الميكانيكا الكمية .. الموجة الاحتمالية

معلومات كثيرة

قام العالمان، هيزنبرج الألماني وشرودينجر النمساوي، برفض تصور دي بروجلي لطبيعة موجة المادة التي ترافق الجسيمات. وجاءا بعرض تصور جديد لهذه الموجة، كان خطوة كبيرة في تطور أسس الميكانيكا الكمية.

فكرة موجة دي بروجلي التي تصاحب الجسم المتحرك، تم قبولها بسرعة في المحافل العلمية للعديد من الدول. بعد عام من أطروحة دي بروجلي، جاء عالم الفيزياء الألماني ماكس بورن بتصور جديد لموجة دي بروجلي.

هيزنبرج، تلميذ ماكس بورن، والذي كان في بداية حياته العلمية يعمل كباحث، اهتم بحكاية موجة دي بروجلي هذه. موجة دي بروجلي وأبحاثه كانت تناقش بمجموعة أخرى من علماء الفيزياء، من بينهم شرودينجر.

دعنا نستعيد تجربة حيود الإلكترونات. في هذه التجربة، شعاع الإلكترونات يسقط بزاوية حادة على سطح بلورة، أو رقيقة معدنية. فيحدث حيود لشعاع الإلكترونات، ويسجل حلقات تداخل على لوح فوتوغرافي موضوع في الجهة المقابلة.

تم تصميم مصدر إلكترونات أو مدفع إلكترونات، يمكن عن طريقه التحكم في شدتها وسرعتها. لدينا حاجز به فتحة مستديرة. أدخل الحاجز بين مصدر الإلكترونات والبلورة. عند مرور الإلكترونات من الفتحة، تأخذ صورة الإلكترونات على اللوح الفوتوغرافي شكل الفتحة.

ماذا يحدث لو كان عدد الإلكترونات التي تمر من الفتحة لا يزيد عن عشرات الإلكترونات؟ عند تحميض اللوح الفوتوغرافي، سنجد نقط عشوائية موزعة، تشبه العلامات التي تحدثها طلقات مسدس في يد غير مدربة.

دعنا نستمر في إطلاق مدفع الإلكترونات. بعد عدة آلاف قذيفة، سيظهر على اللوح حلقات معتمة ومضيئة متداخلة.

سنلاحظ هنا شيء عجيب. عندما يكون عدد الإلكترونات صغير، ليس لدينا موجة ولا يحزنون. خاصية الإلكترونات الموجية، تظهر فقط في حالة الأعداد الكبيرة من الإلكترونات. موجة الإلكترون تظهر فقط مع الحشود الكبيرة. فما هي العبارة؟

للإجابة عن هذا السؤال، دعنا نعيد التجربة. نفس التجربة ولكن بطريقة مختلفة. مدفع الإلكترونات يطلق كميات كبيرة منها في وقت قصير. نجد حلقات الحيود تتكون على اللوح الفوتوغرافي. ثم نقوم بإطلاق كميات صغيرة تباعا في وقت طويل. نجد أننا نحصل على نفس الحلقات، طالما لدينا نفس عدد الإلكترونات.

في الحالة الأولى، حدث حيود الإلكترونات، أي ظهور الحلقات، عندما تزاحمت الإلكترونات بالآلاف في وقت واحد. لكن في الحالة الثانية، وهذا هو الغريب في الأمر، حيود الإلكترونات يحدث، حتى لو مرت الإلكترونات واحد واحد من الفتحة.

النتيجة واضحة كل الوضوح، كل إلكترون له مزاجه الخاص غير المفهوم، والذي لا يعتمد على الآخرين، كأنهم غير موجودين.

دعنا نفحص اللوح الأول، عندما كان عدد الإلكترونات قليل. لأول وهلة، يبدو أن النقط على اللوح عشوائية. لكن هناك شيء ملفت للنظر. بدلا من ظهور النقط داخل الدائرة المقابلة لفتحة الساتر، نجد وهذا غريب في الأمر، أن الكثير من النقط كان خارج دائرة الهدف.

