرك الأساس لسياسة القوى الدولية في منطقة الشرق الأوسط. وكان ولم يزل الشرارة التي تضرم الصراعات والحروب سواء ضد منتجيه إذا ذهبت بهم الجرأة على تحدي إرادة دول الاستعمار القديم، أو بين هذه القوى المتهالكة على السيطرة على منابع النفط وعلى تأمين سلامة ممراته وطرقه.

منذ صيف سنة 2014 تعرف أسعار النفط في السوق الدولية إنخفاضا متواصلا زاد حدة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر حيث وصل سعر البرميل إلى أدنى مستوى له منذ أربع سنوات، ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه خلال الأشهر الأولى من سنة 2015. هذا الإنخفاض يعود إلى زيادة العرض على الطلب، بسبب عاملين أولهما أن ركود الإقتصاد العالمي وخاصة في الغرب قلص نسبة الزيادة في الإستهلاك، وثانيا إرتفاع الإنتاج الأميركي بفضل استغلال النفط والغاز الصخري بعد أن جعلت الأسعار التي تفوق 85 دولارا للبرميل إنتاجه مربحا.

بشكل عام سيكون المستهلكون في كل أنحاء العالم أول المستفيدين من هذا الإنخفاض ذلك إذا قررت حكوماتهم ترجمة ذلك على الأسعار في أسواقها المحلية وتخلت عن فكرة جني المزيد من الأرباح عن طريق تجاهل التطورات في السوق الدولية ورفع إيراداتها من الضرائب وغيرها.

نهاية عهد "مجانية" النفط

تمكنت الدول الصناعية غير المنتجة للنفط أو التي لا يكفيها إنتاجها المحلي على مدى العقود السبعة الأولى من القرن العشرين من الحصول على النفط من الدول الموصوفة بدول العالم الثالث، والجزء الأكبر منها في منطقة الشرق الأوسط، بأسعار جد منخفضة لم تتجاوز الدولارين للبرميل وهو ما إعتبره عدد كبير من رجال الإقتصاد ممارسة غير عادلة تدخل في نطاق أسلوب النهب الإستعماري لثروات الدول الأقل تقدما. المداخيل الضئيلة التي كانت تحصل عليها الدول المنتجة كبلت أيديها ومنعتها طوال عقود من إستثمار ثرواتها لتحقيق تنمية كبيرة ورفع مستوى معيشة شعوبها.

الأمر تبدل نوعيا وتدريجيا بعد حرب 6 أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، حيث تمكنت الدول المصدرة للنفط وخاصة عبر منظمة أوبك من وضع أسعار أعلى للذهب الأسود. في الغرب سميت تلك العملية بالصدمة النفطية الأولى، وفي كثير من دول العالم لجأت الحكومات والشركات الإحتكارية الكبرى إلى نقل الزيادات ولكن بشكل مضاعف إلى المستهلكين للحفاظ على أرباحها ومداخيلها دون مراعاة للأثار السلبية المجتمعية والاقتصادية على مواطنيها خاصة هؤلاء من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

على صعيد التجارة الدولية أقدمت الدول الصناعية وخاصة في الغرب على تضخيم أسعار سلعها المصنعة بعدة أضعاف في محاولة للحفاظ على العلاقة الإستنزافية المفروضة على دول العالم الثالث ومحو جزء من الآثار الإيجابية لرفع أسعار النفط بالنسبة للدول المنتجة والمصدرة. هذه الأخيرة أخذت تلجأ من حين لآخر لإعادة نوع من التوازن إلى السوق عن طريق رفع أسعار النفط، ولكن رد الدول الصناعية كان بإستمرار تصعيديا.

وسط هذا التطاحن وبغية إعادة سيطرتها على سوق الطاقة، لجأ الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة بعد أن فقدت إكتفاءها الذاتي في مجال النفط بعد الحرب العالمية الثانية، إلى كل الأساليب بما في ذلك شن الحروب وتدبير الإنقلابات للهيمنة على الإنتاج العالمي من النفط.

