عراق العرب وعراق العجم

مَن يحكم العراق اليوم؟ البارزاني؟ السيستاني؟ سليماني؟

أين العرب؟ ولماذا التنسيق الأميركاني مع هؤلاء لقصف العرب وتهجيرهم؟ فكرة قالها شاعر عراقي عجوز، وهي ليست خطأ. حتى لو كانت لذلك الشخص تصريحات لا عقلانية في الماضي، فالمثل يقول "خذوا الحكمة من أفواه المجانين" أليس كذلك؟

باختصار الرجل تحدث عن عراق العرب وعراق العجم في خاطرة بسيطة قال فيها كلمة "قردستان" بدلا من كردستان، فقررت حكومة الإقليم رفع كتاباته من مناهج التعليم الكردي، وظهرت دعوات مضحكة في عصر الإنترنت بإحراق كتبه. حفلة تنكرية ثقافية عوراقية تتبعها مقالات تهاجم، وأخرى تدافع وتضخم بالموضوع.

في التسعين من عمره وفي لحظة إحباط قام أبو حيان التوحيدي بإحراق كتبه في باحة الدار. مخطوطات جيدة ضاعت في هذه اللحظة الحزينة. فالتوحيدي مهما كان يعتبر كاتبا مفيدا وممتعا. الكاتب التشيكي فرانز كافكا قد طلب أيضا من صاحبه ماكس برود حرق مؤلفاته بعد موته، غير أن برود لم يحقق له هذه الرغبة بل على العكس سعى إلى طباعتها.

يبدو لي - والله أعلم - أن الشاعر المسن قلق الآن على كتبه الكثيرة من البقاء دون اهتمام، فلا سبيل حقاً إلى تخليد كل هذا الشعر العجيب إلا بتوريط الآخرين بمنعه. لعله طموح بأن يكون لكتبه تلك الأسطورة التي امتلكتها كتب ابن الراوندي المحرمة، وشعر بشار ابن برد المفقود، ومخطوطات مكتبة الإسكندرية المحترقة.

لعبة ماكرة أن تأخذ مجد المسرحيات الثلاث والثمانين الضائعة لأسخيلوس أو كتب لغيوس التي تبخرت. كلنا يتذكر النسخة الأولى لكتاب الثورة الفرنسية لكارليل التي ألقتها بالنار خطأ خادمة أحد الأصدقاء، وكذلك المجلد الثاني من الأرواح الميتة لغوغول الذي أمر أحد البابوات المتشددين بحرقه.

لقد كتب أحدهم بأن هذه الضجة هي زوبعة في فنجان، وهي حقاً كذلك وتفضح انحطاط الثقافة العراقية عموما. شعر هذا الرجل المسن نفسه اليوم عبارة عن زوبعة في فنجان حقاً. نحن الآن نعيش عصرا مخيفا وفيه شخصيات تاريخية عجيبة. ليس هذا وقت قردستان وعربستان وسعدانستان. العجيب حقاً في ظاهرة الدواعش أنها جعلت الوثنيين أنفسهم يهدمون أوثانهم بأيديهم، وما حدث مع هذا الشاعر المسن خير دليل.

يوما بعد يوم تظهر مشكلة الدولة الإسلامية كما لو أنها مشكلة قومية وجغرافية، وليست مشكلة ثقافية. هناك كما يبدو دولة قديمة مدفونة تربط شبه الجزيرة والأنبار ودير الزور، وتمتد من الموصل إلى حلب. كثرة القنابل والعنف الطائفي الصفوي هو الذي أيقظها، شبح جغرافي قومي ينهض ويتقدم باتجاه بغداد الفارسية ودمشق المغتصبة.

الدول الغربية من واجبها ضرب أشياء مبهمة وغامضة كهذه بالصواريخ دفاعا عن السلم العالمي. نحن أمام شبح من التاريخ السحيق يظهر على شكل ألم وعنف دام. وربما كما ضرب الغرب الخميني بقوة في البداية، غير أنه في النهاية أصبح للواقع مكانه في الوعي، وتم عقلنة جميع الأطراف واستيعابها.

فإذا صحت التقارير الدولية في أن دخل الدولة الإسلامية السنوي يقدر بثلاثة مليارات دولارات، وعندها خزانة مالية قيمتها ثلاثة تريليونات دولار كلها من صناعة النفط والمصافي والمناجم والزراعة والضرائب على الشاحنات التجارية القادمة من الأردن وتركيا. فإن هذا يضعنا أمام حقيقة وجود دولة وليس تنظيما إرهابيا عابرا. ربما هذا التقرير المالي يجعلنا نفهم أيضا سبب الحرب على الشريط الحدودي مع تركيا لأنه يمثل مصدرا ماليا ضخما للأكراد حاليا وله قيمة سياسية كبيرة.

الثقافة العراقية عاجزة عن فهم الواقع أو ربما العقل العراقي خائف من الواقع. لهذا تهتم الثقافة العراقية بالمقولات وتثير حولها الضجيج أكثر من الواقع الفعلي على الأرض.

قام الإعلام الصفوي في العراق وخلال شهر واحد بشن حملات عجيبة، واحدة ضد الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد بحجة أنه شتم الشعب العراقي في صحيفة عمانية، وحملة أخرى ضد السيد طه اللهيبي بحجة أنه شتم أهل العمارة، وحملة ثالثة ضد الشاعر هادي ياسين بحجة أنه شتم الحسين وزينب، واليوم ضجة لا مبرر لها ضد شاعر مسن مقيم بلندن تحدث عن عراق العرب وعراق العجم. انحطاط وثقافة وهمية.

الرئيس العراقي (كردي) فؤاد معصوم بعد زيارته إلى السعودية يقول بأن زيارته تكللت بالنجاح ويكذب على الناس قائلا بأن العاهل السعودي ردد كلمات رقيقة عن السيستاني (فارسي) وهذا غير معقول وكذب صارخ، غير أنه يعكس مدى سيطرة "عراق العجم" على "عراق العرب" في هذا العصر المظلم.