الحراك العربي: تزايد مخاوف المواطنة

التدبير العبثي اثر سلباً على الشعور بالوحدة الوطنية

أسهمت مظاهر القمع والاستبداد، التي سادت المنطقة، في التأثير بالسلب في ترسيخ مضامين بناءة وسليمة للمواطنة، كما تم توظيف التنوع المجتمعي في كثير من الأحيان، خدمة للاستبداد وإطالة عمره؛ عبر اعتماد المقاربة الأمنية في هذا الشأن، وتكريس الفرقة بين مكونات المجتمع.

وهكذا أثر هذا التدبير العبثي بشكل سلبي على الشعور بالوحدة الوطنية في كثير من الأقطار بالمنطقة؛ وقد زاد من حدة خطورة الأمر دخول بعض القوى والأطراف الإقليمية والدولية على خط التعاطي مع هذا الموضوع، لخدمة أهداف ضيقة عمقت من جراح المشكل.

كلّما شعر الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة في مجتمعه، اتسع شعوره بالمواطنة في بعدها المنفتح، بعيدا عن أي اعتبارات إثنية أو عرقية أو طائفية ضيقة. وكلما كان هناك شعور بالحيف وعدم المساواة داخل المجتمع، تنامي الإحساس بالعزلة والتهميش وضاق الانتماء.

سمحت أجواء الحراك بالمنطقة برفع الكثير من المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. كما شكلت فرصة لكثير من الفئات المجتمعية المظلومة لأن تنتفض وتطالب برفع الحيف المسلط عليها من قبل الاستبداد، عبر بناء دولة مدنية حاضنة لكل فئات المجتمع بكل تلاوينها واختلافها.

فهل تسمح التحولات القائمة بالمنطقة بتطوير المواطنة والارتقاء بها؛ عبر تدابير تدعم تنمية الإنسان وتحفظ كرامته بما يجعل الولاء الوطني للفرد فوق كل الولاءات الأخرى؟ وهل تتيح ترسيخ انتماء أوسع ومنفتح على جميع مكونات المجتمع، أساسه التعددية السياسية والاجتماعية، ويتجاوز القبيلة والعرق والمذهبية؟

في سنة 2011، وفي إطار الحراك المجتمعي الذي انطلق مع بروز حركة 20 فبراير بالمغرب؛ ضمن سياق إقليمي متغير، حمل الدستور المعدّل مجموعة من المستجدات التي تدعم التنوع المجتمعي، وذلك من خلال دعم خيار "الجهوية المتقدمة" (الفصل الأول من الدستور) كشكل ديمقراطي لتدبير الشؤون المحلية من قبل السكان من خلال ممثلين يتم انتخابهم، على أساس "التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ومشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية المندمجة والمستدامة" (الفصل 136 من الدستور)، وكذا اعتبار الأمازيغية إلى جانب العربية لغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة؛ ثم تأكيد صيانة الحسّانية كجزء من الهوية المغربية؛ وحماية مختلف اللهجات المغربية الأخرى، علاوة على إحداث مجلس للغات والثقافة الوطنية (الفصل الخامس من الدستور)، الأمر الذي شكل استجابة لفئة عريضة من المجتمع على طريق دعم المكتسبات التي راكمها المغرب في هذا الصدد منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن.

مع رحيل بعض الأنظمة في دول الحراك، وبلورة بعض الإصلاحات في أقطار أخرى، تزايدت الآمال والانتظارات نحو إقرار إصلاحات تسمح بطي صفحات قاتمة في علاقتها بالاختلالات التي رافقت إدارة التنوع المجتمعي، وتعيد الاعتبار إلى مكونات المجتمع من دون إقصاء أو تمييز.