التوزيع الجغرافي

قدر المخزون النفطي العالمي المؤكد عام 1970 بنحو 546 مليار برميل بينما قدر الاحتياطي غير المؤكد بنحو 900 مليار. وفي عام 1994 إرتفع المخزون المؤكد إلى نحو 817 مليار بينما وصلت تقديرات عام 1996 للمخزون المؤكد إلى نحو 965 مليار برميل، بل أن هناك بعض الأوساط التي تقدر الاحتياطي بعيد الأمد للنفط في العالم بأكثر من ثلاثة ترليونات برميل.

والجدير بالذكر أن تقديرات عام 1970 لم تكن تشمل مخزونات الاتحاد السوفيتي بسبب تكتم الكرملين بشأنها، في حين شملت التقديرات اللاحقة كلا من روسيا ودول القوقاز وبحر قزوين. وقد أكدت العديد من مراكز الأبحاث الدولية أن الطلب العالمي على البترول سوف ينمو باطراد بمعدل ‏2 في المئة‏ سنويا خلال الفترة الممتدة من عام ‏2000‏ حتى عام ‏2020‏ وبذلك فمن المتوقع أن يصل الاستهلاك العالمي من البترول‏ إلى نحو ‏115‏ مليون برميل‏ ‏يوميا عام ‏2020‏ بعد أن كان عام ‏2000‏ يقتصر على‏ 74‏ مليون برميل‏ ‏يوميا وحوالي 92 مليون برميل يوميا بداية سنة 2014 أي أن معدل الزيادة سوف يكون في حدود ‏41‏ مليون برميل،‏ الأمر الذي يعني أن معدل الطلب العالمي على البترول سوف يزداد قبل بلوغ الربع الأول من القرن الحادي والعشرين بما يقارب ‏55 في المئة.

‏ وتشير الدراسات إلى أن هناك ‏6‏ دول فقط من دول الأوبك سوف يكون في مقدورها زيادة إنتاجها بمعدل ‏43 في المئة‏ بحلول عام ‏2020‏ وهذه الدول هي السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران وفنزويلا‏،‏ ومن منطلق أن التحليل الجيو سياسي يعني إلى حد كبير بتحليل التوظيف السياسي للموارد‏، يمكن التأكيد بأنه في خلال ربع القرن القادم سوف ينحصر مثلث النفوذ البترولي من حيث الدول ‏"فرادى لا كمنظمات‏"، في السعودية كأول منتج ومصدر بترولي على مستوى العالم‏ (12 مليون برميل‏ ‏يوميا بتقديرات‏ 2014)،‏ ثم يجيء العراق كثاني احتياطي عالمي بعد السعودية‏ مع العلم أن بعض المصادر تضعه قبل السعودية، وروسيا‏ (10 ملايين برميل‏ ‏ يوميا"). وبقراءة متأنية لخريطة النفط يتبين أن منطقة الخليج العربي هي الأغنى وتوفر الأرخص من حيث تكاليف الأنتاج، وأنقى أنواع البترول بالإضافة إلى المخزون الإستراتيجي المرتفع عالميا وخاصة في السعودية، والعراق. أما منطقة شرق آسيا فتعتبر فقيرة من حيث مخزونات النفط المعروفة بينما تعتبر منطقة وسط وغرب آسيا غنية به. أوروبا بشكل عام فقيرة بالنفط بينما يوجد النفط في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، ولكن على صورتين، هناك المخزونات السائلة القابلة للإستخراج حسب التقنيات الراهنة، وهناك النفط والغاز الصخري المتوفر بكميات ضخمة ولكن استغلاله مرتفع التكلفة ولا يمكن أن يكون مربحا سوى إذا تجاوز سعر برميل النفط حاجز 80 دولار. أما في إفريقيا فالنفط موجود في شمالها ووسطها ويكاد يكون جنوبها فقيرا بالنفط حسب المعلومات الحالية.

بعيدا عن المستهلك تعكس معركة أسعار النفط صراعات متعددة.