هناك شيء آخر ملفت للنظر. إذا فحصنا نقط اللوح بتمعن، سنلاحظ أن الإلكترونات لا تصيب اللوح بعشوائية أبدا. حتى لو كان عددها قليلا. هناك مساحات فارغة على اللوح وتجمعات لنقط. مكان حلقات الحيود محفوظ على اللوح، تزداد وضوحا كلما زاد العدد.

دعنا نعد الإصابات في كل حلقة، ونقوم بعمل رسم بياني. المحور الأفقي، يمثل عدد الحلقات بالنسبة لبعدها عن مركز اللوح. المحور الرأسي يمثل الإصابات بين حلقتين. فماذا هو شكل الرسم البياني الناتج؟ هل هو منحنى أملس يمثل التوزيع الطبيعي لخطأ مسار الإلكترونات، أي منحنى جاوس كما يسميه علم الإحصاء؟

لا .. منحنى التوزيع الطبيعي الذي يشبه شكل الناقوس الأملس، لا يحدث في حالة الإلكترونات. منحنى الإلكترونات يتذبذب صاعدا ونحن نتجه إلى المركز، ثم يتذبذب نازلا كلما بعدنا عن المركز. شكل توزيع إصابات الإلكترونات على اللوح لا يشبه منحنيات التوزيع المعروفة في عالم الإحصاء. إنه يتبع قانون جديد في علم الاحتمالات.

هذا الشكل البياني الذي يشبه الناقوس المتموج، في زجزاج صاعد ونازل، لا يشبه أشكال المنحنيات المعروفة. لكنه لا يزال يشبه الموجة. هذا الشكل هو ما أطلق عليه ماكس بورن، "موجة دي بروجلي". وهي تمثل معنى جديدا أو تفسيرا جديدا لموجة دي بروجلي السابق أن طرحه دي بروجلي نفسه.

فيزياء نيوتن الكلاسيكية، تقول بأن الإلكترون المار من الفتحة، يسير في خط مستقيم حتى يصطدم بذرات البلورة ويخرج من البلورة ليضع علامة على اللوح الفوتوغرافي.

ليس هناك يد مرتعشة أو عيون منهكة لمن يقوم بالتجربة. ولا توجد رياح أو حرارة زائدة تتدخل في مسار الإلكترون. لذلك نقول إن الإلكترون بعد انكساره، يضع علامة في الدائرة المقابلة للفتحة. لذلك نتوقع بعد التجربة، ظهور علامة صغيرة واضحة ولا غير ذلك.

لكن الإلكترون يرفض سلوك القوانين الكلاسيكية. بدلا من ظهور العلامة الصغيرة على اللوح الفوتوغرافي، نجد مجموعة حلقات مضيئة ومعتمة. ليس هذا بسبب عدم الدقة في التصويب. النتيجة كما أسلفنا، موجة ليست شبيهة في توزيعها بالموجات التي نعرفها.

شكل منحنى التوزيع على اللوح الفوتوغرافي للإلكترون، يشبه الموجة الناتجة من الأشعة السينية، إذا أجريت عليها نفس التجربة. إذن الموجة التي أمامنا هي موجة إلكترون أكثر وضوحا من أي تصور سابق.

موجة الإلكترون، ليست طائرة يقودها الإلكترون. إنما هي موجة تحدد احتمال إصابة الإلكترون لنقطة معينة على سطح اللوح الفوتوغرافي. اختار لها ماكس بورن اسم "الموجة الاحتمالية".

في الفيزياء الكلاسيكية، لم يصادفنا موضوع الاحتمالات. حركة الأجسام دقيقة ومضبوطة ويمكن معرفتها إذا عرفنا القوة المؤثرة عليها. يمكننا التنبؤ بمكان الجسم وسرعته في أي وقت.

