المحاصصة الطائفية على المستوى النظري

كثيرا ما نسمع مصطلحات مثل اقتسام السلطة، المحاصصة الطائفية، والديمقراطية التوافقية. ثلاثة مصطلحات يرجع الفضل في دخولها إلى حقل السياسة المقارنة إلى العالم الهولندي أرنولد ليبهارت. هذه المصطلحات الثلاثة هي أساس النظرية (نظرية الديمقراطية التوافقية) والتي وضعها ليبهارت ليفسر كيف يمكن أن تزدهر الديمقراطية وتترسخ في المجتمعات المنقسمة اثنيا والتي لا يصلح فيها تطبيق الديمقراطية الليبرالية أو ديمقراطية الأغلبية والتي تقوم على مبدأ الفائز يأخذ كل شيء.

هذه النظرية تعني ببساطة أساسية مفادها أن هناك جماعتين أو أكثر تشتركان في حكم مشترك ويتم اتخاذ القرارات بالإجماع ولا تستطيع أي جماعة اتخاذ القرارات الهامة بمفردها ودون موافقة الآخرين. وهنا يكون لكل الجماعات مدخلا للسلطة السياسية والموارد الأخرى. وهذا النموذج وفقا للتعريف السابق يسعى إلى أن يقلل من حدة الانقسامات الإثنية والصراعات فيما بينها وتحقيق نوع من التوافق المجتمعي والإستقرار الذي يوفر المناخ المناسب للديمقراطية كي تنمو وتزدهر.

وفي رغبتها للتحول للديمقراطية سنجد أن كثيرا من الدول المنقسمة اثنيا سعت إلى الأخذ بنموذج اقتسام السلطة أو المحاصصة الطائفية كي تضمن النجاح والإستقرار لديمقراطيتها الوليدة. وهناك مجتمعات نجح فيها هذا النموذج ومجتمعات أخرى فشل هذا النموذج فيها وأدى إلى عدم استقرار سياسي وصل في بعض الدول إلى حد الحروب الأهلية، فما السبب في ذلك؟

قد يعود السبب في ذلك في رأيي أن كثيرا من الدول وهي تأخذ بهذا النموذج أو النوع من الحكم نسيت أو تناست أن لهذا النظام شروط يجب توافرها حتى نضمن لهذا النموذج النجاح والإستقرار، وأهم هذه الشروط ما يلي:

الشرط الأول، أن تلتزم الجماعات المتناحرة بالقبول باستيعاب الآخرين ودمجهم من أجل بناء أمة. فصراع القوميات في مثل هذه الظروف يمثل مباراة صفرية لا تشجع على التوافق وتؤدي لانهيار الديمقراطية الوليدة.

الشرط الثاني، أنه على القادة السياسيين جيلا بعد جيل أن يتبنوا قبول الأخر والتعاون معه والإلتزام بالحفاظ على الإستقرار السياسي والإقتصادي لبلادهم وأقاليمهم وألا يحاولوا فرض سيطرتهم أو هيمنتهم على الدولة.

الشرط الثالث، أن يتحلى قادة الجماعات بثقافة التسامح والقدرة على تفهم حقوق الآخرين في الحكم الذاتي.

الشرط الرابع، هو التوازن النسبي فلا توجد هيمنة لجماعة على الجماعات الأخرى، بل هناك توازن نسبي في حجم الجماعة، وتعدد في الجماعات يكفي لعدم وجود أغلبية مطلقة (البوسنة نموذجا لتعدد الجماعات الإثنية التي لا يشكل أيا منها أكثر من نصف عدد السكان ).

الشرط الخامس، وهو عدم وجود اختلافات اقتصادية وسياسية كبيرة. فكلما كانت التباينات بين الجماعات المختلفة أقل كلما أدى ذلك إلى توفر شروط أفضل لتحقيق الإجماع، فلا يجب أن يكون هناك طرف محروم بشدة من الموارد البشرية والإقتصادية بل على العكس يجب أن تحظي كل جماعة بنسب متشابهة من مستوى المعيشة والدخل وعدد الموظفين في كل مستوى.

الشرط السادس، وهو المتعلق بتجزئة الأراضي، فيجب أن تكون الجماعات مقسمة اقليميا مما يسهل من امكانية تطبيق الحكم الذاتي الإقليمي لكل جماعة (كما هو الحال في بلجيكا والبوسنة).

الشرط السابع، هو الولاء القومي، فيجب أن يكون هناك ولاء مشترك يربط الجماعات بعضها ببعض، وأن ترتبط الجماعات أو غالبيتها برموز مشتركة وقيم وطنية. فالهوية المشتركة الإقليمية والقومية المشتركة ستؤدي إلى وجود ولاء مشترك يتجاوز الولاءات الضيقة للجماعات الإثنية، وهو ما يمنع ادعاء جماعة واحدة امتلاكها للدولة أو الإقليم والتي من خلالها تقصي الآخرين.