انخفاض الأسعار مستمر

قدم تقرير بعنوان "التبعات الجيوسياسية لانخفاض أسعار النفط"، وهو صادر في نوفمبر 2014 عن مؤسسة ستراتفور البحثية، تحليليا لأهم الأسباب وراء انخفاض الأسعار، وتأثيرها فى مستهلكي الطاقة في العالم والمنتجين.

كما ناقش التغيرات الهيكلية في سوق النفط، لا سيما النمو في المعروض، وتراجع الطلب، وعرض توقعات للفائزين والخاسرين من الدول في محاولة لوضع التكهنات حول قرار منظمة أوبك حيال هذا الانخفاض في أسعار النفط عالميا والذي صدر يوم الخميس 27 نوفمبر ونص على عدم خفض الانتاج وما ربما سيتبعه من قرارات خلال الأشهر القادمة.

بداية، يرصد التقرير أرقاما ومؤشرات حول انخفاض مستويات أسعار النفط عالميا، وكذلك العوامل الهيكلية التي تدعم استمرار هذا الانخفاض. فمنذ منتصف يونيو 2014، انخفض سعر خام برنت بنسبة تقارب 25 في المئة، حيث انتقل مستوى الأسعار من 115 دولارا للبرميل إلى نحو 87 دولارا للبرميل.

ويدلل التقرير على توقعاته بتحليل جانبي العرض والطلب العالميين على النفط، وتشير التوقعات حول جانب العرض إلى استمرار مستويات أسعار النفط قرب مستوياتها الحالية حتى نهاية عام 2015، حيث شهدت مستويات إنتاج النفط عالميا خلال الأشهر الأربعة الماضية ارتفاعا ملحوظا، حيث زادت الولايات المتحدة إنتاجها من 8.5 مليون برميل يوميا في يوليو 2014 إلى ما يقدر بـ 9 ملايين برميل يوميا. وقد زاد إنتاج النفط الليبي من نحو 200 ألف برميل يوميا إلى أكثر من 900 ألف برميل يوميا. وبالنسبة لإنتاج السعودية، ونيجيريا، والعراق، فقد زادت مستويات الإنتاج في الأشهر الأخيرة، وبلغ إنتاج منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" أعلى معدلات لإنتاج النفط على مدى العامين الماضيين.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نمو الطلب العالمي على النفط في 2014 هو 700 ألف برميل يوميا فقط، أي ما يقرب من نصف إجمالي الزيادة الإنتاجية المذكورة أعلاه.

وتشير التطلعات حول آفاق نمو إنتاج الطاقة حتى نهاية عام 2015 إلى إنتاج النفط بمعدل 750 ألف برميل يوميا أخرى في عام 2015، وذلك في ظل زيادة كميات إنتاج الولايات المتحدة الأميركية، وهي في مقدمة الدول التي رفعت مستويات الإنتاج من النفط عن طريق النفط الصخري بأكثر من 4 ملايين برميل يوميا، وتليها السعودية بحدود 8 ملايين برميل يوميا، ثم العراق، وكندا "النفط الرملي"، وكل منها أنتج 0.75 مليون برميل يوميا، وروسيا بـ 0.6 مليون برميل يوميا، والكويت، والإمارات، وقطر مجتمعة بـ1.2 مليون برميل يوميا، وكانت هناك زيادات صغيرة أخرى في دول صغيرة الإنتاج.

وعن جانب الطلب، فإن احتمالات استيعاب جانب الطلب لزيادة إنتاج النفط عالميا ضعيفة، خاصة في ظل تباطؤ وتراجع معدلات النمو الاقتصادي عالميا، وكذلك الاتجاه العالمي نحو استخدام بدائل الطاقة التقليدية والغاز الطبيعي والبدائل الأخرى، والتي تمثل اختراقا لسوق النفط العالمي، خاصة في أميركا الشمالية ودول الاتحاد الأوروبي. فالاقتصاديات الأوروبية الأكثر تقدما تمر بمرحلة تباطؤ النمو. فعلى سبيل المثال، يحقق النمو الاقتصادي الفرنسي المستوى صفر.