في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت دراسة الحركة الداخلية للغازات. تبين للعلماء أن قوانين نيوتن للحركة، لا يمكن تطبيقها مباشرة على جزيئات الغاز. لكي نقوم بدراسة حركة الغازات على مستوى الجزيئات، نحتاج إلى كتابة وحل معادلات رياضية معقدة لكل جزيء من الغاز.

جزيئات الغاز لا تقف ساكنة. إنما هي دائمة الحركة والتصادم مع بعضها ملايين المرات في الثانية الواحدة. في البحث عن طريقة معقولة لدراسة حركة الغازات، وجد العلماء أنه من الأفضل التركيز على درجة الحرارة للغاز وكثافته والضغط الواقع عليه وخواص أخرى.

ليس هناك حاجة لمعرفة سرعة كل جزيء من الغاز. التركيز على خواص الغاز ككل، يعني استخدام متوسط سرعة جزيئات الغاز ومتوسط درجة حرارته ودرجة ضغطة، إلخ.. لكن كيف نحصل على متوسط سرعة جزيئات الغاز؟ هنا تسعفنا نظرية الاحتمالات.

بالطبع سرعة جزيئات الغاز ليست متساوية. بل لها سرعات مختلفة ومتغيرة كل لحظة بسبب التصادم فيما بينها. هنا يأتي قانون الاحتمالات للأعداد الكبيرة. يمكننا تطبيقه للحصول على نتائج مرضية.

هذه قوانين جديدة يمكن تطبيقها على الإلكترونات والذرات والجزيئات. القوانين الكلاسيكية لا تصلح هنا. الجزيئات هنا بمعنى اتحاد ذرتين من نفس النوع، أو ذرتين أو أكثر من أنواع مختلفة. الذرة لا توجد منفردة، فهي أيضا لا تحب الوحدة.

بدلا من إصابة اللوح الفوتوغرافي في المكان المتوقع. الإلكترون يختار طريقه بنفسه، كأن له حرية إرادة ومزاج خاص به". بهذا صرخ أحد علماء الفيزياء وهويراقب سلوك الإلكترون، عندما لاحظ عناده وعصيانه.

العلماء الذين لا يتحلون بالفلسفة وقعوا في حيرة وحيص بيص. عندما يكون للإلكترون حرية إرادة، فلا توجد قوانين يمكن أن تصف حركته وسلوكه. هذه فوضى حقيقية.

إن كان الأمر كذلك، فلماذا نحتاج العلوم التي تبنى على القوانين. ولماذا نبحث عن القوانين إن لم تكن موجودة أصلا؟ هنا تسقط الفلسفة المثالية.

الإلكترون يرفض المثول للقوانين الكلاسيكية ومنها قوانين نيوتن. لكنه يخضع للقوانين الجديدة. قوانين الميكانيكا الكمية. فما هي قوانين الميكانيكا الكمية؟ وما معنى وجود حلقة مضيئة على اللوح الفوتوغرافي في تجربة حيود الإلكترونات؟

هذا يعني أن الإلكترون لم يصب هذه البقعة من اللوح الفوتوغرافي (النيجاتيف). مما يدل على أن الإلكترون، على غير ما يبدو، ليس حرا. بل هو مقيد في سلوكه. هناك شيء ما منعه من إصابة هذه الحلقة المضيئة.

الحلقة المعتمة، هي التي أصابتها الإلكترونات. لكن ليست كلها تقع في هذه الحلقة. هناك منطقة رمادية بين الحلقتين.

دعنا نراجع ما حدث. يترك الإلكترون المصدر، يمر خلال الفتحة المستديرة في الساتر، ثم ينعكس من البلورة ويتجه إلى اللوح الفوتوغرافي. فأين يصيب اللوح؟

الفيزياء الكلاسيكية تحسب الزوايا والمسافات والسرعة، ثم تقول لنا بكل ثقة، هنا. لكن الإلكترون يخيب أملنا ويصيب مكانا آخر.