الشرط الثامن، تقاطع الولاءات، فيجب أن تتميز الكثافة السكانية بتقاطع الإنقسامات، مما يعني وجود مصالح مشتركة، وأن يكون لكل فرد أكثر من انتماء ويمنع ظهور جماعة مسيطرة. وهذا الشرط يقوم على افتراض أساسي مفاده أنه كلما تداخلت العضوية في جماعات متعددة كلما أدى ذلك لاستقرار النظام السياسي وأن يصبح أعضاؤه أكثر ميلا للتعاون، وأن يصبح التصويت الإنتخابي أكثر عقلانية وبعدا عن التأثر بالإنتماءات الضيقة.

الشرط التاسع، التعددية المعتدلة، ففي داخل كل جماعة هناك مجموعة من الأحزاب والأفراد والحركات وهذا ما يضفي التعددية السياسية على النظام ويجعله عاكسا للآراء المجتمعية المختلفة ولكن لا يجب أن تؤدي التعددية الداخلية إلى مزيد من التشظي والإنقسام واعاقة اقتسام السلطة.

الشرط العاشر، وجود النخب المسيطرة، فيجب أن تكون كل جماعة قادرة على الفوز بالدعم الداخلي للإتفاقيات التي يتم التوصل إليها بين الجماعات ككل، إن الطوائف أو المجتمع ككل يتميز بسيطرة النخب البنوية.

الشرط الحادي عشر، احترام الوضع القائم. فيجب على كل الأحزاب الداخلة في اقتسام السلطة أن تحرص على استقرار الوضع القائم كما هو وأن لا تحاول تغييره مهما حدث، وأن لا تحاول أي جماعة أن تفرض سيطرتها أو تغير الحدود الإقليمية.

الشرط الثاني عشر، وجود تاريخ من التفاهم المشترك بين قيادات النخب السياسية المختلفة، وأن تكون هناك ثقافة تاريخية لإدارة الصراع بطرق سلمية واحتوائه تمكن من أن تشكل دليلا للقيادات الحالية في إدارة الصراع. وفي نقطة معينة فعلى النخب أن توضح للجميع أن الإتفاق ممكن وأن هذه الثقافة التاريخية تشجع على ذلك وأن تؤدي إلى خلق التفاهم والرغبة في التعايش المشترك بين الأجيال المستقبلية.

الشرط الثالث عشر، وهو المشاركة الشاملة. فكل الجماعات أو ممثلون عنها يجب أن تكون ممثلة على مائدة التفاوض ولاحقا في نظام اقتسام السلطة المؤسسي، كما يجب أن تحل مشكلات الميليشيات العسكرية وإن يتم نزع السلاح منها وأن يتم تسوية أوضاعهم بصورة قانونية وإلا سيقومون بتدمير كل شيء.

الشرط الرابع عشر، أن تقوم الجماعات الإثنية بالدخول في هذا النظام بكامل إرادتها ودون أن يفرض عليها ذلك.

إن هذه الشروط ضرورية وحيوية لنجاح نموذج اقتسام السلطة ومن البديهي أنه كلما توافر أكبر عدد من هذه الشروط كلما زادت فرص نجاح نموذج اقتسام السلطة، وكل شرط قد يؤدي إلى تقوية الشروط الأخرى. فعلى سبيل المثال فإن توافر الإنقسامات المتقاطعة قد يؤدي إلى زيادة الولاء المشترك، كما أن وجود تاريخ طويل من التوافق سيؤدي إلى الحفاظ على الوضع القائم.

إن ليبهارت يرى أن ما قدمه هو خطوط عريضة لنموذج اقتسام السلطة ولكن هذا النموذج يمكن أن يأخذ أشكال متعددة في التطبيق وفقا لظروف كل مجتمع. فاقتسام السلطة لا يعني مجموعة محددة من القواعد والمؤسسات ولكن هو نوع عام من الديمقراطية يمكن تعريفه استنادا إلى أربعة مبادئ عريضة يمكن تطبيقها بصورة مختلفة. فعلى سبيل المثال قد يكون التحالف الكبير تحالفا في مجلس الوزراء أو في النظام البرلماني او ترتيبات اتفاقية في النظام الرئاسي على شكل اقتسام المناصب الهامة في الحكومة. فنموذج اقتسام السلطة المطبق حاليا في بلجيكا والبوسنة وشمال إيرلندا وجنوب أفريقيا أظهر تنوعا شديدا في التطبيق.