وفي الوقت نفسه، تراجع طلب الصين على النفط لما تشهده معدلات النمو الاقتصادي من انخفاض مستمر، حيث استمرار تراجع أسواق الإسكان والصناعات ذات الصلة، وهي تمثل مكمن التباطؤ الاقتصادي في الصين، وبالتالي يضعف الطلب على النفط. إلا أن هناك تكهنات يرجحها التقرير حول تدابير اقتصادية للحكومة الصينية حيال تحفيز معدلات النمو الاقتصادي للحد من تلك الانخفاضات، والعودة إلى اتجاه صعودي لمنحنى النمو، من خلال منح المزيد من الحوافز لتنفيذ مشاريع البنية التحتية العامة واسعة النطاق.

في ضوء ما سبق، فإن التوقعات باستمرار إمدادات الطاقة عند مستويات مرتفعة لإنتاج النفط من أميركا الشمالية تظل قائمة، بالإضافة إلى أن تباطؤ الإقتصادين الصيني والأوروبي يحد من إمكانات النمو في الطلب على النفط. وهذه العوامل مجتمعة يمكن أن تجعل من الصعب انتعاش أسعار النفط العالمية وعودتها إلى مستوياتها السابقة.

تداعيات انخفاض سعر النفط

النفط هو السلعة الأكثر أهمية من الناحية الجغرافية السياسية، وأي تغيير هيكلي في أسواق النفط يلقى صدى في جميع أنحاء العالم، وينتج عن هذا التغيير فريق واضح المعالم من الفائزين والخاسرين. فالبلدان التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة قد تتأقلم مع ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل منذ بداية عام 2011، حيث إن معظم دول العالم المتقدم تحاول الخروج من الأزمات المالية والديون. فإنخفاض أسعار النفط يمكن أن يوفر فرصة لاستعادة عافية اقتصادياتها. أما الدول الرئيسية المنتجة للنفط، فقد اعتادت على ارتفاع أسعار النفط، وغالبا ما يستخدم ذلك في تمويل ودعم ميزانياتها الوطنية. وعليه، فإن حالة انخفاض أسعار النفط المستمرة تدفع هذه الدول إلى إعادة التفكير في نفقاتها.

ويوضح تقرير ستراتفور جانبا آخر للتداعيات مرتبطا بأسعار الصرف، حيث إن التقلبات في أسعار الصرف الأجنبي تساعد على إبطال جانب من أثر التراجعات الأخيرة لأسعار النفط. وهكذا، فإن الإيرادات الاسمية لصادرات روسيا بالروبل زادت في الآونة الأخيرة، على الرغم من هبوط قيمتها بالدولار. وعلى النقيض من ذلك، فالبلدان الأعضاء في "أوبك" من دول الخليج مثل السعودية، والإمارات العربية المتحدة، اللتين ترتبط عملتاهما بالدولار، شهدت أكبر هبوط في الإيرادات بالعملات المحلية، جراء هبوط أسعار النفط، ولكن لديهما رصيدا هائلا من العملات الصعبة.

ضبابية المستقبل

في ظل "طفرة النفط الصخري" التي تلعب دورا واضحا فيما يشهد العالم من تذبذب الطلب العالمي على النفط من منابعه التقليدية، يعزو العديد من الخبراء في مجال الطاقة ما تشهده الولايات المتحدة من التحول إلى الاعتماد على إنتاجها المحلي بشكل أكبر، والاستغناء عن النفط المستورد من الخارج، مما أدى إلى تراجع الطلب العالمي على النفط، إذ إن الولايات المتحدة هي أكبر مستهلك للنفط في العالم.

وفي مقابل ذلك، تتبنى السعودية موقفا محسوبا بدقة، بدعمها وصول أسعار النفط إلى نحو 80 دولارا للبرميل لخفض الأسعار، حتى تجعل من استخراج النفط الصخري أمراً غير مجد اقتصاديا، مما يدفع واشنطن في النهاية إلى العودة لاستيراد النفط من السعودية.