الميكانيكا الكمية تقول لنا: لا أعرف بالتأكيد، لكن هناك احتمال كبير أن يصيب الحلقة المعتمة. وهناك احتمال أقل أن يصيب المنطقة الرمادية. وليس من المحتمل أن يصيب المنطقة المضيئة.

إنه أمر غريب بالنسبة لعلم يوصف بالدقة والانضباط، أن يحدثنا بعبارت مثل، لا أعرف ومن المحتمل. لكن يجب أن لا ننسى أننا أمام علم حديث يواجه أطنان من الظواهر المعقدة وغير المفهومة، في عالم أكثر تعقيدا. الحديث عن الاحتمالات في العلوم، يعني أن معرفتنا لظاهرة ما، ليست مطلقة وغير كاملة ومنضبطة.

دعنا نعود إلى موجات دي بروجلي التي ترافق الأجسام المتحركة. هذه الموجات تحدد مسار الإلكترون. لكن تحديد المسار يكون بطريقة إحتمالية، وليس بالضبط.

بالنسبة لتجارب حيود الإلكترونات، هذه الموجات ترسم مسار الإلكترونات على اللوح الفوتوغرافي، فتجعل الإلكترون يتبع هذا المسار ليصيب اللوح في المكان الأكثر احتمالا.

فهل أصاب ماكس بورن في اعتبار هذه الموجات الاحتمالية، أي الموجات التي توجه الإلكترون إلى اللوح بطريقة إحتمالية، هي نفسها موجات دي بروجلي؟ أم موجات دي بروجلي شيء مختلف؟ دعنا نفحص ذلك.

معادلة دي بروجلي لحساب طول موجة المادة، تقول إنه بزيادة سرعة الإلكترون، يقل طول موجته. العلماء يعرفون أن زيادة حدة الأشعة السينية، تعني نقص طول موجتها وضغط حلقات حيودها.

دراسة حيود الإلكترونات تحت سرعات مختلفة، بينت أن حلقات حيوده على اللوح الفوتوغرافي تنضغط إلى الداخل بزيادة سرعتها. مثل الأشعة السينية.

الآن حساب طول موجة الإلكترونات عن طريق قياس المسافات بين الحلقات على اللوح الفوتوجرافي، أثبت أنها توافق تماما معادلة دي بروجلي لحساب طول موجة الإلكترون. يا إلهي، يا له من عبقري هذا الشاب المدعو دي بروجلي.

ليس لدينا الآن أي شك. الموجة الإحتمالية التي تجعل الإلكترونات ترسم حلقات متداخلة على اللوح الفوتوغرافي، هي نفسها موجات المادة التي تنبأ دي بروجلي بوجودها من قبل بعدة سنوات. وهي موجات ليست قاصرة على الإلكترونات، بل هي ظاهرة كونية تنطبق على كل الأجسام وجزيئات المادة التي تسير بسرعة.

الموجات بصفة عامة، ومنها الموجات الكهرومغناطيسية، لا تظهر كجسيمات، وتسلك سلوك الموجات من تداخل وحيود واستقطاب. لكن عندما يقصر طول موجاتها، تبدأ تسلك سلوك الجسيمات، وتستطيع أن تنزع الإلكترونات من السطح المعدني.

خير مثال على ذلك هو أشعة جاما. وهي أقصر الموجات الكهرومغناطيسية المعروفة. لذلك هي تنزع جسيمات المادة بسهولة، وتظهر على أنها جسيمات بنت جسيمات من المادة.

اكتشاف دي بروجلي، وحد عالم الظواهر الفيزيائية في وحدة واحدة. وفسر لنا الطبيعة المزدوجة التي تبدو متعارضة للضوء والإلكترون، والتي تقول بأن كليهما جسيمات وموجات في نفس الوقت.

معلومات كثيرة صحيح، لكنها تستحق القراءة المتأنية والمراجعة.