على الرغم من بروز بعض الممارسات الطائفية خلال فترات الحراك ببعض دول المنطقة، في علاقة ذلك بالاعتداء على الكنائس والمساجد، وإطلاق شعارات معادية وتحريضية ضد جماعات دينية بعينها، فإن ظهور هذه السلوكات والمواقف على السطح في هذه المرحلة المتميزة والمفصلية من تاريخ شعوب المنطقة، لا تخلو من أهمية لكونها تكشف عن اختلالات واقعية داخل المجتمع، وستسمح حتما ببلورة تدابير وإجراءات أكثر فعالية وديمقراطية لاحتوائها في المستقبل.

لقد انطلق "الحراك" والمنطقة تعيش على إيقاع الصراعات الداخلية التي كلفت المنطقة برمّتها هدرا للطاقات والإمكانات والوقت، وحالت دون تجاوز إكراهاتها السياسية والاقتصادية، ونذكر في هذا السياق ما عانى منه العراق ومصر والصومال واليمن من صراعات لم تخل من عنف وصدام، فالحرب الأهلية في جنوب السودان خلفت الكثير من الضحايا، وكلفت البلاد خسائر اقتصادية وسياسية انتهت بتقسيم البلاد. وفي لبنان التي عانت من ويلات حرب أهلية، خلّفت مظاهر خطيرة من الاقتتال الطائفي الذي كلف البلاد والمنطقة الكثير من الخسائر.

قلق الهويات

وفي سوريا التي تحتضن عدداً كبيراً من المذاهب والطوائف والقوميات المختلفة؛ تزايدت المخاوف بشكل كبير، نتيجة للمظاهر العنيفة التي اتخذتها الثورة في سوريا، وانسداد الآفاق أمام تنامي العنف والعنف المضاد داخل البلد، وكذا تراجع سيادة الدولة على العديد من المناطق التي سادت فيها سيطرة بعض الجماعات المسلحة، علاوة على تعامل النظام السوري بشكل منحرف مع هذا الموضوع واستغلاله خدمة لأهداف سياسية ضيقة، والترويج لنفسه كحام للأقليات (مسيحيين وعلويين)، أصبح المجتمع السوري معرضا لصراعات طائفية خطيرة قد لا تخلو من تبعات إقليمية.

قيل إن فكرة التقسيم وإقامة كانتونات ودويلات إثنية أو طائفية، بدأت تحظى باهتمام كبير في ظل بيئة خصبة حاضنة، أسهمت فيها حدة الصراع السياسي والأمني المتصاعد، وأساليب العنف السلطوي المفرط، وممارسات النظام الاستفزازية، ومحاولاته تشويه وطنية الثورة وحصرها في البعد الطائفي، وتحويل الصراع مع الثورة إلى صراع وجود ومصير، وهذا ما يدفع النسيج البشري المتعايش منذ مئات السنين نحو العداء والتفكك، ويعزز عودة كل مكون اجتماعي إلى أصوله القومية أو الدينية أو الطائفية؛ كي يضمن بعضاً من الحماية والوجود الآمن.

في البحرين اعتمدت سياسات إدارة التنوع مسارين متضادين، هما: المسار الهيكلي المتجه نحو البنية الدستورية والقانونية، والمسار الثاني: الاستراتيجيات غير المكتوبة والقائمة على أسس الزبائنية والسلطانية المحدثة، بما أدى لأن تكون سياسات إدارة التنوع الطائفي سببا رئيسا لإثارة التوترات السياسية المستمرة من عقود، حيث قادت تلك السياسات مكونات المجتمع البحريني لمزيد من التهميش، والاستبعاد والاستعداد الضمني للدخول في ما يعرف بالهويات المقاومة، وهو ما جعل من الانقسام الطائفي (السنة والشيعة) حقيقة مجتمعية برزت بصورة كبيرة في أجواء الحراك بالمنطقة.

تمرّ العديد من دول المنطقة بمرحلة مهمة في تاريخها السياسي، تتطلب مراجعة الذات والوقوف على مختلف الاختلالات التي كرّست الاستبداد على امتداد عقود عدة، والسعي لتجاوزها وتحصين الأجيال من انعكاساتها في المستقبل.