وهنا، يشير تقرير ستراتفور إلى أن تدخل منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" المحتمل في الحد من انخفاض مستوى الأسعار سيساعد أيضا المنتجين والمستثمرين في النفط الصخري "المنافس" على زيادة أرباحهم، وكذلك دخول مستثمرين جدد لهذا القطاع، وزيادة الصادرات الأميركية من المشتقات النفطية إلى العالم، وهذا ما لا تريده "أوبك" أن يحصل.

ينتهي تقرير ستراتفور إلى أن أسعار النفط الحالية، مقابل المستقبل، لا تزال، حسب المنحنى السعري، تؤكد قلق السوق بخصوص الأجواء الجيوسياسية واستمرارها، وكذلك قرب نهاية العام الذي عادة ما يقوى فيه الطلب مع فصل الشتاء، وارتفاع الطلب على النفط.

مواجهة بأسلحة متعددة

جاء في تقرير لوكالة رويترز يوم الجمعة 28 نوفمبر 2014: أبلغ وزير البترول السعودي نظراءه من دول أوبك بأن عليهم أن يكافحوا طفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة ليتجنبوا خسائر كارثية على المدى الطويل، رافضا خفض إنتاج الخام بهدف خفض الضغط على الأسعار وتعزيز ربحية المنتجين في أميركا الشمالية.

ورجحت كفة النعيمي في اجتماع المنظمة يوم الخميس على غير رغبة وزراء آخرين من أعضاء أقل ثراء في أوبك مثل فنزويلا وإيران والجزائر كانوا يريدون خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميا للتصدي للانخفاض السريع في أسعار الخام.

وقال مصدر تحدث مع وزير من خارج أوبك عقب اجتماع الخميس "تحدث النعيمي عن التنافس على الحصص بالسوق مع الولايات المتحدة. وأدرك من كانوا يريدون خفض الانتاج أنه لا يوجد خيار لتحقيقه لأن السعوديين يريدون معركة على الحصص بالسوق".

وهبط النفط لمستوى منخفض جديد في أربع سنوات دون 72 دولاراً للبرميل يوم الجمعة. وهوت الأسعار بأكثر من الثلث منذ يونيو.

وأكد عبدالله البدري الأمين العام لأوبك فعليا أن المنظمة بصدد دخول معركة على الحصص بالسوق. وقال ردا على سؤال عما إذا كان لدى المنظمة رد على تزايد إنتاج الولايات المتحدة "لقد قدمنا الرد. نحن نبقي مستوى الإنتاج دون تغيير. هذا فيه رد".

واتفقت أوبك على بقاء سقف إنتاجها البالغ 30 مليون برميل يوميا دون تغيير وهو ما يشمل زيادة لا تقل عن مليون برميل على تقديراتها للطلب على نفطها في النصف الأول من عام 2015.

وذكر محللون إن قرار عدم خفض الإنتاج في مواجهة الهبوط الحاد للأسعار شكل تحولا استراتيجيا بالنسبة لأوبك.

وخرج عدد من وزراء أوبك الذين كانوا يريدون خفض الإنتاج من الاجتماع وقد بدت عليهم خيبة الأمل، والتزموا الصمت لعدة ساعات برغم أنهم قالوا عندما تحدثوا لاحقا إنهم قبلوا القرار.

وقال رفاييل راميريز وزير خارجية فنزويلا ردا على سؤال عما إذا كانت هناك حرب أسعار داخل أوبك "نحن متحدون". وأضاف "تتصارع أوبك دوما مع الولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة تعلن أنها دائما ضد أوبك... النفط الصخري كارثة من حيث وسيلة الإنتاج... لكنه أيضا باهظ التكلفة. وسوف نرى ما سيحدث بشأن الإنتاج".

وأكد مندوب خليجي لدى أوبك إن النعيمي طمأن الأعضاء بأن سعر الخام سيتعافى لأن الطلب سينتعش في نهاية المطاف. لكنه أصر على أنه إذا خفضت أوبك الإنتاج فسوف تفقد حصة بالسوق.

