الربيع المتأخر: الاضطرابات تلاحق الجزائر

الجنوب قنبلة موقوتة

الجزائر ـ لقى شابان جزائريان حتفهما وأصيب العشرات بجروح متفاوتة في مظاهرات عنيفة مع قوات الشرطة مساء الجمعة في منطقة تقرت بمحافظة ورقلة الغنية بالنفط في جنوب الجزائر.

وأكدت مديرية الصحة بالمنطقة أن محتجين قتلا عندما اندلعت اشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب والسكان الذين يطالبون بأوضاع معيشية أفضل في جنوب الجزائر.

وتشيع أعمال الشغب بشأن السكن والخدمات في الجزائر لكنها نادرا ما تفضي إلى حالات وفاة في البلد المنتج للنفط حيث تستغل الحكومة إيرادات الطاقة لتمويل برامج مدعمة لتفادي الاضطرابات.

وأفادت أنباء أن نحو 25 شخصا أصيبوا في أعمال شغب في تقرت بجنوب الجزائر بعد أن خرج شبان إلى الشوارع للاحتجاج على نقص السكن المدعم ومياه الشرب والوظائف. ولم يرد تعقيب فوري من السلطات المحلية.

وتفادت الجزائر إلى حد بعيد احتجاجات الربيع العربي التي هزت جيرانها وأنفقت الحكومة بغزارة على المواد الغذائية والسلع الأساسية المدعمة لتهدئة الاحتجاجات بشأن أسعار الغذاء.

وكان عدد من الشبان قد نصبوا خيمة عند مفترق الطريق المؤدية إلى وسط المدينة في خطوة للفت انتباه المسؤولين حول مطالبهم بعد تدهور الظروف المعيشية، غير أن عدم اكتراث هؤلاء بهم دفعهم إلى تصعيد الاحتجاج بالخروج إلى الشارع والتعبير عن رفضهم لسياسة النظام الإقصائية.

وقال مراقبون أن الاحتجاجات المتواترة في الجزائر تنذر بغليان واحتقان كبير داخل الأوساط الشعبية التي سئمت مماطلات النظام، والتقسيم الغير عادل للثروات في البلد الغني بالغاز والنفط، ورجحوا انطلاق شرارة ربيع عربي متأخر عقب ارتفاع وتيرة الاضطرابات المناهضة لسياسة النظام المجافية للعدل الاجتماعي.

وتجاهلت السلطات مطالب المحتجين المتمثلة في توزيع قطع اراضي سكن التي وعدت بها السلطات المحلية عام 2013 الى جانب ربط الأحياء بالمياه الصالحة للشرب وكذلك توفير مناصب شغل للشباب العاطل عن العمل. كما طالب المحتجون بتعبيد الطرقات و توفير الإنارة العمومية.

واوضح بعض المحتجين أن فترة الاعتصام السلمي انتهت ولم تقدم لنا شيء مما جعلنا نصعد احتجاج و طالبنا لقاء والي ولاية منذ أريع أيام مضت ولا جديد يذكر.

وذكرت مصادر اعلامية أن مديرية الأمن بورڤلة كانت قد أصدرت تعليمات بتفريق المتظاهرين باستعمال القوة المفرطة وهو ما اعتبره المحتجون تعديا عليهم، ومنه بدأت شرارة الأحداث.

ويرى خبراء أن احتكام النظام الجزائري الى استخدام المقاربة الأمنية الغليظة لتكميم الأفواه لتخفيف وطأة الاحتقان الشعبي لن يخمد نار الاحتجاجات بل سيغذيها ويوسع رقعتها لتطال كافة المناطق الجزائرية.

وأكدوا أن الاضطرابات المتواصلة في الجزائر تنم عن ازدياد الوعي الاجتماعي والسياسي بضرورة تغيير السلطة السياسية، وعدم الارتهان لنظام الجنرالات.

المقاربة الأمنية لن تجدي نفعا

وليست محافظة ورقلة الوحيدة التي تعيش على وقع الاحتجاجات والاحتقان بل سبقتها محافظة غرداية بعد مقتل شابان في العشرينيات من العمر واصابة نحو عشرة أعوان من الشرطة ومن الدفاع المدني، في تجدد أعمال العنف الطائفية بين المالكيين العرب والأمازيغ الأباضيين، ببلدة بريان.

وشهدت الجزائر تطورا خطيرا على المستوى الدلالة الأمنية عندما عمد عناصر الشرطة الجزائرية الذين لا يسمح لهم القانون بتاسيس نقابة، الى تنظيم تظاهرات غير مسبوقة.

وقالت مصادر جزائرية مطلعة إن المئات من عناصر الشرطة الجزائرية تظاهروا بغرداية تضامنا مع زملائهم المنتشرين في بريان المجاورة التي ازدادت بها حدة العنف.

وكان المئات من افراد الشرطة تجمعوا امام مقر رئاسة الجمهورية بعد مسيرة غير مسبوقة في غرداية (جنوب) وسط العاصمة الجزائر، للمطالبة برحيل اللواء عبد الغني هامل وتحسين ظروف عملهم.

كما طالب افراد الشرطة بـ"الحق في تاسيس نقابة تدافع عن مصالحهم"، مع العلم ان القانون يمنع حاليا على افراد الشرطة والجيش التنظم في نقابة، بينما يسمح لعناصر الجمارك والحماية المدنية بذلك.

يأتي ذلك بينما يحتمل أن يفاقم تهديد قوات الأمن الجزائرية العاملة بالمحافظة بالإضراب، من الأزمة المحتدمة بينها وبين المواطنين من الجانبين المتصارعين.

واتهم متابعون النظام الجزائري بتغييب القانون والعدالة الاجتماعية وهضم الحقوق وعدم احترام الحريات والخصوصيات، وهو ما دفع المحتجين الى النزول للشارع للتعبير عن مشاغلهم وتوجيه نداءات الإصلاح للنظام الجزائري.

ويستخدم النظام الجزائري سياسة التخويف والترهيب من بعبع الإرهاب للسيطرة على السلطة السياسية وعدم فتح مجال للتغيير السياسي.

ويرى مراقبون في تمرير الولاية الرابعة للرئيس الجزائري المقعد عبدالعزيز بوتفليقة، هو تكريس للشمولية وإصرار على الانسداد في الأفق السياسي للجزائر، عبروا عن انزعاجهم من استمرار السلطة في تخويف الجزائريين بالنموذج الليبي أو السوري.

وكشف آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية، نـُشر مؤخرا، أن الجزائر احتلت المرتبة التاسعة عربيا في الدول التي تعرف أكثر حالات انتحار بمعدل 1.9 متقدمة على عدد من الدول العربية على غرار المملكة السعودية، مصر، لبنان، سوريا.

وتندرج أغلب حالات الانتحار بالجزائر بسبب مشاكل اجتماعية واقتصادية تتعلق بالمستوى المعيشي مقارنة بدول عربية أخرى، وعبر التقرير عن قلقه إزاء تنامي الظاهرة بالجزائر وانتشارها عبر كل الفئات العمرية وبنسبة أكبر لدى الشباب والرجال أكثر منها لدى النساء.

ويذكر أن محافظة ورقلة شهدت احتجاجات صاخبة عام 2011 ضد النظام وخرج السكان في مظاهرات عارمة، احتجاجا على الانقطاع المتكرر للكهرباء خاصة وان المنطقة حارة لوقوعها في قلب الصحراء، وحاجة سكانها الى الكهرباء لتشغيل المكيفات وآبار المياه .