وخلا بيان أوبك عقب اجتماعها من أي ذكر لضرورة التزام الأعضاء بهدف سقف الإنتاج الحالي أو أي اجتماع استثئنائي لبحث سقف الإنتاج قبل اجتماع دوري مقرر في يونيو 2015.

ويستهلك العالم نحو 92 مليون برميل يوميا، تنتج أوبك التي تضم 12 دولة منها نحو 30 مليون برميل أي ثلث إنتاج النفط العالمي.

وقد تجعل حرب أسعار محتملة بعض مشروعات النفط الصخري المستقبلية في الولايات المتحدة غير تنافسية بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج وهو ما يخفف ضغوط المنافسة على أوبك في المدى البعيد.

عدد من المحللين ذكروا أن ظهور تأثير على إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة سيحتاج شهورا طويلة.

بل إن بعض المندوبين الخليجيين وخاصة هؤلاء الذين يعدون في مقدمة لائحة حلفاء واشنطن أو المعادين علنيا لها مثل إيران قالوا إنهم غير مقتنعين بأن رهان النعيمي سيربح. وقال أحدهم "إذا كانوا يستهدفون النفط الصخري الأميركي حقا.. فإلى أي مدى سيبطئ إبقاء سقف الإنتاج دون تغيير المنتجين الأميركيين؟".

أوليفييه جاكوب من بتروماتركس الاستشارية " ذكر من جانبه نفهم من هذا أن السعودية تروج لفكرة أنه ينبغي أن تنخفض أسعار النفط في المدى القصير بحد أدنى عند 60 دولارا للبرميل كي تنعم باستقرار أكبر في السنوات المقبلة عند 80 دولارا فأكثر". وأضاف "بعبارة أخرى من مصلحة أوبك أن تتعايش مع الأسعار المنخفضة لفترة وجيزة من أجل كبح جماح مشاريع التطوير لإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية".

وذكر الدكتور جاري روس الرئيس التنفيذي لبيرا انرجي غروب "هذا عالم جديد بالنسبة لأوبك لأنه ببساطة لم يعد بوسعها التحكم في السوق. إنه دور السوق الآن لإملاء الأسعار ومن المؤكد أنها ستواصل الهبوط".

مصادر رصد حذرت من أن لدى واشنطن خارج نطاق آليات السوق وسائل ضغط وتهديد منها تنظيم داعش الذي يتوعد بعض دول مجلس التعاون الخليجي بحرب مفتوحة، وأشارت نفس المصادر وبعضها من آسيا إلى أن البيت الأبيض متيقن أن الرياض أتفقت مع موسكو خلال زيارة وزير خارجيتها سعود الفيصل في نوفمبر على خوض حرب أسعار لإجهاض مشاريع تنمية الأنتاج الأميركي من النفط الصخري، الأمر الذي سيعزز على المدى الطويل قدرة الكرملين على مواجهة البيت الأبيض على الساحة الدولية.

400 مليار دولار خسائر

جاء في تقرير صدر في العاصمة البريطانية لندن نهاية شهر نوفمبر: إنها لعبة شطرنج بكل المعنى بين أوبك وشركات النفط الصخري الأميركية، تواجه فيها ثورة النفط الوليدة أول اختبار حقيقي منذ بزوغها قبل خمس سنوات.

في هذا الصراع فضلت دول الخليج المنتجة للنفط تحمل بعض الخسائر على المدى القصير، في سبيل استعادة هيمنتها مرة أخرى على سوق النفط العالمي على المدى الطويل.

لقد أنتجت الشركات الأميركية في السنوات الأخيرة النفط الصخري بسرعة وكثافة، أزعجت الدول النفطية الكبرى مثل السعودية وروسيا وبعض دول الخليج، وباتت تهدد حصة هذه الدول في إمدادات سوق النفط العالمي، حيث ارتفع إنتاج النفط الصخري في أميركا إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميا منذ عام 2008 ليحول أميركا إلى دولة نفطية كبرى خلال سنوات قليلة، تنافس روسيا والسعودية على صدارة الإنتاج.

وقد بلغ إنتاج النفط الأميركي نحو 8.6 ملايين برميل يوميا في أغسطس 2014، بفضل تقنيات "التكسير الهايدرولكي" و"الحفر الأفقي".

من هذا المنطلق اختارت أوبك مصارعة النفط الصخري وأوضحت أن المسؤول الحقيقي عن إغراق السوق النفطي ليس أوبك وإنما النفط الصخري والمنتجون الآخرون، وإذا خفضت" أوبك"من حصتها في محاولة دعم أسعار النفط، فإن كفة الإنتاج سترجح لصالح النفط الصخري.

القدرة على الصمود

السؤال المطروح في أسواق النفط هو من يملك القوة والقدرة على البقاء مع تدهور الأسعار، وما هو السعر الذي سيتمكن فيه النفط الصخري من الصمود في هذا الصراع المكشوف؟

على صعيد السعودية ودول الخليج، فالمعركة حددت مسبقا والخسائر حسبت والتعويضات حددت من الأرصدة المدخرة في الصناديق السيادية.

ويضاف إلى هذه الاستعدادات أن كلف استخراج برميل النفط لا تفوق في أعلى التقديرات 25 دولارا للبرميل، أما في الحقول الكبرى فلا تتجاوز الكلفة دولارين أو ستة دولارات للبرميل على أقصى تقدير.

من هذا المنطلق، فليست هنالك خسائر من ناحية جدوى استخراج النفط، حتى وإن هبطت أسعار النفط إلى 30 دولاراً للبرميل.

ولكن يبدو أن الحلقة الضعيفة في هذا الصراع هي النفط الصخري الذي تتراوح كلف استخراجه بين 60 إلى 80 دولارا للبرميل. وهنالك حقول تقل فيها الكلفة حتى حدود 40 دولارا، ولكنها ليست كثيرة.

موازاة مع قرار "أوبك" الإبقاء على سقف الإنتاج، تواصلت خسائر أسهم الشركات النفطية عموما وشركات النفط الصخري تحديدا، وبالنظر إلى أداء الشركات النفطية في مؤشر "ستاندرد آند بوورز 500"، الذي يعد أهم مؤشرات الأسهم إلى جانب دواجونز، يلاحظ أن أسهم القطاع النفطي كانت الأسوأ بين القطاعات، حيث بلغت خسارة أسهم الشركات 8.8 في المئة من قيمتها في شهر نوفمبر 2014.

وخلال يومي الأربعاء والخميس 26 و27 نوفمبر خسرت أسهم الشركات النفطية نحو 75 مليار دولار. وربما تكون خسائر شركات النفط الصخري قد تجاوزت 400 مليار دولار منذ بداية يونيو وحتى نهاية نوفمبر.

ويؤكد خبراء أن العديد من آبار النفط الصخري في أميركا وكندا بدأت تفقد جدواها الاقتصادية، ولم يبق أمامها إلا التوقف أو التشغيل بالخسارة.

تراجع الإنتاج

يقول الخبير النفطي فيليب فيرلغر إن "أميركا ستشهد انخفاضا كبيرا وسريعا في نشاطات حفر آبار النفط الصخري"، وتوقع فيرلغر أن يخفض إنتاج النفط الصخري في جزء من الحقول الأميركية العالية التكلفة من مليون برميل يوميا إلى نحو 400 الف برميل أو 300 ألف برميل. وتتركز مشكلة الشركات العاملة في استخراج النفط الأميركي في التمويل، حيث تمول معظم هذه الشركات نشاطاتها عبر الاستدانة أو عبر الاقتراض المباشر من البنوك أو إصدار السندات.

وقدر حجم الديون المترتبة على شركات النفط الصخري بنحو 1.7 تريليون دولار.

ويتفق محلل النفط في مصرف "باركليز كابيتال" ميسوين ماهيش مع فيرلغر في أن الحصول على التمويل، سيكون المعضلة الحقيقية لاستمرارية شركات النفط الصخري، مع استمرارية انخفاض أسعار النفط دون مستوى 70 دولارا.

ويتوقع ماهيش إفلاس بعض شركات النفط الصخري خلال عام 2015، مع تدهور القيمة السوقية لأسهمها في وول ستريت.

وقال في هذا الصدد "التأثير الكبير على شركات النفط الصخري سيأتي من سوق الإقراض، لأن البنوك سترفض تمويل عملياتها بسبب المخاطر الكبيرة، وربما تفشل في تسديد أقساط ديونها".

ولكي يحدث اختبار حقيقي للنفط الصخري يجب أن تستمر أسعار النفط في نطاق معين لمدة ثلاثة شهور على الأقل، حتى يتمكن الخبراء من الحكم على درجة مقاومة النفط الصخري لتدهور الأسعار، ويذكر أن درجات مقاومة الشركات تتفاوت حسب تفاوت كلف الإنتاج، ولكن مشكلة النفط الصخري أن العائد منه ضئيل، ويعد الأقل عالميا.

ولاحظت شركة "آي إتش إس هارولد" التي يوجد مقرها في لندن، أن العائد على رأس المال المستثمر في النفط الصخري الأميركي والنفط الرملي الكندي لا يتعدى 4.0 في المئة مقارنة بالعائد على رأس المال المستثمر في نفط الشرق الأوسط والبالغ 23 في المئة، حتى في المناطق ذات المخاطر العالية مثل العراق وليبيا.

وحسب تفسير نيك كاشيون مدير الاستشارات في شركة "آي إتش إس هارولد"، فإن السبب وراء ضآلة العائد الذي يحصله المستثمرون في شركات النفط الصخري، يعود إلى أن هذه الشركات تحقق أرباحها من سوق الأسهم وليس من الإنتاج.

ولاحظ كاشيون أن الشركات الكندية التي تستخرج النفط الرملي لم تحقق أرباحا أعلى من ستة دولارات للبرميل خلال السنوات الماضية، وهذه الأرباح حققتها الشركات في أوقات كان فيها سعر البرميل فوق 100 دولار.

فما الذي سيحدث حينما تنخفض الأسعار إلى 60 دولارا لبرميل خام غرب تكساس. من جانبه يقول بيتر هوارد رئيس المعهد الكندي لأبحاث البترول بكندا، إن ثورة النفط الصخري الأميركي ستواجه تهديدا حقيقيا إذا استمرت الأسعار في مستوياتها الحالية تحت 70 دولاراً لخام غرب تكساس.

مشروعية حروب

كانت مشروعية الحرب الأميركية بالنسبة للبيت الأبيض على أفغانستان استئصال الإرهاب. وكانت مشروعية الحرب الأميركية على العراق استئصال أسلحة الدمار الشامل.

ولكن لا الإرهاب تم استئصاله، ولا أسلحة الدمار الشامل عثر لها على أي أثر. الإرهاب أصبح سلعة أميركية لنشر الفوضى الخلاقة وزعزعة إستقرار الدول وتقسيمها على أسس عرقية ودينية ومناطقية بتكلفة قليلة وبدون خوض حروب مباشرة ومكلفة.

وفي حالتي أفغانستان والعراق رفعت الولايات المتحدة شعار الديمقراطية. ولكن أيا من الدولتين لم تذق طعم الديمقراطية... كل ما ذاقته حتى الآن هو جرعات كبيرة من سموم الاحتلال والفوضى الشاملة وعمليات الإبادة الجماعية.

من خلال الحرب على أفغانستان أصبحت الولايات المتحدة متمكنة من الإقتراب من حلم السيطرة على نفط آسيا الوسطى في القوقاز وقزوين. ومن خلال الحرب على العراق شددت قبضتها على نفط الخليج العربي، ولكن الأوضاع مرشحة الآن لتغيير كبير لأن معركة أسعار النفط ستنعكس على مشاريع البيت الأبيض الأخرى ليس في المنطقة العربية وحدها، بل على الساحة الدولية حيث تدور معركة إقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.